الكرسي في العرفان الصوفي .. بقلم : زهير توفيق

الكرسي في العرفان الصوفي .. بقلم : زهير توفيق

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 30-6-2006
No Image
الكرسي في العرفان الصوفي .. بقلم : زهير توفيق

العرفان؛ احد الأقانيم الثلاثة التي أقام عليها محمد عابد الجابري نموذجه التحليلي في نقد العقل العربي، الى جانب البيان والبرهان. ويقصد بالعرفان معرفة الأسرار الالهية الخاصة من صفوة الناس؛ أي من العرفانيين انفسهم دون غيرهم، وهم أهل الغنوص او الإشراق الذين يصلون الى الحقائق الوجودية والالهية بطريقة الحدس او الالهام بطريقة مباشرة. وقد انتشر مذهب العرفان او الغنوص منذ القرن الثالث الميلادي، وتأثر به فلاسفة الاسلام، وكبار الصوفيين. واول مصادرات هذا المذهب قدرة العقل الانساني على معرفة كنه الحقائق الالهية والوجودية، التي فاضت من الواحد، والتي لها مراتب مختلفة اعلاها مرتبة العقول المفارقة، وأدناها مرتبة المادة. اما النفس فلا خلاص لها الا بالمعرفة، وهي أعلى مرتبة من الايمان والأعمال الصالحة.
واعتمد الغنوصيون التأويل الباطني، واحتكروا الحقيقة الدينية، التي أجلوا سرها ومضمونها بطريقتهم الخاصة، واعتبروا انفسهم الراسخين في العلم، الذي يصلون اليه بالكشف ومجاهدة النفس.
وقطع العرفان الصوفي الشيعي شوطا ابعد في التأويل، واعتبر ان لكل ظاهر باطن، ولكل تنزيل تأويل، ففي تأويل أتباع هذا النهج للآية الكريمة 92 من سورة المائدة ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا اذا ما اتقوا قالوا إن من وصل الإمام وعرفه ارتفع عنه الحرج في جميع ما يطعم، ووصل الى الكمال والبلاغ.
ولهذا تبدو هذه التأويلات والاجتهادات بالنسبة للمقربين والفقهاء السنيين قديما وحديثا خروجا من النص، وخروجا من فضاء اللغة العربية والتاريخ العربي بشكل خاص، اذا اخذنا ظاهر النص وقواعد اللغة العربية النحوية والبلاغية. ولكن مع مرور الزمن، أصبح التأويل الصوفي مكتفيا بذاته، وأسس قاعدة معرفية ومرجعية خاصة به للتفسير والتأويل بعد تسلل المذاهب القديمة، والمذاهب الفلسفية كالافلاطونية المحدثة، والهرمسية، والاسرائيليات، والمذاهب الفلسفية الدينية الفارسية.
وللتدليل على ذلك نورد مثالا من تأويل القشيري للآيات الكريمة من سورة الانعام التي تتحدث عن النبي ابراهيم عليه السلام: فلما جن عليه الليل رأى كوكبا، قال هذا ربي فلما افل قال لا احب الآفلين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما افل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر فلما افلت قال يا قوم اني بريء مما تشركون.
وهي آية واضحة بذاتها ولا تحتاج إلى جهد كبير في التفسير والتأويل، وغالبا ما تطرح في سياق الحديث عن قصص الانبياء للفتيان، ولكن القشيري يذهب بنا مذهبا آخر فيقول في تأويله للآيات عن ابراهيم: احاطت به سجوف (ستر) ظلام القلب ولم ينجل له بعد صباح الوجود فطلع نجم العقول، فشاهد الحق يستره نور البرهان، فقال هذا ربي، ثم يزيد في ضياءه فيطلع له قمر العلم فيطالعه بشرط البيان، فقال هذا ربي، ثم أسفر الصبح ومتع النهار فطلعت شموس العرفان من برج شرفها، فلم يبق للقلب مكان، ولا للتجويز حكم، ولا للتهمة قرار، فقال يا قوم: اني بريء مما تشركون، اذ ليس بعد العيان ريب ولا عقب الظهور ستر.
وشيئا فشيئا ترسخ التصوف النظري، واصبح منظومة اساسية في الفكر العربي الاسلامي، فله بنية مفاهيمية مركبة من المقولات والمفاهيم والنظريات الفلسفية التي جعلته على مساس مباشر بالفلسفة الاسلامية، مما حدا بالباحث ألبير نصري نادر ان يرى أن ذا النون المصري الصوفي الكبير الذي عاش في القرن الثالث الهجري اول من جعل الفلسفة جزءا من التصوف، وهذا ما يقودنا الى الزوج المفاهيمي عند الصوفية؛ الظاهر والباطن، فهم أولياء الله وخاصته، والله بحكم هذه الولاية يظهر لهم ما لم يظهره لأحد من العالمين، مما يمنحهم تفردا في الرؤيا، ومعرفة الصفات والوحدانية والألوهية على نحو يعجز عنه الآخرون من العقلانيين والمتكلمين والفقهاء.
فالظاهر هو ما يتوجه به القرآن الكريم الى عموم المسلمين، واما الباطن فهو للخاصة منهم الذين منحهم الله اسرار العلم الباطن المودع في القرآن. وبمعنى آخر: الظاهر هو تنزيل الكتاب من الله على الأنبياء بلسان قومهم، والباطن تنزيل الفهم من الله على قلوب بعض المؤمنين؛ أي قلوب العارفين الراسخين في العلم الالهي والأسرار الوجودية. والأخذ بالظاهر وحده انما يعني الدخول في حكم الاسلام، اما الايمان فهو أعلى مرتبة من الاسلام، وهو لن يحصل إلا بالأخذ بالباطن. وتم توظيف التأويل ومفاهيم الظاهر والباطن توظيفا سياسيا واجتماعيا وميتافيزيقيا.
ويشير ابن عربي الى ان الظاهر هو الصورة الحسية للباطن، والروح الالهي والمعنوي في تلك الصورة هو ما نسميه الاعتبار في الباطن، من عبرت الوادي اذا اجزته من قوله تعالى: ان في ذلك عبرة لأولي الأبصار (آل عمران، آية 13)، وقوله تعالى: اعتبروا يا أولي الأبصار (الحشر، الآية 2)؛ أي جوزوا مما رأيتموه من الصور بأبصاركم الى ما تغطيه تلك الصور من المعاني والأزواج في بواطنكم فتدركونها ببصائركم، وأمر وحث على الاعتبار، وهذا باب اغفله العلماء ولا سيما اهل الجمود على الظاهر، فليس عندهم من الاعتبار الا التعجب، فلا فرق بين عقولهم وعقول الصبيان الصغار، فهؤلاء ما عبروا قط من تلك الصورة الظاهرة كما أمرهم الله.
وتحول هذا الاعتبار او التأويل الى منهج للشيخ الأكبر ابن عربي، ودفع ابن عربي وغيره من كبار الصوفيين طريقة الكشف الى اقصى مدى، واشار في سفره العظيم الفتوحات المكية، إلى ان العرفان في فهم القرآن لا يناله الا المقرب؛ اي الذين ينزل القرآن على قلبه. ويشير الى أن ما كان نزوله على القلب هو صفة إلهية لا تفارق موصوفها، وان نزول القرآن في قلب المؤمن هو نزول الحق فيه، فيكلم الحق هذا العبد من سره في سره.
ولم ينظر الفقهاء السنيون قديما وحديثا بعين الرضا لمنهج الصوفية ومنظومتها المعرفية. فالاستدلال المباشر؛ أي طريقة المشاهدة الباطنية التي تصل الانسان بالله ألغت الوسائط العرفية والايمانية كالوحي والنبوة واقتحامهم باب المعرفة الغيبية التي تتعلق بالارواح والوحدانية والكرسي والعرش والملائكة وغيرها.
وفي هذا السياق يكتسب الكرسي عدة دلالات ومعان باطنية في العرفان الصوفي. فعن علي بن ابي طالب كرم الله وجهه ان الكرسي عبارة عن لؤلؤة كبيرة لا يعلم كنهها الا الله. ونقل الصوفية عن الترمذي ان نسبة السموات السبع والارض السبع الى الكرسي كحلقة في قلادة. وعن عكرمة ان الشمس عبارة عن جزء من سبعين جزءا من نور الكرسي. وفي المأثور الديني ان السموات العظام في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش. وما بين حملة العرش وحملة الكرسي سبعون حجابا من الظلمة، وسبعون حجابا من نور، كل حجاب مسيرة خمسمائة عام، ولولا ذلك لاحترق حملة الكرسي من نورهم. والمأثور عن الحسن البصري انه وحد ما بين العرش والكرسي، في حين ان حجة الاسلام الغزالي فرق بينهما ماديا ومعنويا. فالعرش جسم نوراني علوي؛ أي أعلى مكانة ومرتبة من الكرسي، الذي ربما كان ياقوتة حمراء او جوهرة بيضاء، وأحيانا نورا مطلقا. والكرسي والعرش هو سقف المخلوقات والموجودات؛ أي الحد المطلق الذي لا يخرج عن دائرته شيء، ولا مجال لإدراك ما وراءه.
وهناك اتجاهات اخرى خرجت عن التوصيف الحسي والتصور المادي، وجعلت من الكرسي رمزا للفعلية والاقتدار الالهي، ودلالة نفوذ الأمر والنهي.
اما عند محيي الدين بن عربي الشيخ الأكبر (560ه - 638 ه) فيمثل الكرسي على المستوى الوجودي عالم التعدد في حدود الاثينية التي تؤدي بدورها الى التكثر في فلك البروج الى الأرض؛ اي عبر الأفلاك السبعة التي توازي السموات من السماء الأولى الى السماء السابعة، والأثينية التي يمثلها نابعة من انه موضع القدمين الالهيتين. ويرجع أصل هذا الانقسام الى ثنائيات اقدم، وهي موجودة بالقوة لا بالفعل في العقل الاول واللوح المحفوظ. ولا يمثل هذا الكرسي وجودا مغايرا لما سبقه؛ بل بالأحرى يمكن القول انه يمثل ظهور هذه الحقائق من حالة الكمون الباطني، وليس معنى كونه فلكا داخل فلك العرش استقلاله عنه، فهو مثله صورة في الجوهر الهبائي، فسمى هذا الموجود الآخر كرسيا، ودلى اليه القدمين، فانغلقت الرحمة انغلاق الحب، فتنوعت الرحمة الى الصفة، والصفة الى اطلاق وتقييد، فظهرت الرحمة المقيدة، وهي القدم الواحدة وتميزت الرحمة المطلقة لظهور هذه القدم الأخرى، فظهر في هذه انقسام الكلمة الواحدة العرشية التي لم يظهر لها انقسام في العرش. ومثل هذا التوحيد بين الكرسي والعرش باعتبارهما نسبتين في الجوهر الهبائي يجعلنا نتعامل مع هذه القسمة في عالم الكرسي باعتبارها قسمة ظاهرة لباطن موحد في حقيقته. وهذا ما يعبر عنه ابن عربي بقوله ان الامر الالهي انقسم الى خبر وحكم، وهو في حقيقته واحد لا يقبل الانقسام الا بالنظر والاعتبار، والانقسام الى حكم وخبر وما يتبعه من انقسامات داخلية داخل حدود كل منهما هو انقسام بالنظر الى عالم الكون او الى عالم الكثرة الظاهرة المشاهدة المحسوسة؛ عالم الكواكب التي نسبتها الى الكرسي كنسبة الكرسي الى العرش.
والانقسام الذي يمثله الكرسي او القدمان يمتد عند ابن عربي ليشمل كل العوالم، ويضم كل الثنائيات، فهاتان القدمان تمثلان في عالم الالوهية تقابل الأسماء الالهية مثل الظاهر والباطن.
ومن الطبيعي ان يؤدي هذا الانقسام الوجودي الواحد في باطنه الى انقسام معرفي تختلط فيه حدود التشبيه والتنزيه، ويكون هذا الانقسام هو الحكم على ما نراه من معرفة الكون من اضطرابات في ادراك الحقيقة المطلقة، والعارف (الصوفي) وحده هو الذي يصل الى تجاوز هذا الاضطراب والخلط والتشويش، فيدرك الانقسام على انه في أصله وباطنه وحده، ويدرك تعدد المعتقدات وتغايرها من خلال الأحوال والمقامات المتعددة التي يتنوع بها قلب العارف، وهذا التنوع في قلبه مرده الى هذه الثنائية في الكرسي الذي توجه الى ايجاده الاسم الالهي الشكور ويقابله من حروف اللغة حرف الكاف.
واذا كان ابن عربي يتعامل مع الكرسي والعرش باعتبارهما افلاكا حقيقية، فإنه يوحد احيانا بينهما وبين فلك الكواكب والفلك الاطلس. اما الصوفي الكبير القاشاني، فاعتبر ان العرش والكرسي ليسا افلاكا على الحقيقة، وانما هي افلاك بالمعنى المجازي، والمراد بهما النفس الكلية والعقل الكلي.
المراجع
1- ابن عربي، الفتوحات المكية.
2- نصر حامد ابو زيد، فلسفة التأويل.
3- رفيق العجم، موسوعة مصطلحات الامام الغزالي.
* باحث أردني

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }