ناجح حسن - توقف كثير من النقاد والمهتمين بالسينما المختلفة امام تجارب بصرية عديدة غلبت عليها اسلوبية الفيلم التسجيلي، هي نتاج ما قدمه مخرجون ومخرجات شباب حول تلك التحولات السياسية الجذرية في مصر وتونس العام الفائت.ظلت مجموعة الافلام المصرية التسجيلية التي نظمتها الهيئة الملكية الاردنية للافلام طيلة الاسبوع الجاري وتختتم اليوم في صالة سينما الرينبو، تحوم حول رؤى ثابتة تغرف صورتها من نبع ذلك السيل الهادر من المواد الفيلمية الذي صورته كاميرات شباب هواة ومخضرمين في حقل صناعة الافلام اضافة الى كاميرات القنوات التلفزيونية الاخبارية ووكالات الصحافة والاعلام حول اعتصامات حشود المشاركين في ميدان التحرير بوسط القاهرة وما عصفت به من احداث قادت الى تنحي رأس النظام.جاء اختيار الهيئة الملكية الأردنية للأفلام لاقامة عروض لمجموعة من الأفلام المصرية المتنوعة مصحوبة بصانعيها من المخرجين والمخرجات بمناسبة مرور الذكرى الأولى على ثورة 25 يناير في مصر .سرد توثيقي بصري .اشتمل الفيلم المعنون (التحرير 2011 : الطيب والشرس والسياسي) إخراج : إيتن أمين وتامر عزت وعمرو سلامة , على ثلاثة اجزاء منفصلة وفيها سرد توثيقي بصري لأحداث ميدان التحرير من زوايا عديدة حاكت العوامل المختلفة التي قادت حراك الشباب المصري الى احداث عملية التغيير السياسي في مصر اليوم .باعتناء ودقة الاختيار التقط المخرجون الثلاثة أحداث فيلمهم الذي عرض في العديد من المهرجانات السينمائية العربية والدولية، وعملوا على تقديمه الى عين المتلقي في اكثر من رؤية جمالية وفكرية، فعلى رغم اختلاف الرؤية بين مخرج واخر الا ان الفيلم بالنتيجة بدا وكانه عمل يطل على الحدث برمته من زوايا تعطي للفيلم مذاقه الخاص.عرض الفيلم تجاريا في صالات السينما بالقاهرة ليكرس سابقة غير مالوفة في تاريخ السينما المصرية والعربية عموما عن قدرة فيلم تسجيلي على انتزاع جمهور السينما الروائية السائدة الى متابعة احداثه والتفاعل معها على نحو يخالف قواعد واحكام العرض والتوزيع المعمول بها في السوق المصرية.ومن بين الافلام المشاركة فيلم (18 يوم في مصر) إخراج أحمد ورمضان صلاح حول الأحداث التي جرت منذ اليوم الأول الذي اندلعت فيه الثورة وحتى تنحي الرئيس محمد حسني مبارك مع التركيز على أهم الأحداث التي جرت في خمسة ايام حاسمة لم يقدم أي جديد لم يسعفه ذلك الاغراق في الوثائق التي صورت لمجاميع من الناس داخل ميدان التحرير في التقاط عينة توجز خلاصة هذا الحدث في خطابية بصرية لائقة .ناقش الفيلم الروائي (برد يناير) إخراج روماني سعد قصة أم فقيرة تعيش هي وأطفالها في حجرة بلا أثاث أو باب بعد أن باع الأب كل شيء، فتضطر لأن تعمل كبائعة أعلام أثناء الثورة لتتمكن من شراء باب يحمى أطفالها من البرد .ومن بين المفارقات التي يطرحها هذا الفيلم القصير تبلغ مدته 12 دقيقة فقط، ابتكاراته وحلوله الدرامية المفعمة بالجماليات والأسلوبية الغزيرة الدلالات والبليغة الاشارات الاتية من بساطته ووضوحه في ابتكار مفارقات حيث اللقطات التسجيلية الماخوذة من خطاب سابق للرئيس مبارك يحكي فيه عن انحيازه الى المواطن المصرى والتسهيل عليه فى رزقه و دخله وحقوقه وكرامته ورؤيته التي تقوم على بذل اقصى جهد ممكن من اجل التخفيف عنه في اعباء المعيشة اليومية ودعم ثقته فى مستقبله.وعلى نحو مغاير في الاسلوب تسلك المخرجة نيفين شلبي في فيلمها التسجيلي (أنا والأجندة) احداث الثورة بشكل متواز مع عرض الاجندات وراء الثورة من فقر وفساد وقهر وسوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية للمتظاهرين في الميدان وتقدمها في اطار ساخر وتهكمي لاتهامات المسؤولين ورجال اعلام عبر الخطب التلفزيونية وفي المشاركات عبر البرامج الحوارية للشباب المعتصمين بانهم نتاجات اجندات اجنبية حيث تبرز المخرجة مقابل ذلك صورا مؤثرة تتناقض وتلك الاتهامات.ابتكار الدعابة والسخرية .وصرحت شلبي الى (الرأي) بانها ترى طغيان الافلام التسجيلية على اغلبية المشهد السينمائي لثورة 25 يناير بانه عائد الى ان الافلام الروائية تتطلب فسحة من الوقت في التفكير والكتابة والتامل عما الت اليه الاحوال، لكنها لفتت الى ان اختيارها لموضوعها في بهذا الفيلم يسعى الى تقديم لون مغاير لما جرى تقديمه حيث ترى في التناقض بين المواقف وابتكار الدعابة والسخرية من واقع هو خلاف ذلك، اشبه بمحاولة لاقتحام عوالم جديدة في فضاءات الفيلم التسجيلي الرحبة . سرد الفيلم التسجيلي (نصف ثورة) إخراج كريم الحكيم وعمر الشرقاوي تجربة شخصية لمجموعة من الأصدقاء يقطنون وسط مدينة القاهرة ويعمدون إلى البقاء معاً في الأيام الأولى للفوضى العارمة التي حلت بمصر مع بداية الثورة.اعتبر الفيلم من بين اكثر الافلام التي حققت عن هذا الحدث قربا من قواعد الابداع السينمائي لغة وخطابية على الرغم من مكوناته البصرية الاتية عن تجميع لمشاهد تم التقاطها بكاميرات عادية، وكاميرات الهواتف الجوالة وسط مستويات وظروف مختلفة من الإضاءة مما جعل مستويات جودة الصوت والصورة متنوعة لأسلوبيته العصبية والانفعالية التي غطت مشهديته العديد من المواقف والزوايا والتكوينات العائدة لسرعة تتابع الأحداث وسخونتها وهو ما دعا النقاد الى اعتبار العمل أول فيلم يطلق صرخة تحذيرية مدوية بان ما اصطلح على تسميتها بثورة 25 يناير بانها ناقصة ولم تكتمل بعد .الطريق الى وسط البلد .ويستكشف فيلم الختام المعنون (في الطريق الى وسط البلد) للمخرج شريف البنداري منطقة وسط القاهرة وسماتها الخاصة ، كما انه يعكس العوالم البعيدة والقريبة والمتشابهة والمتناقضة في بيئة المكان الذي كان شاهدا على الثورة.في العديد من تلك الافلام برزت اكثر من عقبة جمالية وفكرية منها ذلك الايقاع غير المتماسك الذي لا يسمح بنوع من التأمل او في افراد مساحات كافية للصورة من خارج المكان الذي دارت فيه الاحداث معظم الأحيان، وهناك ايضا الكيفية التي جرى فيها سرد شهادت افراد وجماعات لحدث مباغت وتداعياته التلقائية المؤثرة على مصائر الكثير من الناس التي بدت في حياد عن الحميمية التي عرفت بها مفاهيم تيار سينما الحقيقة.لكن ما يحسب لعدد ضئيل من تلك الافلام فرادة صانعيها بالاستئثار بالحدث والمدعمة بقدرات تقنية تبغي الانحياز الى تيارات السينما الحديثة خصوصا تلك التي تمزج بين الأساليب الروائية والتسجيلية بغية تحقيق معادل بصرية في حدث مباغت من الصعوبة بمكان المناورة فيه.شاركت تلك الافلام بالعديد من المهرجانات المصرية والعربية والدولية حيث اثارت وما تزال الاعجاب والجدل بين النقاد والحضور الذين وجدوا فيها شهادات بصرية على احداث وتحولات عميقة في المجتمع المصري كما منحت العديد من الجوائز في تلك المناسبات السينمائية كان احدثها مشاركة فيلم (نصف ثورة) في مهرجان صندانس للافلام المستقلة باميركا ليكون أول فيلم مصري يشارك رسمياً في المهرجان منذ تأسيسه، ومن بين الافلام العربية القليلة التي استطاعت المشاركة في مسابقة المهرجان الذي تختتم فعاليات يوم التاسع والعشرين من الشهر الجاري . الانعتاق من مفردات اللغة .لكن ينبغي الاشارة ان ثمة عجز في كثير من تلك الافلام عائد الى ان صانعيها بالدرجة الاولى حققوها بفعل الجهود الذاتية المفعمة بحيوية وتسارع الحدث، ورغبة منهم في ضرورة اللحاق بهذا الحدث وتوثيقه بصريا ، فضلا عن غياب ركائز اسس التمويل في اثراء تلك الافلام بلقيات من الدراما الممتزجة بالتسجيلية المتطلبة لامكانيات سينمائية لا قبل لهؤلاء الشباب بها، او في انتظار كتابة نصوص تشتبك مع وقائع تحولات المشهد السياسي، وهو ما نجحت فيه تيارات السينما العالمية المعروفة تاريخياً بابداعاتها الراسخة في ذاكرة عشاق السينما على غرار : (الموجة الفرنسية الجديدة) و (الواقعية الايطالية الجديدة) و(السينما البريطانية الحرة) .. وهكذا دواليك الى اخر القائمة الطويلة من نظريات ومفاهيم الحركات السينمائية العالمية الرائدة، التي غيرت نظرة الناس الى وظيفة الفيلم سياسيا واجتماعيا وثقافيا وايضا الى دوره التنويري في الحياة اليومية، حين تمكن صناعه المتسلحين بالمعرفة والحصافة والفطنة من فرض اسس واحكام جديدة تبغي الانعتاق من مفردات اللغة السينمائية والفكرية الدارجة في الانجازات السينمائية السائدة.
طغيـان الوثيقـة وغيـاب المخيلة الإبداعيـة
12:00 26-1-2012
آخر تعديل :
الخميس