تبدأ فلسفة التاريخ بمصادرة أولية مفادها: إن العملية التاريخية ومسار التاريخ تحكمه وتتحكم به قوانين حتمية ثابتة، وإن هدفها كشف هذه القوانين الشاملة، التي تنطبق على التواريخ الخاصة، بغض النظر عن الاختلافات والاستثناءات الجزئية، التي لا تطابق تلك القوانين الكلية تطابقا كاملا.
وليست هذه القوانين مبادىء قبلية، إلا في فلسفة التاريخ التأملية، كما يجادل ويرد بعض المؤرخين وفلاسفة التاريخ، فغنى الحضارات الإنسانية، وتباين أسباب نشوئها وصعودها وتدهورها عبر التاريخ، أضفى ظلالا من الشك على جدوى فلسفة التاريخ التي تنطلق من مبادىء كلية معيارية، لفهم الماضي والحاضر، والتنبؤ بمسار العملية في المستقبل، ولكنها لا تقع في الواقع إلا على تجارب حضارية متنوعة، ولذلك فلا مندوحة من استقراء التجربة الحضارية الإنسانية ككل، وإعادة النظر في التجارب السابقة ودراستها من جديد، والإحاطة بأكبر عدد ممكن من الحضارات السابقة القائمة، أو التي فشلت في الصعود أو الاستمرار، لاستخلاص القوانين المحركة للماضي، وتعميمها على الحضارات الأخرى، والتنبؤ بمسار غيرها من الحضارات الراهنة، والحكم عليها سلبا أو إيجابا.
وهذا يعني التسليم بحتمية حركة التاريخ في اللحظة التي تروم فيها الحرية تحقيق ذاتها، وهي معضلة إجرائية وإشكالية فلسفية، وهوة لا يمكن اجتيازها بسهولة، للتوفيق بين الحرية والضرورة؛ بين رغبة الإنسان بالسيطرة والتحويل، وبين خضوعه للحتمية، لفهم قوانينها التي تفرض إيقاعها عليه كجزء من الحركة الكلية. فهو في المحصلة أمام خيارات صعبة؛ الإيمان بالحتمية التاريخية وترك الأمور على عواهنها تتطور تلقائيا إيمانا منا بحتمية التقدم وعقيدته التي ورثناها من عصر التنوير، وهي في جوهرها فلسفة مادية ميكانيكية عكست مستوى التطور العلمي في القرن الثامن عشر، وهو العصر الذي شهد ولادة مصطلح فلسفة التاريخ على يد فيلسوف التنوير فولتير، الذي انتقد عمل المؤرخين السابقين والمعاصرين له، وأراد لدراسة التاريخ أن تكون ذات مغزى عن طريق التفسير والتعليل بعيدا عن وصف الأحداث والمعارك التي خاضها الملوك وكبار الساسة والقادة، والبحث عن التاريخ الحقيقي للبشر بعيدا عن غبار المعارك والمؤامرات.
والجدير بالذكر أن الفكر التاريخي أنجز عدة نظريات تفسيرية لحركة التاريخ الحضاري قبل فولتير، إلا أنها لم تكن واعية لذاتها، لغياب المصطلح والأدوات المنهجية الفلسفية والمنطقية، أي إنها لم تكن تطبيقا منهجيا لمبادىء ومصادرات منهجية قبلية.
ولكن، هل من الضروري أن تنجح تلك النظريات والقوانين في تفسير المستقبل بالصورة التي نجحت أو قاربت بها الماضي؟ آخذين بالاعتبار أن التاريخ هو تاريخ تطور الإنسان، فهو جهده وتقدمه ونتيجة تفاعله وصراعه مع بيئته الطبيعية والبشرية، وثمرة المثلث الحضاري القائم بالإنسان والمكان والزمان، ومحصلة تأثيره في ذاته لتطويرها وأنسنتها، فالإنسان مشروع تاريخي يعني التحول من الطبيعة إلى الثقافة، بأدوات فكرية ومادية من نتاجه، فالأنسنة في حقيقتها سبب ونتيجة لجهد الإنسان في الطبيعة، وفي ذاته، وكلما زادت سيطرته زادت حريته، وتقلصت الضرورة العمياء التي فرضت ذاتها عليه لجهله بقوانينها الكلية.
إنها حركة استرداد الذات من استلابها واغترابها في الطبيعة عن ذاتها عندما تدرك نقصها الكامن فيها. وإدراكها أن هذا عمل تاريخي لم يصل إليه الإنسان إلا في سياق تقدمه وتحكمه بالقوى التي كانت تتحكم فيه، أي بالممارسة والعمل الواعي الذي استهدف فصله عن ماضيه، والتحرر من أثقاله واستلاباته والتسامي فوق الذات الطبيعية في مرحلة كان بها الإنسان خارج ذاته.
فأي مستقبل يمكن التعبير عنه أو افتراضه لتحقيقه أو التنبؤ به؟!
وهل هو الواقع الراهن القابل للتحسن والتحسين مع إبقاء بناه الأساسية قائمة بلا تغيير؟ أم هو نقيض الواقع القائم الذي فقد مناعته وأصبح قابلا للانزياح وتوليد الجديد القابل للتشكيل والتطوير بالإرادة الإنسانية التي تتمظهر في الواقع كممارسة تضع المستقبل من دون مثل أعلى؟!
فما يلزمنا هنا هو الحرية والممارسة الواعية بحد ذاتها، لا نظرية تأملية مجردة لتغيير الإنسان الذي نجح بتغيير ذاته بالممارسة، وليس بالنظرية المجردة أو بالتأمل، ثم تقدم وانقلب على ذاته وعلى ممارسته فيما بعد، وأعاد صياغتها نظريا واستنبط منها المبادىء والقوانين العامة التي تساعده وتهديه في أوضاع أخرى مغايرة أو مشابهة لأنسنة مستقبله والانفلات من واقعه القائم الذي يشده إلى الماضي، ولا يتأسس المستقبل ويتأنسن إلا بهدم البنى القائمة التي فقدت مشروعية وجودها، وأصبحت عائقا أمام التحرر والتقدم.
وبقدر ما يتهدم الماضي، يصنع المستقبل ويتأنسن على غير مثال، فهي حركة لا تتقدم إلى الأمام إلا إذا أخذت بعين الاعتبار حاجات الإنسان الراهنة والمستقبلية وتصوره للجديد القادم، والمختلف عما خبره واصطنعه من نماذج عندما شرع بما توفر له من أدوات وممارسة لم ترق بمستوى ذاتها؛ أي أنها لم تجد أمامها من التراكم والخبرة والتاريخ ما يساعده ويسعفه في صراعه الأبدي لتحقيق ذاته والانتصار على التحديات وصياغة القوانين لترشيد الممارسة لاختصار الزمن وتوفير عناء التجريب والاختبار وتكرار الخطأ.
وغالبا ما صاغ مشروعه الحضاري بمستوى متدن، ودفع ثمن لمخاوفه بممارسات وحشية فرغت مشروعه الحضاري من إنسانيته، وعند ذلك ثارت شكوكه من جدوى مشروعه الحضاري ومدى استحقاقه كل تلك التضحيات التي قدمها لحماية مشروعه، فانقلب على الأيديولوجيا، وانحاز للعلم والتكنولوجيا، وعلق عليها آماله لتغيير الواقع وتحقيق المستقبل. واكتشف الإنسان أهمية الشروط الموضوعية التي تجاهلها سابقا، وعجز عن إدراك خطورتها أو تجاوزها، ففشلت مشاريعه النهضوية وبقي المستقبل مشروعا بعيد المنال.
ولا غرو في ذلك، فغالبا ما تسير حركة الواقع عكس حركة المبادىء التأملية التي تقتحم الواقع لتغييره وإعادة صياغته من جديد تطبيقا لترسيمات ميكانيكية مغلقة استمدث قوانينها ومشروعيتها من استقراء جريء لتجارب حضارية وتواريخ معينة، وبنت عليها معمارها الشاهق الذي لا يقوى على الصمود أمام الوقائع والحقائق التاريخية المكتشفة حديثا، وهي في مجموعها لا تستغرق تاريخ البشرية ولا تبرر التعميم، فما هو موثق ومدون عكس متطلبات العصر الذي كتب فيه، ولهذا فهو تاريخ ناقص ويفتقر للموضوعية والشمولية لعدم توفر الوثيقة التاريخية الكاملة المتكاملة التي تطابق العصر الذي تتحدث عنه، فلم يخطر ببال الأسلاف أن يدونوا أو يكتبوا للأجيال القادمة ليحكموا عليهم سلبا أو إيجابا.
وفي عصرنا تبدو الأحداث المتسارعة بفضل العلم والتكنولوجيا قمينة بصنع المستقبل، وجعل الحاضر والمستقبل وحدة زمنية واحدة تتبادل التأثر والتأثير. ومن الملاحظ أن هذا المستقبل أصبح أكثر قربا وشفافية، بل وقابلا للاختراق والاستطلاع والنمذجة العلمية الديناميكية والسيناريوهات المحتملة، وأصبح بالإمكان استطلاع آفاق العقد القادم وتفسير ظاهراته والتحكم باتجاهاته.
ولذلك لم يعد التنبؤ بالمستقبل القريب مشكلة في فلسفة التاريخ العلمية القائمة على العلم والاستقراء، بل إن المعضلة الكبرى هي المستقبل الأبعد وكيفية السيطرة عليه، والتوجه لما هو أبعد منه؛ أي مستقبل المستقبل، أو ما أسميه ما بعد المستقبل الذي يحتاج لمنظومة معرفية تستمد مشروعيتها من خارج الواقع، ما دام المستقبل بنية صورية، فلا يحال عليه فكر مستقبلي للتحقق منه ومطابقته به.
فلا مناص إذن من تكوين فلسفة التاريخ المستقبلية المؤسسة لذاتها لتسويغ مشروعيتها كمشروع فكري منفتح على إنجازات مختلفة الأبعاد، ولا تجد اكتمالها في ذاتها إلا في الزمن القادم. وهذا ما سيفتح الباب على ترسيمات أيديولوجية لتطبيق هندسة اجتماعية صارمة وتأهيل المجتمع الراهن لنقله إلى الحداثة والمستقبل وإثبات أن التقدم الاجتماعي لم يعد حركة عفوية، بل هو في متناول الإنسان بحكم وعيه الاجتماعي وتطور تقنية التحكم والسيطرة والعلم الاجتماعي والطبيعي لتغيير المجتمع القائم وتوجيهه لغايات نبيلة لا نهائية، هي الكمال الإنساني والرفاء المطلق.
ولكن هل التقدم والكمال غاية التاريخ الموضوعي، أم غاية فلسفة التاريخ؟ وإلى أي حد يتحكم العقل بالواقع فيغيره أو يؤيده؟ يستدعي هذا فهما معينا للغايات كبنية كامنة في التاريخ الذي يحمل في أحشائه الحاضر والمستقبل الذي يتحقق في اللحظة المناسبة،. وما على الوعي الإنساني المسيطر والمتحكم بمصيره الطبيعي والذاتي إلا تسهيل ولادة الجديد بتوفير شروطه الموضوعية والذاتية في الوقت المحدد، فلا معنى للتقدم أو المستقبل الذي يتحقق بعد فوات الأوان إلا بفعل حركة الحاضر واندفاعه الذاتي الذي يتطور ويتقدم بطيئا مملا على مدى زمني طويل، بعكس الوعي الاجتماعي الذي انفصل عنه وعاش في زمنه الخاص.
أما الإسراع في حركة الواقع كما حدث ويحدث بفعل العلم والتكنولوجيا التي حققت قطائع معرفية متتابعة بين ماضي الشيء وحاضره ومستقبله خلال فترة زمنية وجيزة لم يتسن للوعي الإنساني أن يتمثلها أو يتكيف مع متطلباتها الديناميكية، فقد أدى إلى انفصام الوعي بين لحظة التقدم المادي وبين ضرورة الحفاظ على القيم الأخلاقية والرموز الاعتبارية والمقدسة في عالم متغير زعزع الثقة بالثوابت الفكرية والدينية.
إن المطلوب من فلسفة التاريخ حتى تبقى حية وذات جدوى وقادرة على تلبية مطالب المستقبل، أن لا تنسى القيم والاعتبارات الخالدة بخلود الروح، وأن تأخذ بعين الاعتبار تطلعات الإنسان التاريخي بمستقبل واعد، وتبرير رهانه على العلم والتكنولوجيا بتجاوز واقعه اللامعقول وماضيه الممتد في حاضره الذي يحبه وأعاقه عن التطور. فلم يعد أمام هذا الإنسان إلا إبداع ذاته بأصالته التي تفارق الواقع وتحكم عليه بمعايير المستقبل. وعلى فلسفة التاريخ أن تتحول من فلسفة تفسر الماضي إلى استشراف المستقبل وصناعته بما توفر لها من العلم والتقنية، والشرط الأول لهذا التحول هو تخليصها من حمولتها الزائدة التي حملتها منذ تأسيسها قبل قرنين، خصوصا التأمل المجرد والأيديولوجيا والأحكام القطعية.
* كاتب أردني