قال رولان بارت: بموت المؤلف. وقالت لسلي فيدلر بموت الرواية، وقال الفين كيرنان بموت الادب، ووعد آخر بموت الشعر. وحين انجز ملك الموت مهمته كاملة بقطف ارواح جميع الكائنات. قال الله: يا ملك الموت: مت. فمات.
اذن، اين نولي وجهتنا في عالم بلا موت وسط اموات!
موت المؤلف
في مقالته الشهيرة «موت المؤلف» فجر رولان بارت، ابواب النص المغلقة لتدخله كتابات متعددة ومتعارضة من غير ان تكون فيها ميزة لكتابة على غيرها. او ان تدعي احداها بانها اكثر اصالة من سواها. فالنص -كما قال: نسيج من الاقتباسات تنحدر من منابع ثقافية متعددة. ونسبة النص الى مؤلف بعينه، معناها ايقاف النص وحصره واعطاؤه مدلولا نهائيا. وهذا يعني اغلاق الكتابة في باب «بعد» واحد في حين هو فضاء متعدد الابعاد. لكن بارت -مع ذلك- اشترط لكي يوارى المؤلف التراث، ان يوجد القارئ الذي تجتمع عنده الثقافات والكتابات المتعددة المتحاكية والمتعارضة التي تتمازج داخل النص، وحيث لم يولد هذا القارئ بعد، يبقى موت المؤلف رهين ميلاد القارئ هذا (1).
وتعليقا على مقولة «موت المؤلف» هذه، كتب «ميشيل كونتا» قائلا: ان مفهوم المؤلف تم استبعاده من النظرية الادبية عندما قال بارت ب«موت المؤلف». لكن «فوكو» اقترح: «ان امحاء المؤلف اصبح امرا مقبولا من الجميع، على ان نحدد، كمكان فارغ، الامكنة التي تمارس فيها وظيفته، بالرغم من غيابه».
يعني بتعبير آخر: لا يهم من يتكلم! وليبق المؤلف شكلا. او مثل سائر شخصيات الرواية: «كائنات من ورق» اي ان يوصف المؤلف، مؤلفا من منظور جينيالوجي اكثر من بنيوي (2).
موت الرواية
وهكذا جاءت ردود الفعل على ما كتبته او تنبأت به الكاتبة الاميركية لسلي فيدلر عن «موت الرواية» في مؤلفها: «نهاية الرواية». فيكتب ايهاب حسن عن الرواية الاميركية المعاصرة خصوصا «لو ان اديبا من المريخ نظر الى ما لدينا من رفوف تغص بالروايات المعاصرة لاستنتج ان كوكب الارض يسير في طريق تدمير الذات، وان العالم الحاضر في حالة تجعل الانسان يعيش تحت خطر الموت الدائم. وهو لا يستطيع الاجابة الا بان يكون متمردا او ضحية. فالبطل الروائي. اذن، يجب ان يكون شخصية مضطربة مختلطة، خليطا من القديس والمجرم، براءته تقابل بالطبيعة المدمرة في خبرته، وهو يجد نفسه في موقف وجودي حقا. ان تعقيدات الحضارة المادية بما فيها من نقيضة خانقة وعدم كفاية ما وراء الطبيعة، هي التي تخلق لنا الرعب» (3).
ويكتب جان لاكان: «ان الرواية وهي تواجه شبح انهيارها تراءى لها بانها ملزمة في سعيها من اجل التفكير بتدهورها، باستعادة الادوات النقدية التي تم التخلي عنها جزئيا منذ السبعينيات».
ويعلق الكاتب غرانت سترلنغ على رواية «المرأة الاميركية ذات القبعة الصينية» للروائية الاميركية «كارول ماسو»: «يمكن القول ان الرواية التي تدور حول الموت، وبالتحديد حول موت الرواية تمثل ومن عدة نواح، الامتداد المنطقي لعملية استنطاق البعد الجمالي»، وقالت الروائية نفسها في لقاء معها عن الرواية هذه «ان هذا الكتاب ارعبني، فهو يستكشف ذلك الجزء الموجود في والذي يقول: لا. للمزيد. فلم تعد هناك لغة يمكن الكتابة بها. ولم تعد هناك اية ذاكرة، ولم يعد هناك جنس، او حب، او اية ممكنات سردية، ولا شيء يمكن قوله» (4).
ففي عالم يكاد يفقد معناه -كما يقول مؤلف الرواية الفرنسية الجديدة- تتذبذب الرواية في مسعيين: الاول: ويرتكز على التمركز الذاتي حول النفس في اشكالية نرجسية صرفة. اما الثاني فانه يحث القارئ لان يأخذ دوره كمحلل علامات، بعد ان بات الراوي نفسه عاجزا عن تفسير بعض المعطيات المتعلقة برواية الخيال وتحديد ما اذا كانت هذه المعطيات حقيقية ام زائفة (5).
اما عن الرواية العربية فيرى الناقد المغربي سعيد يقطين: انها بدأت تفقد بريقها العام، قائلا: «الرواية التي لا نفتح امامي شعاعا للامل، ولا تدفعني الى التفكير بطريقة تختلف عما تقدمه لي وسائل الاعلام، ليست جديرة بهذا الاسم» (6).
وفي الاتجاه نفسه ذهب الناقد حسن المودن الذي رأى ان مقتل الرواية العربية يقع في امرين: الاول: الوقوع في مزالق التجريب الذي يعني عند بعضهم استسهال الكتابة السردية. والثاني: وهو مترتب عن الاول، يتعلق بتدمير المكونات الاساسية للسرد: فالكف عن حكي القصص واهمال التشخيص والهروب بعيدا عن المجتمع والتاريخ والانسان امور خطيرة لان هذه هي منابع التخييل الروائي(7).
وهكذا، وبفعل رغبتها التجريبية، اصبحت الوحدة البنيوية للرواية الحديثة وحدة ممزقة ومفككة يتملكها التناقض.
موت الشعر
وذهب بعضهم الى ان الشعر يعد انفاسه الاخيرة ويجهز نفسه للتواري عن الانظار، وهذا ليس لان الشعر لم يعد «ديوان العرب» بعد ان حلت الرواية محله -حسب رأي بعضهم- بل ولاسباب بنيوية تكمن فيه ايضا، يقول الكاتب د.حيدر سعيد في «بيان في موت الشعر»: «ان ازمة الشعر ازمة بنيوية، ذلك ان التطور البنيوي للشعر الذي قاده الي الغموض والاشكال التجريدية هو الذي ولد الغربة بينه وبين الجمهور، ان فهم ازمة ا لشعر بهذه الطريقة، فهم سائد عالميا، وهو يقوم اجمالا على تصور ازمة الشعر في التجريد المعقد الذي آل اليه الشعر، والالعاب الشكلية التي طبعت مسيرته المعاصرة، وهذا يعني في النتيجة ان ازمة الشعر ازمة وجود.. ازمة في وجود النوع نفسه، وهي ازمة تاريخية، يجد الشعر نفسه بعد مسيرة الاف السنين على محك الفناء» (8).
وقبل هذا قال جبرا ابراهيم جبرا «الشعر اليوم في متاهة اكبر، وضاعت النجوم التي كان يستدل بها، واضطربت الذائقة اللغوية بحيث كثر الشعراء لدرجة الفجيعة، وضاع الشعر واصبح من الصعب جدا ان نجد من في شعره يخرج بك من المتاهة» (9).
وكتب الشاعر الروسي الكسندر كوشنر «الشعر اخذ يكتسح بواسطة هوس الكتابة، وذلك عن طريق الناس الذين ليست لديهم علاقة حقيقية مع عالم الشعر الا انهم تعلموا كتابة الشعر» (10).
وفي ندوة في العام 1995 اجتمع فيها ثمانية من الحائزين على جائزة نوبل للآداب في مدينة اطلانطا في ولاية جورجيا الاميركية تحدث اكثر من واحد عن هامشية الشعر في القرن العشرين، او تراجعه، قال الروائي كلود سيمون «يحدث احيانا انني اجد الشعر في صفحة لمارسيل بروست اكثر مما اجده في قصيدة».
وقال جاكوب كورج «لا يجذب الشعر الا اهتماما عاما قليلا في الوقت الحاضر، حتى اننا نجد صعوبة في تصديق ما يقال عن اهمية الشعر الحقيقية»، وقال الشاعر الفرنسي برنار نويل عندما سئل عن وضعية الشعر في فرنسا «وضعية الشعر في فرنسا هي الوضعية التي هو عليها في انحاء اوروبا، فكنوع هو مهمش رسميا، لكنه حاضر في الواقع» (11).
وكتبت اليزابيث دور في كتابها «الشعر كيف نفهمه ونتذوقه»: «ما من احد يستطيع ان يزعم اليوم ان الشعر ما يزال يحتفظ بالاهمية التي كانت له في حياة المجموعة، كما كانت الملاحم والدراما الكلاسيكية الغذاء العقلي لدى كل طبقات الشعب» (12).
موت الادب
اما «الفين كيرنان» فكأنه بالضربة القاضية اراد اعلان موت جميع الانواع الادبية: الشعر، الرواية، القصة، الدراما.. الخ، في مقالته «موت الادب» استنادا الى عاملين رئيسيين: الاول: رحيل عدد كبير في السنوات الاخيرة من القرن العشرين من عظماء الادب مثل دانتي وشكسبير وجويس ووردز ورث وغوته وفاليري، فهؤلاء هم مبدعو الادب العظيم. يقول: «مات الادب في السنوات الثلاثين الاخيرة: جزئيا بيد الادب نفسه. وبواسطة هجمات خارجية في جزء آخر. وبسبب تحولات اجتماعية وتقنية كثيفة عرفت باسم ما بعد الحداثة في جزء ثالث. لقد ولت سلطة ادب الثقافة الرفيعة التي شيدت على اعمال دانتي وشكسبير.. الخ».
اما العامل الثاني فهو تدهور الكتاب او تعرضه الى الانقراض، والادب يتمحور في الكتاب، وقد اخذ الكتاب يفقد نفوذه بسبب الالكترونيات التي اصبحت المصدر الاكبر فعالية واجتذابا للمعلومات والمتعة. يقول كيرتان «ان مصير الادب متوافق الى حد بعيد مع حالة الكتاب المطبوع، ولكن وقد سادت الالكترونيات، صار الكتاب يعاني عواصف عاتية يشعر الادب بدوره بها. ولا سيما عندما يأخذ الناس معلوماتهم من التلفاز ومن مراكز المعلومات مثل الشعر الفروسي والملحمة البطولية عند هوميروس حيث المجتمع القبلي الشفوي» (13).
ولعله كان على حق الشاعر المكسيكي دريك والكوت عندما قال: «اننا نكتب ونحن في رهبة الموت، اظن اننا نكتب وسط الخوف والروع من شعراء كبار سبقونا ونشعر نجاحهم بتواضع بالغ مبرر».
موت القارئ
وهكذا نفهم مما تقدم: موت المؤلف. موت الشعر، موت الرواية، موت الادب، موت الكتاب، ان القارئ هو الآخر في طريقه الى الموت -ان لم يكن قد مات فعلا- اذ ما دام ميلاد القارئ رهين موت المؤلف، وموت المؤلف رهين ميلاد القارئ. والمؤلف والمؤلف «الكتاب» قد ماتا، فان القارئ قد مات هو الآخر. ومثال هذا، مثال سائر الناس الذين غاب الاله بالنسبة اليهم منذ ان نشر نيتشه كتابه «هكذا تكلم زرادشت» ففقدوا طريقهم الى مواجهة عالم فقد معناه وهدفه، وهذا ما اكده «ادغار موران» اذ قال: «اننا ندخل في عصر تنهار فيه اليقينيات. فالعالم اليوم وبشكل خاص في مرحلة غامضة، ولا نعرف الى اين نتجه، ولا نعرف ماذا سيحدث. ان المستقبل شديد الغموض». واضاف:«وعلى صورة المجتمعات الغربية فانه لم يعد باستطاعة المثقفين، رؤية انفسهم من خلال مرآة المستقبل. ويبدو انهم استسلموا لليأس، ومتعبون من صدمة التكنولوجيا الجديدة. ومحبطون من جراء الفساد المنتشر والمؤدي الى الانحلال». ويضيف «ايناسيو رامونية»:«في الجو الراهن من التشاؤم الثقافي يبدو ان الكثير من المبدعين يميلون الى الانطواء واعادة النظر في علم الجمال. فالفنان الاسباني (ميكل بارسلو) والذي يعد احد اعمدة الفن التشكيلي يقول:«ان الاشياء الاكثر فظاعة هي على الاغلب الاقل استعراضية. كالطريقة التي يسحق بها الغرب العالم الثالث ما بين البنك الدولي والقروض ومراقبة المواد الاولية..»(14).
لا خاتمة
والحال.. لسنا في موضع من يمكنه ان يحكم في الذي سيموت او الذي لا يموت من الانواع الادبية. فالموت مآل كل كائن: من البشر والحيوان والحجر، فما الذي يمنعه من ان يطال الراوية، او القصيدة او الدراسة.. حيث هناك من يرى ان الانواع الادبية مثل الكائنات الحية الاخرى، يمكن ان تحيا وتموت. وهذا ما قال به الباحث الناقد فلاديمير كريزنسكي وهو يقيم نوعا من التماثل بين التطور البيولوجي للاحياء والتطور الروائي. فالرواية مثل الخلية المركبة من جزئيات تخضع في تطورها لضغوط المعطيات الوراثية (15). وهكذا، فقد خرجت الرواية من رحم الملحمة المعتمدة على السرد الفني الواسع التعقيد، اي انها «تطوير معقد وغني للملحمة الشعرية». حسب توماس مان (16). لكن هذه الرواية التي ولدت في العام 1499 برواية «سلستينا» حسب كولن ولسون، ختمت برواية «اوليس» جيمس جويس في العام .1922
وبالرغم من ظهور عدد كبير من الروائيين في الفترة ما بين ظهور الروايتين، لكن عددا كبيرا من النقاد رأوا انه بعد موت جويس (1941) وصلت الرواية نهاية ذروتها، وبتعبير اقسى: موتها. (17)، لا سيما وان بعض الروائيين يرى ان هناك من الحداثيين من يصر على تدمير الشكل الروائي، وهناك من يريد التخلص من فكرة الشخصية على افتراض ان الشخصية ليست الا قناعا يخفي وراءه شخصية المؤلف.
لكن: اما وقد مات المؤلف. اذن. لا اجة للشخصية(18).
الهوامش
(1) رولان بارت: «موت المؤلف» مجلة (المهد) - عمان - ع7/1985 ص9-13.
(2) مجلة (نزوى) مسقط/ع20/1999، ص218.
(3) عن مقال:«نرسيس وبروموتي» لايناسيو مونيه، مجلة «كلمات» البحرين ع18-19، 1994، ص104.
(4) عن مقال «استنزاف السرد المتخالف: المرأة الاميركية ذات القبعة الصينية» ت: زيد نعمان ماهر، مجلة «الثقافة الاجنبية»، ع1، 2004.
(5) سلسلة الموسوعة الصغيرة - رقم (463) ت: جاسم الهاشمي وكامل عويد، بغداد، 2002، ص55-56.
(6) كتاب عمان (1) - حوارات ثقافية، ص277.
(7) نفسه: ص307.
(8) حيدر سعيد:«تأملات في علاقة الشعر والجمهور. او «بيان في موت الشعر» بحث مهرجان المربد الشعري الثامن عشر/2002.
(9) دراسات نقدية، تعليق علي الحلي، دار الشؤون الثقافية، بغددا 1986 ص14.
(10) في حوار معه: مجلة «الثقافة الاجنبية» ع2، 2004، ت: صلاح السعيد.
(11) ينظر مجلة «الكرمل»، ع54/1998، ترجم الندوة صبحي حديدي - ص71-85 وكذلك ينظر بحثنا :«الشعر الى اين؟ واقع الشعر في العالم: «القرن العشرون»، مهرجان المربد الشعري السابع عشر 2001.
(12) ت: محمد ابراهيم الشوش، مكتبة منيمنة، بيروت 1961.
(13) مجلة «شؤون ادبية» - الامارات، ت: عواد ابو زينة ،ع27/1993.
(14) مصدر سابق، هامش 3، ص234.
(15) كريزنسكي: «من اجل سيميائية تعاقبية للرواية» عرض: عبدالحميد عقار. مجلة «افاق» المغربية، ع8/1988، ص164 .
(16) عن كتاب «الملحمية في الرواية العربية المعاصرة»، د. سعيد عبدالحسين العتابي، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2001/ص31.
(17) كولن ولسون: «فن الرواية»، ت: محمد درويش، دار المأمون للترجمة، بغداد، 1986، ص241-242.
(18) ميلان كونديرا: «ثلاثية بروخ الروائية» مجلة «نزوى» مسقط ع17/1999/ص134.
* كاتب عراقي