محمود مختار الفنان الذي نحت روح مصر .. بقلم : غازي انعيم

محمود مختار الفنان الذي نحت روح مصر .. بقلم : غازي انعيم

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 19-5-2006
No Image
محمود مختار الفنان الذي نحت روح مصر .. بقلم : غازي انعيم

تمر في هذا العام الذكرى الثانية والسبعين على رحيل عملاق النحت العربي ورائده محمود مختار، الذي ساهم في الثورة الفنية الحديثة من خلال وضعه للبنات الأولى في تاريخ النحت العربي، حيث أعاد الحياة لإزميل النحات المصري بعد أن توقف مئات السنين، ونحت روح مصر وروح هذه الأمة وخلدها بأعمال عظيمة من خلال استيحاء تراث بلاده والتعبير عن حياة الناس الذين نشأ بينهم وأحبهم.
ولد مختار في 10 أيار 1891، في قرية «طنبارة» التي تقع بالقرب من مدينة المحلة الكبرى بوسط الدلتا من محافظة الدلقهية، وقضى طفولته وصباه في بيت خاله وبكنف جدته بقرية «نشا» بالقرب من مدينة المنصورة في دلتا نهر النيل.
عاش مختار عيشة فلاحي مصر، بتعبهم وعرقهم، وكان يقضي معظم وقته على حوافي الترع صانعا تماثيله الطينية المستوحاة من مشاهد الريف حينا ومستمتعا بحكايات الفلاحين حينا آخر، وبشكل خاص حكاية جده الذي نفي إلى السودان بسبب موقفه من جباية الضرائب في عهد حكم الخديوي إسماعيل، وفي هذه الأجواء ترعرع محمود مختار، حاملا في نفسه طاقة هائلة للتعبير عن الظلم وعن هموم شعبه.
وفي العام 1902، وبعد انتقال والدته إلى القاهرة للعلاج، وإقامتها في أحد أحيائها القديمة، حي «الحنفي»، لحق بها مختار، وانبهر بأحياء القاهرة القديمة وبزخارف عمارة المساجد ومآذنها وفنونها العريقة، فتعلم في هذه الأحياء ما يجب أن يتعلمه أي فنان أصيل، عاكسا بما رسم وجه مصر الأصيل.
في العام 1908 التحق مختار بمدرسة الفنون الجميلة، في حي درب «الجماميز»، حيث اتجه فيها إلى تصوير البطولات الإسلامية، وبعد عامين تطورت الأحداث السياسية واشتعلت الحركة الوطنية ضد الاحتلال الإنجليزي، وخرج مختار إلى جانب زملائه بالمدرسة في المظاهرات المطالبة بالدستور والاستقلال، وقبض عليه حيث زج في السجن لمدة خمسة عشر يوما.

من حركة الاحتجاج إلى باريس
بعد انتهاء موجة المظاهرات، وضعت لوائح جديدة لنظام الدراسة بالمدرسة تحت إشراف الجامعة المصرية، أدت إلى قيام حركة احتجاج كان يتزعمها محمود مختار، وانتهت بفصل مختار وأربعة عشر طالبا معه.
وبعد تولي وزارة المعارف الإشراف على المدرسة، ألغي قرار الفصل، وعاد التلاميذ إلى مقاعد الدراسة، ولفت محمود مختار بعبقريته الفذة، أنظار أساتذته الذين أحاطوه بالرعاية والاهتمام، وبشكل خاص، معلمه الفرنسي «لا بلاني»، مدير المدرسة وصاحب فكرة إقامتها.
وفي العام 1910 شارك مختار في المعرض الأول لأعمال الطلبة، وكتب مدير المدرسة «لا بلاني» تقريرا للأمير يوسف كمال عن نبوغ مختار، وأعجب الأمير بفنه، وقرر إرساله وعلى نفقته الخاصة لدراسة فن النحت في فرنسا، بمدرسة الفنون الجميلة الفرنسية «البوزار»، وفي العام 1913 شارك مختار بالمعرض السنوي للفنانين الفرنسيين (صالون باريس)، لكون بذلك أول فنان عربي يعرض في الصالات الفرنسية.
بعد ذلك عاد مختار إلى القاهرة وهو في الثانية والعشرين، وفي هذه الزيارة عرض عليه إدارة مدرسة الفنون الجميلة، مكان معلمه السابق «لا بلاني» الذي قرر العودة إلى فرنسا، لكن مختار رفض هذا المنصب وقرر العودة لباريس. بعد ذلك اندلعت الحرب العالمية الأولى وبدأت المشاكل الاقتصادية تواجه مختار بسبب عدم وجود طرق مواصلات لإيصال المنحة، فاضطر إلى أن يعمل بعض الوقت في أحد مصانع الذخيرة، ثم ما لبث بعد ذلك أن استلم إدارة متحف «جرفين» في باريس، واستمر في هذا العمل طوال عامي 1918 1919، أنتج خلالهما تمثالا لأهم راقصة باليه في مطلع القرن العشرين «آنا بافلوفا»، وتمثالا آخر لأم كلثوم باعتبارها أشهر فنانة مصرية.

ثورة 1919 وتمثال نهضة مصر
بعد توقف الحرب العالمية الأولى وقيام ثورة 1919، في مصر، بدأ مختار يفكر في تمثال «نهضة مصر»، وبعد الانتهاء منه في العام 1920، تقدم الفنان بتمثاله إلى معرض «صالون باريس» الذي افتتحه رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك، وفاز مختار بإحدى جوائز المعرض، وأثناء زيارة الوفد المصري برئاسة «سعد زغلول» لباريس لبحث قضية استقلال مصر، تعرفوا على مختار، وشاهدون تمثال «نهضة مصر»، وبعد عودتهم إلى القاهرة، تحدثوا بإسهاب عن الفنان وتمثاله، واقترحوا بأن ينفذ في أحد ميادين القاهرة.
أحد أبطال النهضة القومية
في العام 1920، قرر مختار العودة إلى مصر، واستقبل كما أستقبل زعماء الوفد المصري، وحمل على أكتاف الجماهير، وصنف بطلا من أبطال النهضة القومية إلى جانب محمد عبده في مجال الإصلاح الاجتماعي، وسعد زغلول في مجال الزعامة القومية والسياسية.
بعد ذلك بدأت الصحف والمجلات بالكتابة عن محمود مختار والنهضة الفنية في مصر، ثم عرض نموذج تمثال «نهضة مصر» بدار جريدة الأخبار، ووصلت الدعوة لإقامة التمثال ذروتها، وشكلت لجنة للتمثال برئاسة رشدي باشا، وبدأت حملة الاكتتاب وجمع التبرعات بحماسة شعبية عالية، فوقف رجال الدين وخطباء المساجد من على المنابر، يشيدون بعبقرية الفنان، ويدعون إلى التعجيل في إقامة تمثال «نهضة مصر»، وقاموا بجمع التبرعات عقب صلاة الجمعة، وقد جمعت لجنة التمثال من سائر الهيئات الشعبية والحكومية مبلغ 6500 جنيه.
في 25 حزيران 1921، قرر مجلس الوزراء، الموافقة على إقامة التمثال، على أن يكون تحت إشراف وزارة الأشغال، وفي 20 حزيران 1928، أزيح الستار عن تمثال «نهضة مصر» بعد سبع سنوات من العمل الشاق، وقد حضر حفل الافتتاح، الملك الذي هنأ مختار على عمله العظيم، وقد تنازل مختار عن مستحقاته المالية، وترجم من خلال هذا الموقف بأنه قلب أمته النابض الذي عبر عن أفراحها وترجم آمالها.

الفن والحرية
واصل الفنان مسيرته الفنية التي امتدت إلى ميادين أخرى كالصحافة، فنشر آراءه النقدية، وكتب للقراء كيف يفرقون بين الفنون ومدارسها، ودعا إلى تذوق واحترام الفن.. كما نادى بضرورة إقامة المدارس الفنية وإنشاء المتاحف وجمعيات الفنون وتوفير المنح الدراسية..
وفي العامين 1923 و 1927، كون مختار «الجمعية المصرية للفنون وجماعة الخيال» التي كانت تضم في عضويتها: «العقاد، المازني، محمود عزمي، ومي زيادة ». وبأقلامهم كتبت مقالات الفن التشكيلي التي ركزت على أهمية دور الفن في المجتمع.
في العام 1928 ساهم مختار في تأسيس «مدرسة الفنون الجميلة العليا» بالإضافة إلى مساهمته الفنية في نشر معالم الفن في الحياة الثقافية.. ورغم المناصب المغرية التي عرضت عليه سواء في وطنه أو في فرنسا، إلا أنه كان يؤمن بأن السلطة الزمنية قبر للموهبة، وأن الوظيفة قيد على حرية الإنسان، وآثر أن تكون له سلطة الرأي عن أن تكون له سلطة المركز.
وفي العام 1929، شارك في معرض «صالون باريس» بتمثاله «عروس النيل» الذي فاز بالميدالية الذهبية، واقتنته الحكومة الفرنسية ووضع في متحف لوكسومبرج.
وفي 10 آذار 1930، أقيم معرض كبير لأعمال مختار في قاعة «برنهيم» بباريس ضم 40 عملا، وقد كتبت عنه الصحافة الأوروبية آنذاك واعتبرته ممثلا لوجه الفن المصري المعاصر. وصنف إلى جانب الفنانين المشهورين مثل: رودان، مايولا وبورديل.
بعد العام 1930 ومع ظهور الأزمة الاقتصادية العالمية التي صاحبها تقييد حرية الرأي وإلغاء الدستور، انصرف مختار لقراءة سيرة الفنانين العظماء ومواصلة العمل في نحت تماثيله الصغيرة.. وبعد رحيل عدد من أصدقاء الفنان مثل الشاعر احمد شوقي وحافظ إبراهيم، أصيب الفنان بالمرض، ثم فارق الحياة في 27 آذار 1934.

ثورة فنية
رغم قصر عمره الفني، خلف مختار تراثا ضخما من التماثيل التي تعبر عن حياة الإنسان المصري، فهو أول مثال مصري يعيد الحياة إلى فن النحت المصري ويوفق في إيجاد الصيغة الملائمة في العصر الحديث لتزاوج التراث الكلاسيكي الأوروبي الذي يستمد جذوره من الفن الإفريقي القديم والتراث المصري بشكل خاص.
وتتمثل ميزة مختار في قدرته على التعبير في أعماله وفي إبداع أسلوب خاص به، ففي تماثيل الفلاحات نشاهد تلك الحركة والرشاقة بخطوط تتميز بالانسياب والبساطة، فيقدم الكتلة التي تعطي ذلك الإحساس الرائع بالسكينة والأمان، لكنها مفعمة بالحيوية والأنوثة والشجاعة.
وفي تماثيله التي تمثل «البورتريه» نلمس ذلك الإحساس العميق بالحياة من خلال التوفيق ما بين التوازن والتناسق الذي عالجه بأسلوب من البلاغة التشكيلية.
أما العصر فقد عبر عنه في عشرات التماثيل نذكر منها على سبيل المثال، تماثيله الميدانية (نهضة مصر، سعد زغلول، الخماسين..)، وسجل مرحلة المقاومة والنهضة بأسلوب جمع البناء مع الإيجاز والتنوع مع وحدة الإيقاع والترديد والسكون مع الحركة.
وهذه التماثيل هي الآن شاهد مهم على انبعاث الحركة القومية العربية في مراحلها الثلاث: «اليقظة، تحطيم القيود، انتصار الإرادة».
هكذا كان محمود مختار يمثل بالنسبة لمصر وللوطن العربي، ثورة فنية على الاستعمار والتخلف وثورة على الفن الأوروبي. لقد كان مختار كبيرا، فهو ابن عصر ثورة 1919، وعصر الصعود الوطني.
* فنان تشكيلي أردني

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }