حظيت الكتابات الساخرة، وما تزال، باهتمام القراء والدارسين على حد سواء، لما تملكه من قدرة على تعرية الواقع وصولا إلى فهمه وإدراك حقيقته عن طريق الإضحاك. كما يمكن لهذه الكتابات القيام بدور التطهير النفسي من خلال تسليطها الضوء على عيوب الذات والسخرية منها، أو بدور التنفيس بإبرازها عيوب الآخر وتوجيه نقد لاذع لها مبطن بالسخرية التي تحرض غالبا على الرفض. وهو ما يذكرنا بالمثل السائر «شر البلية ما يضحك».
ويجيء كتاب «شخصية مشرقة» الذي ترجمه د.باسم الزعبي في هذا السياق، إذ يتضمن نماذج قصصية منتقاة من الأدب الروسي الساخر الذي ازدهر في روسيا منذ منتصف القرن التاسع عشر، وكان السبب وراء هذا الازدهار، كما يوضح الزعبي في مقدمة الكتاب، نظام الحكم القيصري المستبد، والرقابة المشددة على المطبوعات، ومحاربة حرية الفكر والتعبير، حيث لجأ الكتاب على إثر ذلك إلى اتباع أسلوب الكتابة الساخرة التي تقوم على التورية من جهة، وتلاقي القبول من فئات القراء المختلفة من جهة أخرى.
ويعتبر غوغول، كما يؤكد الزعبي، مؤسس الأدب الساخر في روسيا، فهو صاحب أشهر رواية في هذا المجال «الأرواح الميتة»، التي تصور شخصيات إقطاعية تتميز بالبخل والجشع. وله أيضا مسرحية «المفتش العام» التي نالت شهرة عالمية، ومن قصصه الساخرة «المعطف والأنف».
يشتمل «شخصية مشرقة» على نماذج قصصية لخمس كتاب هم: أنطون تشيخوف، تيفي، ساتيكوف شيدرين، ألكسندر كوبرين، وأركادي أفيرتشينكو. وقد مهد المترجم لكل مجموعة من القصص بتعريف بكاتبها، وأهم إصداراته، وأبرز السمات الفنية والموضوعية في تجربته.
ونظرا لتفرد سمات كل تجربة من هذه التجارب، لا بد من التوقف عند كل واحدة منها بغية تقديم تصور واضح عن التجارب القصصية الروسية في مجال الأدب الساخر، على المستويين الفني والموضوعي.
وأول هؤلاء الكتاب هو أنطون تشيخوف (1860 1904) الذي نالت كتاباته الساخرة شهرة عالمية، لتنوع نماذج الشخصيات التي تقدمها، والتركيز على المفارقة الصادمة في المواقف، تلك المفارقة التي تكسر أفق توقعات المتلقي، وتزعزع قناعاته الراسخة، ويركز تشيخوف على العالم الداخلي للإنسان، محللا أبعاده النفسية بأسلوب سلس وقريب من النفس، كما في قصة «شخصية مشرقة» التي جاء السرد فيها بضمير المتكلم، حيث الرجل/ الراوي الذي يراقب المرأة المقيمة في المنزل المقابل لمنزله من خلال النافذة، يقع في حب الصورة التي رسمها لها، خصوصا وهي تطالع الجريدة كل صباح بنهم، ما يشير إلى أنها مثقفة.
ركز السرد على مدار القصة على صفات المرأة الخارجية بما يخدم التطور الدرامي للأحداث، ويزيد من حدة السخرية منها: «إنني أحب ذلك الرأس، لا لجماله، فلا شيء جميل في العينين الرماديتين، أو في حبات النمش الكبيرة على الوجه، أو في لفائف الشعر المصنوعة من ورق الجرائد، أحبها لبعض الصفات التي تميز ثقافتها العالية» (ص13). ويتحول إعجاب الراوي بالمرأة إلى حب يتطور تدريجيا؛ حيث يرسل لها بطاقة بريدية، ثم يتجرأ على زيارتها في المنزل، ويكرر زياراته رغم العقاب الذي يلاقيه من زوجها. كما يحاول الكاتب، عن طريق وصف مبتسر للأحداث تكثر فيه الأسطر الفارغة، دفع المتلقي إلى حالة من الترقب والتركيز واللهاث لمعرفة ما سيحدث.
ويقرر الراوي في الحادي عشر من أيلول )يركز الكاتب على ذكر التاريخ بتفصيل إمعانا في السخرية)، مباغتة المرأة في بيتها، ومعرفة سبب حزنها وبكائها بعد أن طالعت الجريدة صباح ذلك اليوم، لتأتي المفارقة المفجعة والمضحكة في آن، حيث يفتضح السبب الحقيقي، وراء انكباب المرأة على قراءة الجريدة، ويخيب ظن الجار العاشق: «كيف لا أبكي* احكم بنفسك: اليوم علينا دفع أجرة الشقة، وزوجي البليد قدم للجريدة ستين سطرا فقط! هل يمكننا العيش هكذا* لقد كتب بالأمس بما يعادل 11 روبلا و40 كوبيكا، أما اليوم فأنا لم أكد أقرأ ما يعادل ثلاثة روبلات» (ص18).
وفي قصة «الكاتب المسرحي» يفضح الموقف الساخر ادعاءات كاتب مسرحي يوهم الطبيب بأنه على قدر كبير من الأهمية. ليكتشف الطبيب، وبعد حوار طويل معه، أن كل ما يفعله الكاتب المسرحي المتحذلق هو دفع النصوص المرشحة من قبل أصدقائه لأخته حتى تقوم بترجمتها، فيما يقوم هو باستبدال أسماء روسية بأسماء الشخصيات الأجنبية.
أما الكاتبة ناديجدا الكسندروفنا لوخفيتسكايا الملقبة ب«تيفي»، فهي تسخر في كتاباتها من شخصيات بعينها، ومن واقع محددة، وثقافة قائمة وراسخة، بأسلوب يميل إلى الرومانسية مع الحفاظ على الخلفية الطريفة، وهو ما جعل النقاد يعتبرون قصصها قصص «الحياة اليومية»، وهي صالحة لأن تكون شاهدا على العصر الذي عاشته.
ترسم تيفي عبر قصصها صورا لأكثر الشخصيات إثارة للضجر والملل، كشخصية «الدكنجي» مثلا في قصة «زمن الكلاب»: «لو أنكم تطلبون منه بكرة خيوط سوداء أبسط البكرات السوداء، سيظهر تعابير وجه متفكر، ويتسلق إلى مكان ما في الأعلى، سينهض العملاق رودسكي واضعا قدما على رف البضائع، وأخرى على البسطة، وسيدوس على إصبعك» (ص64). وهي قصة تشير إلى انقلاب موازين الحياة واختلالها في ما يسمى ب«زمن الكلاب» حيث الجميع يتملقون ليستمروا بالحياة.
وقد زاوج السرد في القصة بين ضميري المخاطب والمتكلم، حيث المرأة تنفرد بموقفها الرافض لسلوك الجموع التي تداهن حتى الشمس لتنضج الخيار: «الأمر ببساطة أنني لا أريد أن أتملق أمام الكائن الأحمر التافه المعلق فوق رؤوسنا هناك، في الأعلى.. بسبب المنفعة المادية )الخيار)! أفيقوا أيها السادة! انظروا إلى أنفسكم! إنه عار! أليس كذلك؟» (ص69).
وتستثمر تيفي مثلا شعبيا هو «عندما يصفر السلطعون» للسخرية من تأثير الثقافة الشعبية المحتكمة إلى الخرافة على عقول الجيل الجديد الذي يحتكم إلى العلم. وتبدأ القصة حين يسمع الابن «بيتيا» حديثا يدور بين والديه في ليلة عيد الميلاد:
«قالت الأم، غامزة من جانب الأب:
-كنت أظن والدك سيرسل لنا شيئا ما للعيد!
-أوه! ربما يحدث ذلك (عندما يصفر السلطعون)» (ص71).
فيسيطر على «بيتيا» حلم يكرس له حياته وحياة أحفاده من بعده، إذ يظن أنه إذا ما استطاع تحقيق المستحيل بجعل السلطعون يصفر باستخدام طرق علمية لتغيير طبيعة هذا الحيوان المائي، فستتحقق السعادة للبشرية، وستتحقق أمنية إنسانية حقيقة مع كل صفرة يطلقها السلطعون.
وتبلغ السخرية حد الفانتازيا حين يتحقق لبيتيا ما سعى عليه، بأن يتمكن أحد أحفاده من جعل السلطعون يصفر، حيث تبدأ الأمنيات الإنسانية بالتحقق، وجميعها كما تصورها القاصة أمنيات مجنونة لا خير للناس فيها؛ الضابط الذي ينتفخ كالبالون ثم ينفجر بسبب أمنية تمناها أحد عساكره؛ العجوز طويلة القامة التي تبتلعها الأرض فجأة..: «واتضح أن جميع الأمنيات الأخرى الخيرة (هذا إذا كانت مثل تلك الأمنيات موجودة) ذابلة جدا، وباردة، لا يستطيع السلطعون الصفير من أجلها» (ص78).
أما المجموعة الثالثة في الكتاب فهي قصص مختارة للكاتب سالتيكوف المقلب ب«شيدرين» (1828 1889)، والذي تتلمذ على يد الناقد والمفكر الروسي بيلينسكي، وعلى يد الاشتراكيين الطوباويين الفرنسيين فوريه وسان سيمون.
ويستند شيدرين في أعماله إلى التراث الأدبي الشعبي، وتقوم قصصه على الحكاية. ونظرا لكونه أبرز كتاب الحركة الديمقراطية، فقد سيطرت الموضوعات السياسية على عوالم قصصه وحكاياته التي تؤول غالبا من هذا المنحى.
ففي قصة «المارد الجبار» مثلا، يصبح المارد رمزا للبطل المنتظر الذي يدحر الأعداء ويخلص الناس من شرورهم، البطل الذي يركن إلى وجوده الناس لتحريرهم فيما لا يقومون هم أنفسهم بفعل حقيقي وذاتي يواجهون به الخطر المحدق بهم. ولا يدركون هذه الحقيقة إلا عندما يخذلهم المارد الجبار ويخيب آمالهم بضعفه في اللحظات الحاسمة: «كان الأعداء قساة لا يرحمون. قطعوا، وحرقوا كل شيء في طريقهم، منتقمين بذلك من الخوف المضحك الذي أنزله المارد في نفوسهم قرونا عديدة. اضطرب الناس وهم يمرون بلحظات لا توصف بقسوتها. اندفعوا لملاقاة الأعداء، نظروا، لا شيء لديهم يلاقونهم به.
وتذمروا في ذلك الموقف المارد الجبار، وراحو ينشدون بصوت واحد: (أغثنا، أيها المارد الجبار، أغثنا). عندها حدثت المعجزة: لم يحرك المارد ساكنا» (ص102).
ويأتي السرد في القصص في إطار تقليدي يستهل بافتتاحية متوارثة كما في قصة «العين اليقظة»: «عاش في قديم الزمان..». وهي قصة تشير إلى فساد السلطة. وقد استخدم فيها الكاتب أسلوب التلاعب اللفظي، حيث لكل مفردة دلالتين؛ ظاهرة، وباطنة مخفية.
ويسخر شيدرين في قصة «الليبرالي» من انتهازية السياسيين الذين يكيفون أهدافهم بما يحقق مصالحهم ويشبع مطامعهم. حيث الليبرالي الذي لا يفتأ يخطب بالناس باسم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لا يروم من وراء ذلك سوى تحقيق مصالحه الخاصة: «كانت لديه القدرة على قول الحقيقة من خلال الابتسامة، وأن يمثل حالة الشخص البسيط حيث يتطلب الأمر ذلك، ويظهر بأفضل أناقته. لا أطماع لديه، وأهم من كل ذلك، فهو لم يطلب أي شيء في أي وقت من الأوقات استجابة لأي ضغوطات، لكنه يطلب (قدر الإمكان) فقط» (ص113). وتأتي النهاية المغرقة في السخرية من ذلك الليبرالي، حينما يقوم أحد المارة بالتبول عليه.
أما الكاتب ألكسندر كوبرين (1870 1938) الذي عاش منذ العام 1917 في المهجر، وله سلسلة مقالات أدبية بعنوان «أوراق متزمت»، وكتبت سيرته على شكل رواية بعنوان «طالب الكلية العسكرية»، فقد تميزت قصصه المختارة بنقد الرأسمالية في روسيا، والاستغلال البشع للإنسان، والسخرية من مدعي الموهبة والمتحذلقين.
إذ يسخر في قصة «الرسام» من ادعاءات الرسام القادم من مدينة كييف، والذي لا يعترف بالعظماء من الرسامين ويوجه النقد اللاذع لهم، فيما هو أبعد ما يكون عن الفن: «يرسل الفنان الكييفي إلى المعرض مناظر طبيعية حسب، مناظر مضحكة للغاية، حيث نجد في مقدمة اللوحة أزهار أقحوان تتأرجح، وصحن شاي كبيرا، وخلف الأقحوان يشاهد بشكل غير مباشر نهر الدنبير بمقياس مجهري، ومنظر لقارب بخاري» (ص125).
وتتضح السخرية من الواقع الاشتراكي البورجوازي في قصص الكاتب أركادي أفيرتشينكو (1881 1925) الذي عارض الحكم السوفياتي وهاجر من روسيا بعد الثورة البولشفية عام1917. فهو في قصة «جريمتا السيد فوبياغين» يسخر من القضاء. وهي قصة تقوم على الحوار المسرحي، حيث يتهم السيد فوبياغين بأنه تلصص من وراء الأجمة على ثلاث نساء كن يسبحن في النهر. ويبدأ فوبياغين بالدفاع عن نفسه موضحا أنه لم يكن ينوي النظر إليهن لولا شعوره بالتعب والإرهاق والملل الذي لم يتبدد إلا بمنظرهن عاريات يسبحن في النهر.
وتتصاعد وتيرة السخرية بتصاعد الأحداث، حيث يبدأ المتهم بوصف أجساد النسوة للقاضي الذي يعفيه من السجن أو دفع الغرامة، متأثرا بكلام المتهم، ومنفعلا به: «استدار فوبياغين وسار باتجاه المخرج. أوقفه القاضي فجأة، سأله وهو يدون شيئا ما:
-سؤال آخر، أين يقع ذاك... المكان؟
-على مسافة فرسخين من شاليهات سوتوغين، قرب الحرش. عليك عبور الجسر، سيدي القاضي، ثم تمر من أمام الشجرة الميتة التي تبدأ من عندها طريق ترابية تتجه نحو الشاطئ، وهناك على الشاطئ توجد شجيرات طويلة مريحة..
قال القاضي بعصبية:
-لماذا مريحة* ماذا تقصد بمريحة؟
غمز فوبياغين القاضي بطرف عينه، وانحنى بكل احترام، ثم اختفى متهاديا بمشيته» (ص142).
* كاتبة اردنية