تنطلق حافلتي بعد ساعة من الآن. راودتني فكرة التراجع عن الذهاب إلى المدينة، إلا أنني انتظرت بكل بساطة في موقف الحافلة. على مسافة ليست بعيدة عني جلست عجوز على أحد المقاعد. جلست هناك ورحت أمعن التفكير، ماذا سأطهو حينما أصل المنزل، وهل لدي طعام لحيواناتي الصغيرة، وإن كنت سأرى صديقتي المفضلة نهاية الأسبوع أم لا، ومتى سأحضر واجباتي المدرسية.
على حين غرة انقطع حبل تأملاتي، لأنني انتبهت إلى محادثة أحد المشردين للعجوز. أسرني في المتشرد شيء ما، لم يكن مخمورا مثل آخرين كثيرين على الشارع، غير أنني أعتقد أن هذا ليس هو السبب. ثم واصلت الاستغراق في تأملاتي.
سألها، فيما إذا كان بحوزتها نار، فردت بلا قاطعة، وكأنه عرض عليها مخدرا أو محفور على قبعته مجرم خطير.
أدهشني عندما اعتذر لها بكل أدب وانصرف. توهمت أنني أقرأ شيئا من خيبة الأمل في عينيه، قطعا كان جريحا، إنه ليس أكثر من إنسان.
بعد أن اكتشف وجودي اتجه صوبي،لم أستغرب هذا إطلاقا، ولم يترك في أثرا منفرا، كما هو الحال غالبا. أدركت طبيعته بغتة، هيئته توحي بشجاعة إقباله على الحياة، وفي ذات الوقت بتجارب فاشلة، مما أدخل الطمأنينة إلى قلبي.
سألني كذلك إن كنت أملك نارا، ولما كنت لا أدخن، لم يكن بوسعي مساعدته. مع ذلك شكرني بلطف وهم بالانصراف، عندما سمعت نفسي أقول: انتظر، هناك في الكشك يوجد ثقاب، سأشتري بعضها.
حتى اليوم لا أعرف لما فعلت ذلك، أهديته علبة الثقاب كاملة. فقرأت في عينيه السعادة، وكأنني أهديته مبلغا هائلا من المال، انعقد لسانه عن الكلام إزاء استعدادي العفوي لمساعدته. أسعدتني ابتسامته.
في اللحظة التي ناولته فيها أعواد الثقاب وشكرني عليها، بدا لي التفكير في الطهي وخطط نهاية الأسبوع غير مهم إطلاقا.
ترك في هذا الإنسان انطباعا، لأنه أكثر إنسانية من كثيرين آخرين.
* كاتب من النمسا
* * مترجم أردني