ترتبط الحداثة، بأفكار: التغيير والتنوير والثورة والديمقراطية الليبرالية الفردية، والحرية، وصعود العلم والتكنولوجيا على حساب الأسطورة، وفكرة التقدم المبني على العقل، وفكرة اكتشاف الطبيعة والتغلب عليها، وفكرة الإنسانوية الكلية الموحدة، كما تشمل الحداثة، فكرة تطوير الجذر الإغريقي للثقافة الأوروبية، لكن هذه الحداثة الأوروبية، كانت متشرنقة على نفسها، فولدت المركزية الأوروبية، والاستشراق اللاعقلاني العنصري الذي يمركز كل الصفات العقلانية الإيجابية في العقل الأوروبي وحده. ونشأ الاستعمار الاحتلالي الاستيطاني للعالم غير الأوروبي المسكوت عنه في الفكر الفلسفي الأوروبي، وولدت فكرة الآخر في إطار التفكير الاستشراقي. وأصبحت الإنسانية مفهوما ملتبسا، يعني الإنسانوية الأوروبية المغلقة على نفسها.
ففي ظل الاكتشافات الحديثة والعلم الحديث، تم إنجاز حربين عالميتين، وتم استعمار بريطانيا وحدها، لربع الكرة الأرضية، وتم تجريب القنبلة النووية في هيروشيما ونغازاكي، وتم تأسيس [دولة إسرائيل)، أسوأ استعمار استيطاني في القرن العشرين، بتهجير الفلسطينيين عن أرضهم ليعيشوا في المنافي حالة المؤقت. وهكذا أصبح الشرق العربي، مجرد سوق لامبريالية الاستهلاك الإجباري.
وفي ظل الحداثة، تمت محاصرة الدين والأسطورة كنقيضين للحداثة، فأصبحت الآلة المنتجة هي الإله الجديد، واستبدلت أساطير حديثة بالأسطورة القديمة. وهكذا ولد التناقض في قلب العالم الرأسمالي بين ثلاث حداثات: أسطورة الحداثة الرأسمالية، وحداثة الطبيعة التلقائية القديمة، وحداثة الواقع الحقيقي.
لقد ولد الخيال الصناعي في مقابل الخيال الطبيعي، ودخلت أوروبا في مرحلة صراع الرموز. ففي الأدب، يقدر الخبراء فترة الحداثة بولادة الرومانتيكية الفردية، أو بولادة الطبيعية، في مقابل نقاد يرون أن الحداثة كانت في أوج تكثيفها في مرحلة السنوات (1890- 1930): المستقبلية، والدادائية والسوريالية، وظهور بعض الأعمال الأدبية التي تعتمد على تيار الوعي. وهم جميعا يرون أن باريس، كانت مركز الحداثة الأدبية، وإن شاركتها، برلين ولآينا وميونيخ وبراغ قبل أن تنتقل الحداثة الفنية عام 1945 من باريس المدمرة إلى نيويورك الصاعدة، حيث يظهر الفن الحديث.
ولكن بعض النقاد يعيد الحداثة إلى القرن الثامن عشر، وبعضهم يعيدها إلى عصر النهضة، التي يعني مفهومها: الانفصال عن الجذر الإغريقي، والاتصال معه، وتطويره، حيث ولادة هوية الثقافة الأوروبية، كإضافة جديدة للجذر الإغريقي، وكأسلوب جديد في التفكير. ورأى بعضهم أن اكتشاف أميركا على يدي كولومبس، هو المفصل الأهم في الحداثة، لكن ما أخفته الحداثة الأميركية، هو تأسيس الدولة الحديثة على مفهوم الإبادة للسكان الأصليين (الهنود الأحمر) بذبح الملايين منهم، واغتصاب أرضهم، وتدمير رموزهم الثقافية. هناك دولتان حديثتان بالمفهوم التكنولوجي، قامتا على حداثة الإبادة والتطهير العرقي، هما: إسرائيل والولايات المتحدة، حيث لم تستطع فلسفة الحداثة، تبرير الغطاء الأخلاقي الحداثي، أو توفيره، رغم أنها حاولت ذلك بسائر الوسائل. مثلما لم تستطع الحداثة، لاحقا، تبرير الحرب الباردة الثقافية (1947 1989)، التي استخدمت فيها سائر الوسائل القذرة، حيث أصبح النص الحداثي وما بعد الحداثي، معتما، رغم شكله الحديث، في ظل صراع المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، والذي انتهى بهزيمة الاشتراكية البيروقراطية، دون أن يعني ذلك هزيمة الأفكار الاشتراكية نفسها. ولكي يغطي المنتصر الوحيد نفسه بغطاء فلسفي أخلاقي، اغتصب معظم الرموز الثقافية، وحولها إلى لغته الخاصة، بنفي الصراع الطبقي والديالكتيك، واختصارهما في صيغة أخلاقية، سماها: (مؤسسات المجتمع المدني)، وفي المقابل كانت النخب الحاكمة، وطبقة ال15%، تمتلك أكثر من 75% من الدخل القومي. هنا، أصبحت الثقافة جزءا من منظومة النظام الفكرية، وخادمة له، وتحول المثقف إلى خبير، يستشهد بالأرقام الساحرة، والمعلومات الخاصة التي لا يعرفها أحد والتي يوفرها النظام للخبير، الذي مهنته الوحيدة، تسويق الأفكار وتجميلها لصالح النظام. فأصبح تعريف المثقف التقني، هو: المثقف القادر على قلب الحق باطلا، والباطل حقا. وتشارك النظام مع الشركات الكبرى، متعددة الجنسيات، باقتسام السيادة الوطنية.
امبريالية الاستهلاك والتفكيك
أما في عصر ما بعد الحداثة، فقد أصبح الفن والأدب متشظيا، مبعثرا، مقترنا بالسطحية وإمبريالية الاستهلاك والتفكيك، يهاجم فنون الماضي ويسخر منها، يوزع الرداءة بموضوعية أخوية ديمقراطية، تحت حجة ديمقراطية النشر!!. وأصبح الاختلاط (التهجين)، سمة رئيسة من سمات ما بعد الحداثة، بولادة فن وأدب (بندوق: لا أصل له ولا فصل)، وكأنه هبط توا من السماء. واخترعت ما بعد الحداثة أساطيرها، وهي التي قامت على نقض الأسطورة: (آلة اختراق الزمن في سينما الخيال العلمي؛ روايات هاري بوتر من تأليف: رولينغ؛ افتراضية الإنترنت؛ الفيديو كليب الذي يجمل أقبح الأصوات؛ الفنون الأدائية التهجينية؛ المثقف عبد الحاسوب في مواجهة المثقف عبد الموروث؛ الكرنفالية اللحظية الممتعة؛ المحلل السياسي غير المختص؛ ظاهرة «خبر عاجل»؛ كشف المسكوت عنه؛ أدب ضد الذاكرة يجاهد بعد إنجازه إلى احتلال الذاكرة، بل قبل إنجازه أحيانا، يحاول حجز مكان في الذاكرة، مع أنه ضد الذاكرة؛ الإعلان عن فصل السياسي عن الثقافي؛ السخرية من المؤامرة، بوصفها نظرية مؤامرة ...إلخ).
بلا شك أن ما بعد الحداثة، خلقت حيوية حركية شاملة، عندما وقفت ضد الكليات الشمولية، وعندما اعترفت بشرعية التهجين، وعندما منحت الاختلاف حق الأولوية، وعندما أعطت التجريب الراديكالي حده الأقصى المرتبط بفكرة الحرية، لكن ما بعد الحداثة، جمعت بين الرجعية والثورية معا، حاملة تناقضها الرئيس، عندما أصبحت خادمة لإمبريالية الاستهلاك الرأسمالي، بخلق خيال صناعي وما بعد صناعي، بديلا من الخيال الواقعي الإنساني. وهي أيضا في بحثها الدائب عن التفكيك، خصوصا تفكيك الكليات، كانت تخدم فكرة القوة النيتشوية المدمرة، لصالح توسع إمبريالية الاستهلاك الرأسمالي، وعندما اعترفت بشرعية التهجين، وهو أمر مرغوب إنسانيا، قامت بتفكيك الهويات وشرذمتها. وهي عندما اعترفت بالتعددية، كانت تقصد التشظي، فبدلا من تعدد الواحد الموحد، قامت بعملية توحيد قسرية دكتاتورية في ثقافة التأمرك. وعندما مارست (ديمقراطيتها) في مشروع الشرق الأوسط الكبير، مارست معها: نظام المذابح والاغتيالات (الديمقراطية!!) في: سجون غوانتانامو، وأبو غريب، وفي فلسطين كلها، وفي جنوب لبنان.
فجأة، يصبح فرع الحداثة وما بعد الحداثة في الشرق الأوسط (دولة إسرائيل)، قائدا عاما، ووكيلا لما بعد الحداثة الأميركية في مشروع الشرق الأوسط الكبير، وتصبح متوسطية يافا وحيفا وعكا الفلسطينية _ الحداثية، حداثة (إسرائيلية) متوسطية، وكأن فلسطين لم تكن حداثية قبل عام 1948، بل كانت صحراء جدباء، كما يكذب الإسرائيليون دائما. وليس فجأة، تصمت أوروبا العجوز، وتصمت فرنسا، مركز الحداثة والتنوير، عن أضخم مأساة في التاريخ الحديث في فلسطين، بل تنضم فرنسا الديمقراطية إلى نادي التبعية الأميركي، وتتكلم بلغة استعمارية جديدة تجاه لبنان وسوريا، والمغرب العربي. وتصمت الولايات المتحدة، صمت القبور، تجاه الترسانة النووية الإسرائيلية الحداثية، بينما تقيم الدنيا ولا تقعدها تجاه مشروع نووي إيراني سلمي. وهكذا أصبح التنوير الأوروبي، وما بعد الحداثة الأميركية، مشروعا لتأسيس همجية ما قبل الحداثة. وأصبح مفهوم حيوية القوة، ليس لخدمة فكرة التقدم، بل لخدمة قهر الإنسان في عصر تأليه الآلة، وعسكرة الحداثة. ولكن بالمقابل، وفي إطار مقاومة التأمرك والتأسرل والتفرنس الاستعماري الجديد، وما بعد الاستعماري ظهرت بعض ظواهر [المقاومة _ ما بعد الحداثية).
في منتصف السبعينيات، ظهر بعض المثقفين التقنيين ليقول لنا، بضرورة فصل السياسي عن الثقافي (عندما كانت المقاومة الثورية الفلسطينية في ذروتها)، بتأثير الأفكار الفرنسية والأميركية الثقافية، ولكن هؤلاء، عندما أصبحت الولايات المتحدة قائدا لحداثة العولمة في مطلع التسعينيات، وعندما تم توقيع اتفاق أوسلو، واتفاق الخليل، تراجعوا عن مقولة فصل السياسي عن الثقافي، من أجل تبرير ما أسموه (ثقافة السلام): فجأة تنهمر علينا مقولات ما بعد الحداثة السياسية معجونة بالفن والأدب: تتناسل صالات الرسم، الغناء الحداثي عند نانسي عجرم وهيفاء وهبي وشعبان عبد الرحيم، ومئات المغنين الجدد الذين يكتفون بالأداء البهلواني. صحفيون يحضرون مهرجان الشعر للمرة الأولى، وفجأة يصبحون شعراء قصيدة نثر في المهرجان التالي، يحملون حقيبة على الكتف مليئة بقصاصات الصحف والنصوص الطازجة الخارجة من الفرن توا، أما في الزيارة الثالثة للمشاركة في المهرجان، فيحمل الصحفي الذي أصبح شاعرا فجأة، مجموعته الأولى، كتابه الأول، ليوزعه على أصدقائه في الصحف، حيث تكتب عنه عشرات المقالات. كما يستعملون كل مصطلحات الحداثة وما بعد الحداثة الأورو- أميركية، بفهم سطحي، دون أن يعرفوا _بالضرورة_ لغة أجنبية واحدة. فثقافة الملاحق الثقافية في الصحف، توفر لهم كل ما يطلبون. لا يزورون أي مثقف كبير أو مقهور، لأن صاحب الدعوة هو مثقف النظام في البلد الذي يدعوهم. والمفارقة، هي أنهم، لم يسأموا من السفر، وتلبية الدعوات من مهرجانات الحكومات، ورغم أنهم يعلنون الضجر، فهم، يتسولون الدعوات سرا وعلنا. أما كلمة الضيوف في المهرجان، فهي تبدأ بمديح (صناع الفعل الثقافي!!)، وهم عادة: الوزير، ورئيس البلدية، ومدير المهرجان، وتنتهي بالإشارة إلى (فضائل ثقافة السلام مع إسرائيل). وتساهم أوروبا، بقسطها الوافر لتعميم الديمقراطية، بدعوتهم أيضا، مقابل شرط بسيط جدا!!، هو أن يجلسوا في منصة واحدة أمام الجمهور مع شاعر إسرائيلي من الدرجة العاشرة. ولا بأس من افتعال خلاف وهمي على المنصة، وتصدير الخبر على أنه حقيقة إلى صحف العالم العربي الجاهزة لاستقبال الأخبار الوهمية. وهكذا لجأ الشعراء الكبار، والفنانون الكبار، والنقاد الكبار بالفعل إما إلى العزلة، أو إلى المقاومة غير المسموعة في وسط الضجيج السطحي الثقافي، حيث تحولت الثقافة إلى حالة اجتماعية ومالية، بدلا من اهتمامها بذاتها الثقافية.
لقد ولد المثقف السطحي (مخبر النظام) بديلا من (مثقف النظام التقليدي) الوطني. وأصبح كاتب التغطيات الصحافية، ناقدا، حيث حل مكان الناقد المحترف العميق. ولا بأس من إضفاء طابع فولكلوري أسطوري، بإقامة ما يسمى «العرس الوطني». حتى ما بعد الحداثة، تخترع أساطيرها الصناعية المفتعلة، لتصبح تاريخا، رغم أن ما بعد الحداثة، قامت على مقولة نقض الهوية والتاريخ. ثم قالت لنا إنها تسخر من كوميدية (نظرية المؤامرة)، من أن الغرب وإسرائيل لا ينامان الليل، ويقضيانه بتدبير المؤامرات الوهمية. ثم تبين عكس ذلك. هناك مؤامرات حقيقية أيضا.
لقد تم اختراق اليسار القومي العربي، وتوزيع الأموال على مؤسسات المجتمع المدني التي اغتصبت تمثيل المجتمع، وأصبحت تابعة للأجنبي. وغير ذلك؛ ثم شراء ذمم المثقفين بأشكال حداثية وما بعد حداثية.. ليس كل ذلك في نظر هؤلاء، إلا نظرية مؤامرة...الخ. أما تعداد مساوئ الدكتاتور بعد سقوط بغداد، فهو لا يبعد الأنظار عن وجود احتلال، هو أسوأ من الدكتاتور. كلاهما عذب الشعب العراقي. ليس المهم أن يكون في العراق مائة أو ألف جريدة وفضائية، المهم هو كم جريدة تساند المقاومة، وتطالب برحيل الاحتلال. وكم جريدة أو فضائية، لا تقبض رشوات مالية من قوات الاحتلال. هذا هو المقياس الصحيح للحداثة، وفي النهاية، فإن مشهد سرقة متحف بغداد الفني، يتماهى مع تدمير تمثال الدكتاتور. كلاهما رموزية محطمة. أما نظام الاحتلال الأميركي الذي أعاد العراق إلى ثقافة عصور الانحطاط، فهو الوجه الآخر لما بعد الحداثة. وليس لأحدهما (الاحتلال، والدكتاتور) أن يتباهى بتعداد مساوئ الآخر.
المعارضة اللفظية
أما فضائيات ما بعد الحداثة، فهي تجمع أيضا تناقضاتها: كانت دكتاتورية الرأي الواحد، فصيغت أمثولة (الرأي والرأي الآخر)، وفي مقابل هذه الأطروحة الجديدة، بل بالتوازي معها، تم تمرير مقولة (التطبيع مع العدو تلفزيونيا). وفي مقابل ندوات النقاش الحر التلفزيونية، يتم كتم الأصوات المعارضة الحقيقية، ويتم اغتصاب التمثيل، بصناعة محترفي المعارضة اللفظية، وهم غالبا من اللصوص والفاسدين، أو من الباحثين عن الشهرة والمال. وفي مقابل نقل مشاهد مصطنعة لمعارضة تابعة للأنظمة، يتم أيضا نقل مشاهد وخطب للرئيس الأميركي عن قضايا محلية أميركية. وتقوم دول عربية محافظة بتمويل محطات تلفزيونية، تذيع ثقافة سطحية مبتذلة، ممتعة، لحظية، عابرة، احتفالية. هدفها إثارة الغرائز الجنسية لدى الشباب، وتدمير حيويتهم من خلال صناعة صورة وهمية قريبة من الواقع، بديلا من الواقع الحقيقي الصعب. وهكذا أصبح الجيل الشاب أقرب إلى مفهوم «مساطيل» ما بعد الحداثة: يعيشون حياة مرتبكة، مخدرين، مأزومين، أو: يعيشون [بلا رأس ولا ذيل، حسب عبارة بودلير، يحضرون مهرجان فقاقيع الصابون الملون، يصفقون، ثم ينامون مرتاحين، أو يتوغلون في رحلة يومية طويلة في عالم الانترنت الافتراضي، ثم يصحون قليلا، ليجدوا أن الواقع ظل قاسيا، كما هو.
أما لعبة (فعالية الأدائية)، فهي لعبة يتمتعون بها، ويتنافسون، ويجنون بعض الأرباح الصغيرة، لكن شركات المعلوماتية الكبرى، تتحكم في الآلة والأداء معا، حيث يظل القرار في رؤوس أصحاب رأس المال المالي: (جني الأرباح لذاته هو اللذة المطلقة). وهكذا يصبحون، رغم المتع الصغيرة، خدما لرأس المال المالي: من المثقف الأكاديمي في الجامعة، حتى الصحفي في الجريدة، ومن الشاعر ما بعد الحداثي، حتى شاعر المناسبات الوطنية التقليدية الذي يلقي القصائد أمام بول بريمر، والذي يجمع بين المقاومة والتأسرل المتناقضين في خلطة ما بعد حداثية. وهكذا أيضا، يلتقي السيد «عبد الحاسوب»، مع السيد «عبد الموروث، ويلتقي السلفي الحداثي، بلحيته الأنيقة مع ما بعد الحداثي _ الهيبز، بلحيته الفوضوية في حلقة الرقص. المهم هو الأداء الفعال الذي يجني منه صاحب الكباريه بعض الأرباح، فالربح يصبح متعة في حد ذاته.
يصرح شاعر ما بعد الحداثة، أنه ضد السياسة ومع النص لذاته المستقلة، أو ما يسمى (الفن الخالص) النخبوي المعزول، وأنه ضد الجماهيرية والفولكلورية (شباب قصيدة النثر)، ثم تراه يغازل الأنظمة المستبدة سرا، وهنا تتآخى التجريدية في الرسم مع الأنظمة المحافظة، ويلتقي الناقد ما بعد الحداثي مع سلطة بلاده الرجعية، ويلتقي شاعر (فولكلور شعرية الترجمة) مع كل الأنظمة المستبدة في المهرجانات، وتصبح قصيدة النثر التي تقلد قصيدة النثر الفرنسية مقبولة من تيار الحنين الاستعماري الفلكلوري ما بعد الحداثي. هكذا أصبحوا سياسيين من الدرجة الأولى، عندما يتعلق الأمر برفع شعارات: التأمرك والتفرنس والتأسرل، وثقافة السلام. ويصبحون ضد السياسة، عندما تكون المقاومة للاحتلال، إسلامية ووطنية.
كذبتان كبيرتان
هكذا تمت عملية إعادة الاعتبار في التسعينيات لرواد قصيدة النثر، هذه الإعادة المفاجئة لنصوص فولكلورية تقليدية ظهرت في الخمسينيات والتسعينيات، رغم أنها من مخلفات الماضي في زمن الحرب الباردة. تماما، مثلما اغتصب (شعراء المعارضة في الحزب الشيوعي الإسرائيلي)، شعار (شعر المقاومة) منذ عام 1966 وحتى منتصف الثمانينيات، ونسبوه لأنفسهم، وحصلوا على شهرة واسعة إلى درجة الفضيحة على حساب (شعر المقاومة الحقيقي): كذبتان كبيرتان: (شعر المقاومة!)، و(قصيدة النثر في مجلة «شعر»)، صدقهما النقاد السذج، وأشباه المثقفين، لكن الكذبتين اشتهرتا على أنهما مثال الصدق والتضحية... والمفارقة، هي: أن لإسرائيل والولايات المتحدة دورا في الكذبتين، فلنقرأ: كتاب (الحرب الباردة الثقافية)، وكتاب (إسرائيليات بأقلام عربية)، فهما يصوران العالم الثقافي الذي قدم لنا على أنه الحداثة وما بعد الحداثة.
وفي المقابل، لم تنتج (السلفية التابعة للأنظمة)، أي شعر أو أي شاعر حديث، كذلك لم تنتج (ثقافة المقاومة الإسلامية)، أي شاعر مقاوم حقيقي أو حديث، باستثناء فسيفساء من الأناشيد والأهازيج التي لا تمتلك أي عمق، بل لا يريد تيار الإسلام السياسي، مجرد بحث الأسباب، مكتفيا بالطمأنينة الدينية.
هكذا يلتقي السلفي مع الحداثي التقني في مسألة خنق الثقافة، وتسطيحها، ومنحها صفة الحزبية الضيقة. وبقي (تيار الصمت الجارف)، تيار الأغلبية المقهورة غير المؤطرة، خارج صراع السلفي، والليبرالي التابع لمراكز الأورو- أميركية الثقافية. وبقيت فضائيات العولمة مسرحا لبقاء السلفي، والليبرالي التابع تحت الأضواء، بينما تم إقصاء (تيار الصمت الهادر) الذي يغلي دون أن ينفجر: لقد اكتفى بمقولة التنوير والحداثة وما بعد الحداثة الوطنية، يرددها شعارات، دون ثورة حقيقية. وظل النقد العربي الحديث للشعر الحديث يصف جسد النص، ويصف أنواع الأشكال وصراعاتها، مكتفيا بحدود الوصف الخائف من الوصف الحقيقي للنصوص والأشياء والإنتاجية: في قصيدة النثر الفلسطينية الحداثية وما بعد الحداثية، نرى الشاعر يصف مقهى من زجاج في باريس، لم يره، ويتخيل امرأة من نوع الديجيتال، «ما بعد حداثية»، تمر أمام مقهى الزجاج، حيث الرذاذ الناعم، ولا يرى دبابة الاحتلال الإسرائيلي الرابضة تحت شباك بيته المدمر، في النص. مفارقة ليست مفارقة، لأنهم تعلموها من تقليد قصائد (فولكلورية شعرية الترجمة) عند زملائهم العرب المتفرجين على الدم الفلسطيني.
هكذا انتهت كرنفالية قصيدة النثر إلى مقبرة الصمت، دون أن تبالي بمصيرها البائس: (مبدع النص يمتدح فضائل النظام الدكتاتوري، أما النص، فهو محايد)، معادلة جديدة من معادلات ما بعد الحداثة تحمل التناقض كالعادة والنتيجة هي: (الشخص ضد النص). وأصبح القراء يتساءلون: ماذا بعد قصيدة النثر؟ لقد أصبحت من مخلفات الماضي حسب تقاليد ما بعد الحداثة. وهكذا ندخل في تكرار المابعدية، دون أن نعثر عن الاسم الجديد لحالة ما بعد قصيدة النثر، وما بعد قصيدة المقاومة الحداثية. أما رواد القصيدة الحرة التفعيلية، فقد اطمأنوا إلى مكانهم غير الشعري في أرشيف التاريخ: لقد مات الشعر، عندما، دخل إمبريالية الاستهلاك الثقافي، وتحول الوضع الشعري إلى جزيئيات وذرات مبعثرة، ضد الكليات الشمولية، عندها خسر نفسه، ولم يربح السوق، لأن تقاليد السوق، لم يتم توطينها، ولم تكن عادلة، بل كانت ظالمة ضد شعراء الشعوب الجائعة.
إن ما بعد الحداثة، هي حداثة تحت الاختبار، فهي:
1. لم تستطع تحطيم الكليات، ولم تستطع تحطيم الرغبة في الوحدة، لأن الوحدة، هي توق البشرية للتقارب والتفاعل، فقد ولدت في ظل ما بعد الحداثة كليات جديدة: شمولية العولمة القهرية، والتوحيد القهري، وشمولية الأمم المتحدة في إطار تحالف الأقوياء وغطرستهم: لم تستطع الأمم المتحدة أن تحمي مخيم جنين الفلسطيني الذي مساحته (2 كليومتر مربع)، بل دمرت الأمم المتحدة أحد قوانينها (لجنة التقصي الحقائق)، لصالح تحالف الهيمنة في الأمم المتحدة _ تحالف الفيتو.
2. استبدلت بما بعد الحداثة، فن وأدب الواقع الذي كانت ترفضه، فنا وأدبا افتراضيا يحاول تقليد الواقع. ورفضت ما بعد الحداثة، الأسطورة وفنونها، وعادت لخلق فن أسطوري جدا: (سينما «سيد الخواتم»، وفانتازيا «التايتنك»)، و(موسيقى تكنولوجية سحرية)، و(شعر أسطوري ما بعد حداثي)، و(روايات سحرية ما فوق واقعية) ...الخ. واستبدلت بتكنولوجيا الحداثة، تكنولوجيا ما بعد الحداثة، مما يدلل أنها خطوة في مسار الحداثة الطويل، وبالتالي عادت إلى فكرة الزمنية التي كانت ترفضها، رغم محاولاتها في مجال التزامنية.
3. أثبتت ما بعد الحداثة أنها انطلاقا من (اللحظة الهاربة) البودليرية، لم تستطع أن تصوغ فكرة المستقبل الوهمية، رغم محاولاتها، ورغم أنها كانت منغمسة في الحاضر. ولم تستطع رغم مزاعمها، أن تنفي الماضي، بل أثبتت أنها عقدة واحدة في سلسلة طويلة في الخيط الدموي من (الهنود الحمر وحتى الفلسطينيين)، ومن (هيروشيما وناجازاكي حتى بغداد القرن الحادي والعشرين)، ظلت الحداثة لحظة هاربة، لم تستطع تأييدها.
4. لم تستطع تكنولوجيا ما بعد الحداثة الراقية، أن تحصل على مشروعية أخلاقية، لتغطية جرائمها الدولية، رغم نظريات فتات التشغيل، وإضفاء الأسطرة على الأدائية لقد حولت البشر إلى قطيع برعاية ذئاب العولمة.
* شاعر وأكاديمي أردني