كتابة وتصويرمفلح العدوان - كانت الأرض خلاء..لا احد هناك.. لا أناس، ولا أرواح تسكنها، وليس ثمة إلا حجارة سوداء تتربع على هيئة خربة كانت ذات يوم عامرة بالقصور والأروقة والكنائس ثم هجرت ردحا من الزمان حيث كانت تصفر فيها ريح الصحراء..
تلك حال «صبحا» قبل عام 1935,.
لم تكن تتردد فيها إلا بقايا أسطورة أضفت على ملامحها غموضا لا يتبينه من يزورها أول مرة، وكأنها تعيد ما تبقى مما «يسولف» به البدو في «تعاليلهم» حول جذور اسمها مقرونا بجارتها «صبحية»، القرية الشقيقة، في مواءمة حميمية مع ذاكرة عتيقة تشير إلى أن الملكة «صبحا»،التي أخذت القرية الكبيرة اسمها، كانت في قصرها تجاور شقيقتها الصغرى «صبحية» التي تحمل اسمها القرية التي تكسر مسافة الـ«واحد ونصف كيلومتر» غربا، فيكون تماهي القريتين بالاسم وبالجغرافيا، وبعناق الأثرين مع بعضهما كأن صلة الدم والدفء ما زالت تغلف تلك الأخوة،حتى بعد غياب الشقيقتين،وبعد مرور فيض من السنوات على تلك القصة العتيقة، وكأن أسطورة هاتين الشقيقتين بقيت حتى تجسد ذلك الحنين بهذا اللقاء الذي انعكس مكانيا،وفي مخارج الحروف لكلا القريتين اللتين يتم النطق بهما كأنهما لفظا واحدا، متطابقا، ما إن تذكر إحداهما حتى يتجلى اللسان بوحا بتلفظ اسم الأخرى..
القدوم إلى صبحا وصبحية
بقيت القريتان محافظتين على تميمة الاسم حتى بعد أن أمتهما الجموع التي أخذت تستنطق تاريخ تلك الحجارة السوداء فيهما، لتعيد بعثها مرة أخرى، وكان هذا عام 1935 حين استقرت قبائل «السردية» في «صبحا وصبحية»، ومعهما بضع قرى مجاورة.
آنذاك أقطعهم تلك المنطقة الملك المؤسس «عبد الله الأول بن الحسين» أيام كان يبني مداميك إمارة شرق الأردن، فاستقروا فيها بعد طول ترحال، وتناسلوا تعدادا يغطي «سبعة وعشرون حمولة»، لكن لهذا الاستقرار تداعيات يتحدث عن بعضها «الحاج فياض حسين الربعات» (أبو غازي)، وهو أكبر المعمرين في صبحا عمره مئة وست سنوات، وقد تزوج خمس نساء، يقول عن تلك الفترة أنه «يوم قسم «أبو حنيك» الخراب على العرب، كنا نازلين مع حلالنا في سوريا وأجانا الشيخ سعود يخبرنا انه لازم نرجع لأنهم قاعدين يوزعوا الخرب على العرب، وكنا أنا والشيخ سعود واخوان إلي أول ما سكنا هان، وقظبنا القرية قبل ما يأخذها عرب ثانيين، وكان بيتين، الشيخ وبيتي، وسووا القهوة، وقلنا لأهلنا كل واحد يقظب بيت خراب، وسكنا بثلاث قرايا هي صبحا وصبحية وسبع اصير، وقال الشيخ سعود نخلي فلاح الربايعه مختار للقرى الثلاث.. واتسجلت القرى باسمنا».
بعد هذا الاستقرار، صار السردية، يجددون ويعمرون في هذه البقعة، حتى أنهم أضفوا بحضورهم، وتفاعلهم مع المكان حياة جديدة وروحا متألقة، تتجاور مع عراقة حضور الأنباط والرومان والبيزنطيين في هاتين القريتين اللتين تعتبران من أهم آثار معالم «وادي اليعاقب» ذلك أن البلدتين كانتا تقعان على الطرق التجارية الداخلية المؤدية إلى «بصرى الشام»، و«وادي السرحان»، كما أن جذور الاستيطان تعود فيهما الى العصر الحجري القديم والحديث، وكانت تكثر فيها المستوطنات الزراعية المطلة على سهل خصيب حيث أعيد استخدام تلك المستوطنات في العصور البرونزية.
حديث النقوش
وثائق الآثاريين المتعلقة بالقريتين تقول بأنهما كانتا مأهولتين منذ عصور قديمة، إذ يذكر العالم «كنج» المتخصص في الآثار البيزنطية والإسلامية في منطقة حوران، أن في صبحة كنيستان تقع إحداهما في الجهة الشمالية من البلدة، والأخرى في الجهة الجنوبية،ويرجح أن الكنيستين تعودان إلى القرن الخامس.
أما الآثار الأخرى فهي حجارة وشواهد قبور مبعثرة هنا وهناك،فعلى حجر في بناء كان يعود لأحد المسيحيين، وجدت هذه الكتابة: «الاسكندر والاكسامينيوس يشكران الله على نعمته وبركته». وفي ساحة الكنيسة الجنوبية وجد شاهد وعليه هذه الكتابة«ابنة اسماتوس 20 سنة».وعلى شاهد آخر كتب «عبد الله بن بسوس25 سنة». وعلى غيره «لبنة ابنة مجيديوس(مجيد) 17 سنة»، وشاهد آخر كتب عليه «هنا يرقد مجيديوس بن باسوس مئة سنة»، وغيره مكتوب عليه «سيوس بن مجيديوس 42 سنة عاشها في العز والمجد».
ويشير المطران سليم الصايغ في كتابه «الآثار المسيحية في الأردن» إلى أن بلدة صبحية الحالية قد بنيت على آثار البلدة القديمة والتي يظهر أن بيوتها بنيت حول برج للحماية والمراقبة،وعندما زارت بعثة جامعة برنستون الأميركية سنة 1904-1905 البلدة كانت لا تزال بعض البيوت القديمة قائمة إلا أنها اختفت اليوم لأن أهل القرية استعملوا حجارة البيوت لبناء بيوتهم،وقد عثر في القرية على شاهد لقبر أحد كهنتها حيث كتب عليه «ضريح سواديوس الكاهن».
بركة سوريا
كان زعيم قبيلة السردية، في ذلك الوقت، يعلم بأن هذا الاستقرار سيعيد لـ«صبحا وصبحية» مجدهما، وكان يعي بأن هذه الإقامة الجديدة ستبعث دفئا، وتاريخا ينبض بحراك الناس معطيا للحجارة السوداء في القريتين ألقا يبوح بقلق الحكاية فيهما، مرة ذاكرة، ومرة أسطورة، تسرد جزءا منها، البركة الرومانية ذات الثمانية عشر درجة، في صبحا، التي يروي أهل القرية أنه قد سقطت في هذه البركة، ذات زمان، فتاة سورية، فسميت باسمها، وصارت تعرف منذ تلك اللحظة ببركة سورية.
ويقال أن بعثة أجنبية كانت تخيم في النقطة الرابعة (أتش فور-أجفور) قريبا من القرية، وكان فيها عالمة آثار، سيدة في خريف عمرها، سمعت بقصة البركة، فجاءت لرؤيتها، كاشفة عن دلالة تشير إليها هذه البركة وما حولها من برك في أن المكان هذا كان خصبا وكان نظام هندسة الري فيه متقدم، ويحتوي على سدود صغيرة وأقنية مياه يترقرق منها الماء ليسقي المناطق المزروعة حولها، حيث أنه كان الأنباط القدماء قد طوروا تلك الأنظمة واستخدموها في مرحلة الحضارة النبطية عندما أقيم في القرية أول مركز تجاري على الطريق الداخلي بين «دير الكهف» و«أم الجمال» و«بصرى الشام».
وقد تبنت العالمة الأجنبية عملية ترميم البركة، كأنها بهذا الإنجاز تعبر عن تعاطفها مع تلك الفتاة التي بقيت قصتها علامة واسما لهذه البركة، وكأنها بدل أن تضع إكليل ورد على المكان آثرت أن تعيد بث الحياة فيه من خلال الماء الذي تدفق إلى البركة بعد أن تحقق فعل الترميم وإعادة الاستصلاح لبركة سارة.
وليست هذه البركة الوحيدة، في صبحا فهناك أربعة أخرى لكن القصة المستعادة كانت مقرونة بهذه البقعة فقط..
كما أن زعيم القبيلة كان يعلم بفراسته، وخبرته، أن خربة قرية صبحا القديمة ستكون المقر الحجري الأول لقومه بعد الخيام، والترحال، وأن «ربعه» سيبقون مستقرين فيها، ردحا من الزمان، مستخدمينها مأوى لهم ولمواشيهم، كأنهم بتعايشهم مع تفاصيلها، وبيوتها، ودروبها، يحيون ماضيها، ثم إنهم سيبقون فيها حتى عام 1974 حيث سيخرج منها آخر القاطنين فيها، وهو حزين عليها، ذلك الكهل الذي اسمه «حوش».
«حوش»..آخر الراحلين
يروي أهل القرية أن «حوش»، كهل الخربة القديمة، كان كئيبا حين خرج من القرية القديمة، وهو قبل أن يغادرها عاين كل تفاصيل الخربة التي عاشرها سنين عددا، وكأنه لن يراها بعد خروجه منها مرة أخرى.. سار باتجاه الكنيستين فيها.
استراح «حوش» قليلا عند سكن الرهبان، ثم تأمل البرج المهدم، وشاهد بعيني المودع البيوت القديمة التي صارت بقايا أطلال بلون البازلت، ثم تحسر على كل تلك الآثار المنهوبة في القرية، قبل أن يبتعد عنها.
كان«حوش» آخر الخارجين من تلك «الخرابة»، وما كان هاربا من البيت الذي يقال أنه كان مسكونا بالجن، وكان قريبا من مكان إقامته في القرية القديمة.
أهل صبحا يقولون أن ذلك المكان «المسكون» هو «دار الفايد»، ويضيفون بأن هناك شبح بقرة يبقى يصرخ طوال الليل مؤذنا بروح تسكن البيت، فصارت الهوية الملتصقة بذاك البيت أنه مسكون بالجان، وأن هناك «مفاولي» في البيت، وكأنه أسطورة مبنية على مكان هو الدار، ثم يضيف البعض بأن البقرة تتراءى للقريبين منه وهي تتحرك وتخور فتفزع الجميع..
خرج كل أهل القرية القديمة وبقي «حوش» ليلتحق بهم بعد سنوات،فيكون آخر الراحلين من خربة صبحا، ولكن خوار البقرة ما زال أهل القرية يصرون أنهم يسمعونه كلما مروا ليلا قرب «دار الفايد».
ذاكرة الشهداء
غاب وانقطعت أخباره منذ حرب حزيران عام 1967,.
العريف «نوري زايد البكار»، من قرية «صبحا»..
هل وقع شهيدا أم بقي أسيرا في سجون العدو؟
ما زالت أخباره منقطعة عن أهله وإن اعتبره الجيش الأردني، في سجلاته، شهيدا، غير أن أهله يريدون أي خبر عنه يمكن من خلاله أن يقطعوا الشك باليقين كما حصل في القرية قبل خمسة سنوات حين جاءت بالصدفة أخبار عن الملازم «عبد الله فلاح الموالي» الذي جاء إلى أهله رجل يسعى بخبر عنه.
كان حامل الخبر رجل من فلسطين. قال: «إن الملازم عبد الله كان مدفونا في كهف في منطقة «نعلين»، وأن الجيش الإسرائيلي صادر الأراضي التي كان فيها الكهف، وكان هو اقرب الناس إلى مكانه، وحين فتحوا القبر، أمروه أن يأخذ الجثة ويدفنها، فلما كشف عنها وجدها ترفل بعلامات الشهادة، لم يمسسها التعفن، وكأن الملازم عبد الله ميت الآن وليس قبل ثلاثة وثلاثين سنة».
قال الرجل القادم من فلسطين أنه أخذ الجثة ودفنها في حوش بيته، فاطمأن أهل الشهيد إلى أن ابنهم كرم جثمانه بالدفن في الأرض المقدسة هناك.
صائد القنابل..
يروي الشيخ «هايل فواز السردي» (أبو طلال) أن كثيرا من أبناء قريتي «صبحا وصبحية» لهم قصص بطولية في الحروب التي تهيأت لهم الفرصة للمشاركة فيها، لأنهم كانوا نواة مجموعة المجاهدين التي تم تشكيلها من أهالي قرى المنطقة، تحت راية «جيش الإنقاذ»، إبان حرب عام 1948 وكانت تضم، إضافة إليهم، مجموعة من الدروز، حيث شاركوا جميعا في تلك الحرب في موقع «حي المصرارة» في القدس واستشهد منهم اثنان.
ويتحدث «أبو طلال» عن الجندي «قطيفان وراد المرهي» من «صبحية»، الذي كان جندي مشاه، وكان يطلق عليه زملاؤه لقب «صائد القنابل» وتجلت بطولته في عام 1948 حين كان يلتقط القنابل التي كان يلقيها عليهم جنود الأعداء ويعيدها إلى مواقعهم فتتفجر هناك وتدمر المنطقة التي تصلها، إلا انه وافته المنية حين تناول إحدى القنابل، وتأخر قبل أن يلقيها باتجاه العدو فتفجرت به ووقع شهيدا.
العراقيون يحاصرون صبحا
عام 1969 كانت القوات العراقية ترابط في المفرق، وكانت قرية «صبحا» تنتظر ليلا زوارا يتسللون إليها من سوريا، هم فدائيون مجاهدون من الجبهة العربية، جاءوا إلى الشيخ «أبو فيصل» وجيه القبيلة في تلك الفترة.
لما وصل الخبر عن «هؤلاء الضيوف» إلى القوات العراقية حاصروا القرية مدة يومين بحثا عن المتسللين وبقيت «صبحا» ترزح تحت وطأة ذلك الحصار إلى أن اعتقلوهم غير عابئين بدفاع القرية عن هؤلاء المجاهدين، ثم انفضت تلك القوات عائدة إلى قواعدها بعد يومين.
قبر فنيسان
أقدم مقبرة في القرية هي مقبرة فنيسان، التي يقول عنها الحاج «أبو غازي»، أن «فنيسان واحد من الشيوخ القديمين، وهو من الفواز، ومات قبل أن نسكن القرية، وعندما توفي صاروا يدفنون أمواتهم حول قبره، وصارت بذلك مقبره».
وتقع هذه المقبرة شرق القرية، على جانب الطريق المؤدي الى المزارع، وآبار المياه، في هذا الاتجاه، فيها بعض القبور الحديثة، لكنه يغلب عليها الحجارة القديمة، والشواهد غير المنتظمة، وبعض قبورها كأنها «رجوم» عتيقة.
سيرة قرية
تقع قريتا صبحا وصبحية في الشرق الشمالي من مدينة المفرق على بعد 35 كيلومتر منها، ضمن بلدية صبحا والدفيانة.
وتتبع القريتان إداريا إلى قضاء صبحا من لواء البادية الشمالية في محافظة المفرق، وتعتبر صبحا هي مركز هذا القضاء.
يحد القريتان من الشمال الحدود السورية، ومن الغرب بلدية الكوم الأحمر، وبلدية عمرة وعميرة، ومن الجنوب بلدية الصالحية والطريق الدولي المؤدي إلى بغداد، ومن الشرق بلدية الدفيانة.
؟ الديموغرافيا:
يبلغ عدد سكان القريتين بحسب التعداد لعام 2004 الذي أوردهما تحت تجمع سكاني واحد هو صبحا وفيه 5112 نسمة (2643 ذكور و 246 اناث)، يشكلون770 أسرة،تقطن 985مسكنا. ومعظم أهل القريتين من قبيلة السردية ، يعتمدون في معيشتهم على الزراعة وتربية المواشي، والعمل في الحكومة.
؟ المياه:
تشرف وزارة المياه والري على تغذية القرية بالمياه من خلال بئر صبحا الارتوازي، أما بالنسبة للزراعة فتعتمد القريتان في ري مزروعاتها على آبار ارتوازية خاصة ، وفي المزروعات البعلية على مياه الأمطار.
؟ التربية والتعليم:
توجد في القريتين خمسة مدارس تابعة لوزارة التربية والتعليم ومدرسة واحدة تابعة للثقافة العسكرية وهي على النحو التالي:
مدرسة صبحا الثانوية الشاملة للبنات(1967)ومدرسة صبحا الأساسية للبنين(1954) ومدرسة صبحا الأساسية للإناث(1980) ومدرسة صبحية الأساسية للبنين(1972) ومدرسة صبحية الأساسية المختلطة(1991).
وهناك مدرسة عسكرية ثانوية تابعة لمديرية الثقافة العسكرية هي مدرسة الأمير حمزة بن الحسين الثانوية التي تأسست سنة 1988
؟ الصحة:
يوجد مركز صحي أولي في قرية صبحا يخدم القريتين والتجمعات السكانية المجاورة. كما يوجد في صبحية مركز صحي فرعي يخدم أهالي القرية.
؟ هيئات المجتمع المدني:
تتواجد في قريتي صبحا وصبحية الجمعيات والمراكز التالية:
جمعية الأميرة بسمة للتنمية الاجتماعية في صبحا (1978)، وجمعية صبحا لذوي الاحتياجات الخاصة (2003)، ومركز شباب صبحا (1985).
؟ السياحة والآثار:
يوجد في قريتي صبحا وصبحية عدد من الأماكن الأثرية على شكل خرب قديمة وبرك تعود للعصور الرومانية والنبطية.
* يوجد في صبحا خمسة مساجد ، وفي صبحية مسجدان.
* يوجد مكتب بريد في قرية صبحا.