ما زلنا كعرب ومسلمين في تفكيرنا دون مستوى القضايا الُملحة التي تستحق أن يدور حوارنا حولها. مازال الكثيرون منا يناقشون قضايا تجاوزها العصر موضوعياً. ما أدعو إليه هو أن نحاكم قضايانا بعقلانية وحكمة وبعيداً عن التعصب للرأي، فهذا التعصب قد جرنا إلى كثير من الأزمات والإشكالات.علينا أن نقرأ واقعنا بعمق، قراءة نقدية وموضوعية، نضع الأولويات على أجندتها وكما قالت المفكرة والأكاديمية العربية د. فهمية شرف الدين أستاذة علم اجتماع المعرفة، الجامعة اللبنانية في دراسة قصيرة لها بعنوان: «المحلي والكوني في الثقافة العربية المعاصرة. تاريخ لا يعيد نفسه»، الدراسة منشورة ضمن دراسات أخرى في كتاب «الفكر العربي في عالم سريع التغيُّر» ص 63، منتدى الفكر العربي - عمان.تقول هذه المفكرة والأكاديمية في دراستها: «.. إن أي كلام عن مواجهة ما يجري في العالم لا يمكن أن يكون مفيداً إذا لم يُبن على فهم حقيقي لواقعنا وللوقائع العالمية». وهذا منطق صحيح، فمواجهة التحديات العالمية، لا تكون ذات مصداقية وفاعلية إذا أسقطنا من حسابنا حقيقة «واقعنا» و»الوقائع العالمية». فنحن لا نعيش في عالم مُغلق، بل في عالم منفتح، ثمة قضايا كبيرة وفاعلة في الحياة الإنسانية ينبغي أن تشغلنا أكثر من غيرها كقضايا الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. علينا أن نقارب هذه القضايا بفهم علمي وموضوعي لها بعيداً عن التطرف أو الفهم الخاطيء لها.وهنا يأتي دور المُثقف والمفكر العربي، فلا يجوز أن يُركز دوماً على قضايا استهلك الحديث عنها إلى حد جعلنا ندور في حلقة مفرغة كالحديث عن «الهوية» و»الخصوصية» و»الأصالة» و»المعاصرة». أقول لقد استهلك الحديث عن هذه القضايا، كما أنني لا اقلل من أهميتها، ولكنني أدعو إلى فهمها فهماً صحيحاً، وهي بحق وكما ذكرت د. فهمية شرف الدين «ليست قضايا للحل». المرجع السابق ص 77.هذه القضايا -مع تقديرنا لأهميتها- فإن حسمها ليس ممكناً. هي مرجعية نبني عليها دون أن نقف عندها فحسب. عالمنا اليوم يضج بالتحولات الاجتماعية والمعرفية الجديدة، إذا لم نقرأها قراءة واعية ونتكيف معها، فسنظل في القاع الحضاري.في خطاباتنا العربية نتحدث كثيراً عن قيم «المعرفة» و»الديمقراطية» و»التواصل» العربي/العربي. ومع ذلك لا نقيم علاقة حميمة مع هذه القيم لأسباب غير مُقنعة. نحن نلعن ونشتم «العولمة». وهذا من حقنا، ولكننا لا نطرح «البديل» القادر على لجم شرورها سيما في ظل تغول «القطبية العالمية الواحدة». «العولمة» بطبيعتها الحالية التي تطرحها القطبية الواحدة هي شر لا جدال فيه. هل تحمل في ثناياها بعض الخير؟ ربما، ولكن هذا «الخير» لم يُفصح عن نفسه حتى الآن، لأن الإمبرليالية العالمية لا تريد ذلك. هل نستسلم أمام هذه الإمبريالية وما سُمي بالنظام العالمي الجديد الذي وجد لخدمة «الأقوياء» وإبقاء الضعفاء تحت تبعيتهم؟ طبعاً، لا. غير أن الظروف العربية التي نعيشها اليوم -مع الأسف- لا تبشر بخير.هناك تغوُّل إمبريالي علينا، هدفه «تفتيت» «كياناتنا» ليغدو الكيان الواحد كيانين منفصلين أو ثلاثة كيانات متخاصمة! حتى الآن، فالخطاب العربي والجهد العربي المشترك لم يرتقِ إلى مستوى التحدي الذي نواجهه. أما مفكرونا ومثقفونا ومحللونا السياسيون فبعضهم -مع الأسف- قد عقّوا مسؤوليتهم القومية، فراحوا أو راح بعضهم يُرحب بما يحدث بزعم أن ذلك بات ضرورة من الضرورات في عالم متغير!. إن الموقف العربي هذا يدل على العجز والاستسلام للتحدي الخارجي.إن العجز العربي الراهن بات ينفر من طرح الأسئلة المُلحة التي تتطلب إجابات وممارسات ترتقي إلى مستوى التحديات التي تواجه أمتنا. العجز العربي هو الذي دفع الكيان الإسرائيلي إلى التغول على الفلسطينين في الأرض الفلسطينية المحتلة، غير ملتفت إلى التحذيرات العربية اعتقاداً منه أنها تفتقر إلى القوة التنفيذية.
yousefmahmoud37@yahoo.com