الأساطير والملاحم.. ينابيع المعرفة القديمة - تأليف فراس السواح

الأساطير والملاحم.. ينابيع المعرفة القديمة - تأليف فراس السواح


الكتاب:

مدخل إلى نصوص الشرق القديم
المؤلف :
فراس السواح
الناشر:
دار علاء الدين دمشق 2006
الصفحات:
403 صفحات من القطع المتوسط

 

 

يهدف الباحث السوري فراس السواح من خلال كتابه المعنون «مدخل الى نصوص الشرق القديم» إلى التعريف بأهم النصوص الأدبية لثقافات الشرق القديم، من أساطير وملاحم وحكم وأمثال وتراتيل وصلوات، ومراث، وما يتبعها من مناظرات وشرائع وقوانين. وقد قدم بعض هذه النصوص كاملة، وبعضها الآخر من خلال مقاطع تعبر عن روحها ومقاصد مؤلفيها، ولا سيما عندما تكون الرقم الفخارية غير واضحة للقراءة بسبب الكسور والتشوهات الحاصلة فيها مع مرور الزمن.
مشيرا إلى أن معياره الأساسي في انتقاء النصوص وإلقاء الضوء عليها هو تقديم ما يهم القارئ أكثر من غيره، وما يمتعه في الوقت نفسه، وإلى أنه على الرغم من إرفاقه النصوص بشروحات وتحليلات تعين على فهمها إلا أنه أبقى ذلك في الحد الأدنى الذي لا يؤدي إلى ملل القارئ غير المتمرس في هذا المجال.
ويسعى السواح عبر صفحات كتابه إلى تزويد الباحثين في مجالات العلوم الإنسانية الأخرى بما يفيدهم من شواهد، ويغنيهم عن التفتيش في أمهات المراجع العالمية التي استند إليها في تأليف هذا الكتاب.يتوقف المؤلف عند مجموعة من الأساطير القديمة فيعرض بعض نصوصها ثم يقارن بين أسطورة وأخرى، مفسرا ظروف نشأتها، محللا أبرز عناصرها.
ويرى السواح أن الأسطورة لعبت في الماضي الدور الذي يلعبه العلم في العصر الحاضر، وهي قصة رمزية يلعب الآلهة الأدوار الرئيسية فيها، وتتميز موضوعاتها بالجدية والشمولية، وقد حاولت تفسير نشأة الخلق، والأصول، والموت والعالم الآخر، ومعنى الحياة، وسر الوجود.
وهي ترتبط ارتباطا وثيقا بالنظام الديني للجماعة، وتعمل على توضيح معتقداته، وتدخل في صلب طقوسه ومن هنا تأتي قدسيتها وسلطتها العظيمة على عقول الناس. وغالبا ما تصاغ في قالب شعري يساعد على ترتيلها في المناسبات الطقسية، وعلى تداولها شفاهة، ويزودها بسلطان قوي على العواطف والقلوب.
مشيرا إلى أن أساطير الخلق والتكوين تتخذ المركز والبؤرة في أية منظومة ميثولوجية، فهي التي تتحدث عن أصل الكون وكيف ظهر العالم إلى الوجود، وعن أصل الآلهة وأنسابها ومراتبها وعلائقها مع بعضها بعضا. وتعد ميثولوجيا التكوين الرافدينية في اعتقاده نموذجا على ذلك.
ومن الأساطير التي يتوقف عندها السواح شارحا ومعلقا ومقارنا أسطورة الخصب الرافدينية، وأسطورة أدابا وأسطورة نرجال وأريشكيجال، وأسطورة إنكي وإنانا، وأسطورة إيتانا والنسر وأسطورة الفردوس ( إنكي وننجز صاج )، والأسطورة الأوزيرية.
فأسطورة الخصب الرافدية في نظره لم تكن سوى أسطورة طقسية معدة للأداء الدرامي في أعياد الربيع وتتلى فيها دورة حياة الإله دوموزي (تموز) الذي يمثل روح النبات التي تموت في الصيف وتهبط إلى العالم الأسفل، ثم تعود إلى الحياة مع ابتداء الربيع.
فكما كان الإله مردوخ يجدد قواه بمعونة عباده في أعياد رأس السنة ليستطيع القيام بعمل الخلق المستمر عاما آخر كذلك كان دوموزي روح النبات يجدد قواه في كل عام، ولكن عن طريق الموت الفعلي والهبوط إلى الأسفل، ثم الانبعاث من جديد.
ذلك أن الموت الكلي هو الذي يقود إلى التجديد الكلي، عندما يعطي الإله الميت للموت ما بلي منه وشاخ، ويكسبه البعث قوة شباب فوارة تساعده على دفع دورة الفصول سنة أخرى جديدة.أما «أسطورة آدابا» التي تم تجميع نصها من رقيمين، عثر على الأول منهما في موقع تل العمارنة بمصر العليا، وهو على ما يبدو كان مستعملا في تدريب الكتبة المصريين على اللغة والخط الأكاديين، وعثر على الثاني في مكتبة آشور بانيبال بموقع مدينة نينوى الآشورية فإن البطل الرئيسي فيها هو آدابا، الأول بين الحكماء السبعة الذين حكموا قبل الطوفان الكبير، وهم الذين علموا البشر وأرسوا مبادئ التحضر الإنساني برعاية الإله أنكي إله الحكمة والأعماق المائية العذبة.
ويبدو من سياق القصة أن آدابا لم يكن أول الحكماء فقط بل كان الإنسان الأول كذلك. وقد صنعه الإله إيا ليقوم على خدمة معبده في أول مدينة تظهر في وادي الرافدين وهي مدينة إيريدو، التي كانت تقع على شاطئ نهر الفرات عند مصبه على الخليج العربي، فكان آدابا أول إنسان كاهن يحفظ شعائر الآلهة ويعمل على خدمتها. وقد ورد الاسم آدابا كما يشير المؤلف في المصادر البابلية والآشورية أيضا بصيغة «أوان» وهو الاسم الذي استخدمه المؤرخ البابلي بيروسوس الذي كتب في العصر اليوناني عن تاريخ البابليين، فدعاه «أوانيس».
وتروي القصة كيف أن آدابا كان يرعى شعائر الإله إنكي كل يوم فيخبز الخبز ويصطاد السمك لتقديمه قربانا على المذبح. وفي أحد الأيام وبينما كان مبحرا في عرض البحر هبت ريح الجنوب فأغرقت مركبه، فنطق أدابا ضدها بلعنة كسرت جناحها فأقلعت عن الهبوب. بعد سبعة أيام ينتبه الآلهة إلى ما حصل ويعرف كبيرهم آنو أن آدابا هو المسبب فيأمر بمثوله بين يديه. وقبل صعوده إلى السماء يعطيه إيا توجيهات تساعده في الدخول على آنو.
وقد عرف إيا ببصيرته النافذة أن آنو سوف يهبه الخلود بعد إطلاعه على أسرار السماء ويجعله مثل الآلهة، ولسبب غير واضح، لم يكن إيا راغبا في ذلك، فأعطاه تعليمات بوجوب عدم أكل الخبز الذي يقدم له في السماء، وعدم شرب الشراب. وكان ذلك الخبز وذلك الشراب هما خبز وشراب الحياة الأبدية، فخسر آدابا الخلود وعاد صفر اليدين إلى الأرض لتعاني ذريته الآلام والأمراض والموت.
وينتقل الباحث السواح بعد ذلك إلى أسطورة «نرجال وأريشكجال» التي وصلنا منها نصان مختلفان في التفاصيل.
النص الأول جاء من موقع تل العمارنة في مصر العليا ويبدو أنه نسخة عن نص أكادي أصلي، أنجزها أحد الكتبة المصريين الذين كانوا يتدربون على اللغة والكتابة الأكادية، لغة المراسلات الدبلوماسية في ذلك العصر، ويحكي هذا النص المختصر قصة الإله نرجال الذي كان في السابق إلها سماويا، ولكن ظروفا معينة اضطرته «إلى الهبوط» إلى العالم الأسفل حيث تزوج من آلهته اريشكجال وصار سيدا لذلك العالم.ومن «نرجال وإريشكجال» إلى أسطورة «إنكي وإنانا» التي تشير إلى أن أصول التحضر الإنساني قد صيغت وحفظت في مجموعة من النواميس المقدسة دعوها «مي» وأن هذه النواميس التي أبقاها الآلهة بين أيديهم هي التي توجه كل نشاط حضاري يقوم به البشر على الأرض.
وقد كانت هذه النواميس في حوزة «إنكي» إله الحكمة والأعماق المائية العذبة، وإله مدينة أريدو أول المدن المتحضرة في وادي الرافدين الجنوبي، ولكن آلهة الخصب السورية إنانا المعبود الرئيسي لمدينة أوروك كانت راغبة في تحضير مدينتها وإيصالها إلى مرتبة تعادل أريدو إن لم تزد عليها.
ولتحقيق هذه الغاية لم يكن أمامها سوى نقل نواميس الحضارة من مدينة أريدو إلى أوروك، ولكن هل يقبل إنكي بإعطائها النواميس؟ هذا هو موضوع أسطورة «إنكي وإنانا». وينتقل المؤلف من أساطير الشرق القديم إلى الملاحم المشهورة فيه ومنها ملحمة «أقهات الأوغاريتية»، وملحمة «كرت»، وملحمة «جلجامش». ويرى أن هذه الملاحم الثلاث تتشابه في كثير من مقاطعها، وتتلاقى في موضوعاتها، ويمكن إجمال معناها وغايتها في فكرتين مترابطتين، الأولى قدسية مؤسسة الملوكية وصلتها الوثيقة بالعالم الإلهي، والثانية الدور الذي تلعبه الشخصية الملوكية في كونها صلة وصل بين القوى الإخصابية الكونية ومظاهر حياة الطبيعة على الأرض.
وإن هاتين الفكرتين الرئيستين تبسطان مفهوما صاغه إنسان الشرق القديم عن كون مترابط تجري فيه الأحداث في حيز متصل يجمع الآلهة والبشر وكل مظاهر الحياة الطبيعية في كل موحد.
فحياة الآلهة تعتمد على الإنسان وما يقدمه إليها من أضاح وقرابين، وحياة الإنسان تعتمد على الآلهة التي تضمن انتظام حركة الفصول وخصب الأرض وحياة النبات والحيوان تعتمد على كليهما.وفي هذا الحيز المتصل يلعب النظام السياسي للمجتمع الإنساني دورا مركزيا باعتباره مجال تماس وتداخل بين العوالم الأرضية والعوالم السماوية، والنقطة التي يحصل عندها هذا التوازن الدقيق والمعقد للوجود برمته. وبعد أن يجري المؤلف مجموعة من المقارنات بين بعض الملاحم الرافدينية، ينتقل إلى التراتيل والصلوات ومنها ترتيلة شمش ( إله الشمس ) التي عثر على نصها في مكتبة الملك الآشوري آشور بانيبال في نينوى ( 668 633 ق. م) وهو عبارة عن صلاة لإله الشمس البابلي ( شمش ) باعتباره قوة كونية شمولية، وإلها للقانون والنظام والعدالة.
فهو يشرق على الأرض وعلى البحار وعلى العالم الأسفل أيضا، ويطلع على أعمال البشر فيحسن إلى الأخيار ويعاقب الأشرار. وهناك أيضا صلاة آشور بانيبال لإله الشمس، وهي عبارة عن ترتيلة وضعها الملك الآشوري آشور بانيبال لتسبيح إله الشمس (شمش) وتحمل في سطورها الختامية ملمحا غير موجود سوى في النصوص النذرية والنصوص الملكية التي تنقش على النصب لتخليد أعمال الملك، حيث يختم الملك نصه باستجلاب البركات على من يحافظ على النقش واستجلاب اللعنات على من يزيله أو يغير اسم صاحبه.
أما الترتيلة الموجهة إلى إله القمر «نانا سن» فقد عثر عليها في موقع مدينة نينوى الآشورية، وهي منقوشة بالسومرية والأكادية، ويظهر فيها إله القمر الرافديني باسمه السومري «نانا». ويرجح المؤلف أن تاريخه يرجع إلى عصر النهضة السومرية الثانية خلال فترة حكم أسرة أور الثالثة في نهاية الألف الثالث قبل الميلاد. والترتيلة على حد قول المؤلف تطابق بين إله القمر وعدد من الآلهة الرافدينية الكبرى، مثل الإله البدئي «أنشار» المعروف بشكل جيد من أسطورة التكوين البابلية، والإله آنو كبير آلهة المجمع الرافديني، وهذا ما يسبغ على هذه الترتيلة نفسا توحيديا واضحا.وبعدما يشير المؤلف إلى عدد من الصلوات والتراتيل الرافدينية مثل صلاة الكاهنة «إنحدوانا» ومديح ذاتي لإنانا، وضراعة إلى عشتار، ينتقل إلى حياة الحكيم أحيقار وأمثاله.
ويتوقف السواح في نهاية كتابه عند أدب الحكمة الرافديني الذي تندرج تحته «وصايا شوروباك» ومئات من كسر الألواح التي تركها السومريون والتي تحتوي على أمثال تعكس نظرتهم العميقة إلى الحياة.
يذكر ان الباحث السوري فراس السواح مهتم بالميثولوجيا وتاريخ الأديان، وله مؤلفات عدة منها: «آرام دمشق وإسرائيل في التاريخ والتاريخ التوراتي» و«جلجامش ملحمة الرافدين الخالدة» و«دين الإنسان بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني»، و«مغامرة العقل الأولى» و«التاوتي تشينغ.. إنجيل الحكمة التاوية في الصين» و«الوجه الآخر للمسيح».