(الطريق إلى كابول) أمام القضاء

(الطريق إلى كابول) أمام القضاء

كتب - نزيه أبو نضال - بعد وقف أو منع عرض مسلسل «الطريق إلى كابول»، في رمضان العام 2004. ها هو مسلسل جديد يعرض الآن أمام محاكم دبي، ولكن هذه المرة كقضية وليس كدراما.. فقناة الـ ح تطالب «المركز العربي للخدمات السمعية البصرية»، وهو الجهة الأردنية المنفذة للإنتاج، فقط بعشرين مليون دولار، تعويضا عن أضرار قالت أنها لحقت بها بسبب وقف المسلسل.
بالطبع نحن لسنا بصدد الخوض في الجوانب القضائية للموضوع فللأمر مختصوه ومحاموه وقضاته، رغم أن منع عرض «الطريق إلى كابول»، كقضية، ليس مجرد إخلال بشرط قانوني يستتبع بالضرورة حكما قضائيا.. فهناك العديد من الالتباسات السياسية الإقليمية والدولية، والجوانب الأمنية، والجهة المانعة..الخ.. ولعل أقلها شأنا المسائل ذات الطبيعة القانونية المتصلة بالعقود المبرمة.. فما الذي حدث ويحدث؟
ثمة أسباب لا زالت غامضة تلك التي أدت إلى وقف عرض المسلسل في رمضان 2004، رغم كثرة ما أعلن من أسباب، بل ربما بسبب كثرتها:
* تهديدات لا يمكن التوثق من مدى جديتها، كتلك التي حملها بيان رقم (7) الصادر عن مجموعة إسلامية تطلق على نفسها اسم كتائب المجاهدين في العراق وسوريا، ووزعه موقع (الأنصار. نت) و هدد بمهاجمة كل من ساهم في مسلسل «الطريق إلى كابول»، في حال تضمن إساءة إلى حركة طالبان الأفغانية.. من ممثل أو مخرج أو مصور، وأضاف: «سوف نضرب إن قدر الله لنا ذلك مراكز القنوات الفضائية ومراسليها ومراكزها في العراق وسوريا العارضة لذلك المسلسل»، متوعدا بأنه «لن يفلت من أيدينا أي واحد منهم إن لم يكن اليوم فبالغد وإن لم يكن بالغد فبعد شهر أو بعد سنة».
* وفي المقابل فهناك من رأى أن قرار المنع تم بناء على طلب وضغوطات سياسية ودبلوماسية أمريكية، مورست على قطر، من أوساط المحافظين الجدد الذين رأوا في العمل ما يضر بحملة الرئيس جورج بوش الانتخابية.
* ومما يعزز مثل هذا التحليل قيام التلفزيون القطري بإجراء اتصالات مع عدد من تلفزيونات الدول العربية، مطالبا بعدم بث المسلسل.(اليمن، البحرين، المغرب، الأردن).
* وتردد آنذاك أن تهديدات (إرهابية) كانت وراء هذه الخطوة التي جاءت مفاجئة، ولكن التلفزيون القطري، نفى حينها، أن يكون قد خضع للتهديد، وبإن قرار سحب المسلسل  تم اتخاذه قبل ظهور تلك التهديدات بيومين بسبب عدم توفر حلقات المسلسل كاملة، وهو الأمر الذي نفاه المخرج محمد عزيزية، وبأن العادة أن يجري التسليم بعد بدء العرض، كما حدث مع الزير سالم.
* ولا يستبعد في سياق هذه الاجتهادات الحديث عن وجود خلافات مستحكمة ومعروفة بين الجارتين الخليجيتين قد تكون انعكست على تحريك الدعوة من قبل الـح (السعودية) والجهة الأم المنتجة (قطر)، وبالتالي تكون شركة الإنتاج الأردنية المنفذة قد راحت بالإجرين، أو فرق عملة، كما يقال.
وفي جميع الحالات فإن النص الدرامي الذي كتبه جمال أبو حمدان وأخرجه محمد عزيزية هو بطبيعته مليء بالألغام والالتباسات التي تطال مجمل التجربة الأفغانية، من ( ثوار الحرية) عند قتال السوفييت إلى (الارهابيين) حين يقاتلون الأميركان..الخ..
أضف إلى ذلك الأسئلة التي أثيرت بصدد الأفغان العرب وأولوياتهم الجهادية بعيدا عن فلسطين وجنوب لبنان، وهو سؤال طرحه أحد اللبنانيين (الأفغان) داخل المسلسل. وكذلك ممارساتهم العنيفة في أكثر من قطر عربي: الجزائر، مصر، السعودية، الأردن.
هذا بالطبع إلى جانب قضية المرأة الأفغانية التي يطرحها المسلسل بقوة من الموقع النقيض للطروحات الطالبانية. وحول هذا الخط السردي تنبني دراما العمل وتمتد خطوطها من الشابة الأفغانية(فرح بسيسو) التي يرسلها والدها المستنير (نبيل مشيني) لتدرس الطب في الغرب وعلاقتها هناك بالشاب الفلسطيني (عاكف نجم) ثم موقف أخيها المتزمت المناهض لدراستها المختلطة مع الرجال واعتدائه عليها بالضرب، (عابد فهد).. الخ..
ومن ذلك أيضا ما تناوله المسلسل من تدمير الإرث الإنساني لمنحوتات الآلهة البوذية في أفغانستان، وهو الأمر الذي استنكره بشده كل علماء الدين الإسلامي في أعلى مراتبهم الفقهية.
لقد اشتمل المسلسل، كما رأينا على مجموعة من الخطوط الدرامية التي تناولت جملة المسائل الشائكة والملتبسة وشديدة الحساسية في التجربة الأفغانية، وكل واحدة من هذه المسائل، ورغم المعالجة الموضوعية المحايدة لها كفيلة بأن تطيح بأكثر من رأس، ومن قبل أكثر من سيف.. فالعالم، على رأي أستاذنا عبد الله القصيمي، ليس عقلا.
غير أن الرسالة المركزية لهذه الدراما الحمدانية (نسبة إلى جمال أبو حمدان) موجهة أساسا ضد أميركا وسياساتها وبرامجها وممارساتها في المنطقة، ومن هنا جاء التعليق الساخر من أبو حمدان: انتظرنا الهجوم من الغرب، فجاءنا من الشرق!..وأضاف: الطريق إلى كابول ينتقد أميركا، ويعمل على تنقية صورة العرب من الشوائب التي أحاطت بها بعد 11 أيلول (سبتمبر)، من خلال قصة إنسانية وتجربة أفراد وبشر حقيقيين.
وهذا ما يكشف في تقديرنا الحجم الحقيقي للضغط الأميركي المستخدم، كما يكشف مدى الاستجابة له، وهي في تقديرنا أعلى بكثير من أن تكون خضوعا لتهديد نشر على أحد المواقع الإسلامية على الانترنت.
وإذا كانت هذه هي الرسالة السياسية المركزية لدراما أبو حمدان فإن قاعدتها الفكرية والأيديولوجية إنما تنهض، كما قال كاتب النص: على الدفاع عن الإسلام، وتهدف إلى رسم صورة موضوعية، متوازنة، ومستندة إلى وثائق وشهادات مجاهدين عرب في أفغانستان، ومراجع عدة.
ولعل المتلقي العربي لو أتيح له متابعة المسلسل، كما رسمه السيناريو لتمكن من الوصول ببساطة إلى فكرة العمل الأساسية، وهي أن أفغانستان ضحية مؤامرة دولية، وإصبع الاتهام الذي يسدده المسلسل موجه إلى مشاريع الهيمنة الأميركية على المنطقة، كما هو مسدد أيضا، كما يقول ابو حمدان، إلى بعض الممارسات التي تمت في عهد الطالبان.
وبعيدا عن محاكمة دبي، وقريبا من محاكمة الذات نكرر السؤال للمرة الألف: لماذا نجد أن كامل العملية الفنية في الطريق إلى كابل تكاد تكون أردنية خالصة: تأليفا وإخراجا وتمثيلا وفنيين وأماكن، وبالطبع عدا الإنتاج؟ ولماذا لا يقدم الأردن على إنتاج مثل هذه الأعمال الكبيرة.. بعيدا عن التباسات الآخرين وحساباتهم؟
السؤال بالطبع برسم من لا يهمه الأمر.. فليس لفن الدراما من يهتم به!


nazihabunidal@hotmail.com