التجريب فـي السينما المعاصرة.. رؤى وجماليات - بقلم ناجح حسن

التجريب فـي السينما المعاصرة.. رؤى وجماليات - بقلم ناجح حسن

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 24-3-2006
No Image
التجريب فـي السينما المعاصرة.. رؤى وجماليات - بقلم ناجح حسن

لاحت مؤخرا في المشهد السينمائي العالمي عدة تيارات ومدارس فنية وتعبيرية استطاعت أن تفرض أشكالها المتعددة في أكثر من نوع سينمائي، ومن دون تمييز بين سينمات العالم فقد اخذ تأثير الصور وإشاراتها يلتصق بأسلوبية المخرج السردية وينعكس على مصائر شخصيات تدور أحداثها في حلقات الإبداع التي تملي على صانعيها الاتجاه التجريبي، سواء كان ذلك في سياق نزعة تنتمي إلى الأفلام السايكوباتية لسلوكيات أبطالها، أو تتخذ من عناصر الطبيعة والرقص والغناء والموسيقى فسحة لتنامي أحداثها داخل بيئات تنهل من الطابعين الخاص والعام، وما تفرزه من ملامح إنسانية للتجارب السينمائية الجديدة أو التي قادت إليها عبر إطلالات فيلمية في فترات زمنية ماضية.
قد يكون من الصعب حصر تلك النماذج التي تؤكد على عنصر التجريب في السينما المعاصرة، نظرا لتعدد سماتها وتنوعها أو تنافرها بين سينما فقيرة أو/ و سينما غنية ذات إبهار تقني ينجزها مخرجون لهم بصماتهم وفرادتهم الخاصة لصالح شركات كبرى تلبي ذائقة المشاهد.
وتبرز النواحي البيئية في الأفلام القادمة من ثقافات متنوعة من خلال الاهتمام بالطبيعة، كالبحر الذي يغدو أشبه بالرمز حيث تستعير منه الكاميرا مفرداتها السينمائية ولغتها الجمالية، حسب أسلوبية صانعه التي تصل عند بعضهم حد الشغف بالإيقاع البصري أو الضوئي للفيلم كحل إخراجي.
ويسلك مخرجون آخرون نهج الفيلم التسجيلي في تكنيك سينمائي مجبول بعناصر الموهبة، وخصوصية المضامين في الأفلام التي يغلب عليها الطابع التجريدي في مزيج من توثيق لمفردات البيئة، والواقع المعاش، مما جعل مثل هذا النموذج سمة تطفو على مجمل الإنتاج التجريبي النوعي.


السرد الفيلمي
وتبرز تكوينات الزوايا في التصوير واللقطات متفاوتة الأحجام، وحجم حبات المطر أو حجم الأطراف وأجزاء الوجه وفي تداخلات أعضاء الجسد البشري، وتسلسلها إلى مناطق الظل والضوء والحركة والسكون، لتغدو ملمحا عاما وأساسيا في فصول الإبداع السينمائي التجريبي.
وتؤدي الإشارات والدلالات معاني مترادفة في العلاقة بين الأصل والنموذج، فقد كانت واضحة ومعبرة في الإطار السردي الفيلمي في أكثر من عمل، وعلى وجه الخصوص تلك التي تنطوي على الحنين إلى الماضي أو استدعاء صور ومشاهد من الذاكرة بأشكال تعبيرية متباينة .
وعلى غرار تلك الأنماط، سارت أفلام سينمائية أوروبية وافريقية، وأخرى آسيوية كما في جمهوريات الاتحاد السوفييتي (سابقا)، وإيران واليابان، وأكثر ما التصق بمباديء التجريب كانت تلك الأعمال التي اسماها بعض النقاد (تيار الدوغما 95)، حيث يجري الالتزام بفنيات الكاميرا المحمولة والزوايا غير العادية التي تتطابق مع وجهة نظر المصور المغرم بجماليات المشهد الفقير داخل أماكن التصوير، ومن دون الاستعانة بديكورات أو إكسسوارات أو استخدام لعنصر الإضاءة، ولعل أكثر ما يتبدى تأثير هذا التيار في الفيلم السلوفيني «العشاء الأخير»، وفيه يشير صانعه إلى الأب كرمز للسلطة، وليس بالمفهوم العائلي السائد بما يذكر بتلك الميلودراميات الصارخة مع ما تضيفه من إشعاع فني وفكري جريء بنظريته المستمدة ركيزتها من الإحساس الديني الطاغي داخل مفارقات ودعابات تصل إلى حدود السوداوية لدى ملامستها إلى موضوع التحرر، والانعتاق من قيد التعاليم الدارجة في الأسرة مما يترك آثارا واضحة على سلوكياتهم، وذواتهم، وينعكس هذا على الخطاب الإنساني، حيث يبدو المغزى الثيوقراطي واضحا في الفيلم الذي يأتي على هيئة فيلم داخل فيلم من خلال رغبة اثنين من المجانين في صنع فيلم عبر لقائهم المفاجيء مع امرأة متشردة تنوي الانتحار، ويقترحان عليها تصوير عملية إقدامها على الانتحار مقابل تمكينها من الطريقة التي ستنفذ من خلالها عملية الانتحار.

الجماليات البصرية
يبدأ فيلم «العشاء الأخير» في صورته النهائية وكأنه احد أفلام الهواة، فالعمل الذي أخرجه فوجك انزلجيك بأسلوبية كاميرا الفيديو الرقمية جاعلا من مفردات العمل مطابقة تماما لموضوعه الرئيسي يدور حول محاولات هاويين لصنع فيلم تبدو فيه بوضوح إمكانياتهما البسيطة والفقيرة، حيث ابتعد الفيلم بصورته النهائية عن الغرق في الجماليات البصرية أو المؤثرات التكنولوجية الابهارية.
وفي الاتجاه نفسه يأتي الفيلم الهندي «دي جافو» واسمه يعني «رجل المنارة»، وكأنه غريب عن أنماط السينما الهندية المعهودة، فالأحداث تبدو سوداوية ومعتمة تنهل من خصوصية حياة بطليه اللذين يقع احدهما فريسة أطماع ورغبات زميله الآخر، ويبدو كل منهما في عالم من العزلة، والوحدة والانطواء، يحيط بهما البحر من جميع الجهات، وعندما تسنح الفرصة لهما بالانعتاق، يكون قارب اشبه بالقبر وسيلتهما للنجاة وكانه يودي بهما الى الحياة الأبدية.
والواضح ان المخرج الهندي بايغو فيسونات أراد أن يحيد الزمان والمكان، وكأنه لا يبغي أن يعطي جنسية لعمله، اذ يغرق البعد التراجيدي للأحداث الدرامية بين ثنايا تجريد الصورة والألوان الصارخة للأجواء التي تدور فيها الأحداث تعبيرا عن القتامة وانسداد الافق أمام مصائر البطلين.
وفي السينما الهولندية، يجيء فيلم «الغفران لي» للمخرج سيرس وورش كواحد من أكثر الأفلام التجريبية غرابة وحضورا، عبر ملامسته موضوعا بسيطا بجرأة غير مسبوقة عندما يستحضر شخصيات ونماذج إنسانية لأفراد يلتقطهم المخرج من الشارع بغية عمل فيلم سينمائي من النوع التسجيلي، ويأخذ مداه بعيدا في استعراض الظروف التي أدت الى تشردهم وغرقهم في تناول الكحول وتعاطي المخدرات، وممارسة أشكال العنف، وكل ما هو خارج عن القانون، وهو ما حدا بالمخرج الى الاقتراب من الفيلم التسجيلي او سينما الحقيقة، فقد ظهر الفيلم متفجرا بإزاحة ألوان الزيف والخداع والبهرجة اللونية الفاقعة عن مضامين السينما الروائية، ويرد الاعتبار الى مقوماتها وإمكانياتها الزاخرة ويضعها في تماه مبتكر وخلاق مع أسلوبية السينما التسجيلية.

اللغة السينمائية
وينتمي الفيلم اليوناني «مدينة مؤقتة» الى نوع آخر من التجريب والابتكار في اللغة السينمائية، اذ يغادر بطل الفيلم بلدته التي تقع في إحدى الجزر اليونانية الصغيرة وكان زارها بعد غياب في رحلة استعاد فيها ذكريات الطفولة، والتقى مع والدته حيث شاهد قوارب الشرطة وهي محملة بالعشرات من المهجرين غير الشرعيين.
ولئن كان الفيلم يطرح موضوع الهجرة كقضية رئيسية ببساطة متناهية، فانه يركز على اللقطات والتكوينات البصرية المليئة بأجواء البحر والطبيعة المفعمة بالظل والنور وكانما المشاهد في معرض للوحات تشكيلية لرسام يغرف من بيئة الجزر وجماليات الطبيعة. وتلعب حركة الممثلين وقطع الإكسسوارات في الفيلم جماليات إضافية تمزج بين سطح اللوحة والشاشة البيضاء، كتجربة تراسلية بين الكاميرا والقلم او الريشة .
وعلى النسق نفسه في عالم التجريب البصري، ثمة أفلام عديدة تتابع إيقاعها من داخل الصور والعلاقات والتأمل، عبر إضفاء المزيد من المكونات الأساسية للطيف البصري المصحوب باشتغالات على الظل والضوء في إمكانيات تقنية تتبع أنواع التصعيد الجواني، والوضوح البصري، الذي درجت عليه الأفلام الأوروبية في سنواتها الأخيرة وتلقفتها أفلام هوليود حديثا، مثلما عبر عنه فيلم «كراش» الحائز على غالبية جوائز الاوسكار لهذا العام، في مفاجأة غير متوقعة قلما كانت هوليود تنظر الى هذا النوع من الأفلام أو تمنحها جوائزها الرفيعة، مما عده النقاد تحولا ربما يحفز الكثير من صناع الأفلام على انتهاج سبيله، فالفيلم تجري أحداثه بين يوم وليلة، بحيث يجعل مخرجه بول هاجيز، المشاهد في حيرة من التعاطف أو الإدانة، لشخوصه العديدين في محور أحداثه العاصفة التي تبدأ بالكشف عن جريمة قتل على الطريق .. وبأسلوبية فنية، يأخذ الفيلم في إبراز حالات من المعالجات الدرامية التي تتكيء على مونتاج وإيقاع درامي وبصري للتعامل مع المعاناة النفسية، والنماذج الإنسانية التي تجد نفسها بمحض الصدفة في الزمان أو / و المكان الخطأ.
وقبل ذلك، كان هذا التوجه في الاستفادة من عناصر التجريب حاضرا في الفيلم الكندي الناطق بالفرنسية المعنون «الغزوات البربرية» الى جانب الفيلم الألماني «اجري لولا .. اجري» والفيلم الأسباني «الهمج» الذي ينتمي الى نوعية الأفلام النفسية، وقس على ذلك الكثير من أفلام الموجة الجديدة في السينما الكورية، وسواها من أفلام السينما آلاتية من تيارات ومدارس أميركا اللاتينية والقارة السوداء. 

* ناقد سينمائي اردني

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }