من المؤكد ان نقد الحضارة الغربية الحديثة، هو ضرورة، لكن لا يمكن نقدها بشكل واع ومسؤول إلا إذا استوعبناها وعرفنا كيف تشكلت لأول مرة وبناء على أية اسس فكرية وفلسفية. ولهذا السبب فإن الوقوف عند عنصر التنوير الأوروبي الذي حصل قبل مائتي سنة، والذي شكل كل هذه الحضارة جعل أوروبا تتمايز على كل الثقافات البشرية الأخرى. فالتنوير الأوروبي كان يهدف إلى إصلاح كل شيء: من السياسة إلى الدين، إلى الأخلاق الإجتماعية، إلى الإقتصاد والزراعة عن طريق تطوير العلم والتكنولوجيا. لقد دعي القرن الثامن عشر بعصر التنوير لأن القرون السابقة له كانت محرومة من النور فعلا. بالطبع لا يمكن القول بأن ديكارت الذي عاش في القرن السابع عشر لم يكن مستنيرا ! كذلك الأمر في ما يخص غاليليو، وسبينوزا، ولايبنتز، ومالبرانش، وعشرات غيرهم، لكنهم عاشوا في عصر غير مستنير. إن القرن الثامن عشر هو أول عصر في التاريخ يبلور لنفسه برنامج عمل واضح المعالم من خلال كتابات الفلاسفة ومعاركهم الفكرية. ومصطلح التنوير يعود إلى هذا العصر خصوصا.
ويبدو أن ديكارت ( 1596-1650) كان أول من استخدم مصطلح التنوير (أو النور) بالمعنى الحديث المفصول عن المعنى الديني، فهو يتحدث مثلا عن النور الطبيعي، الذي يقصد به مجمل الحقائق التي يتوصل اليها الإنسان عن طريق استخدام العقل فقط. ولكن ديكارت، لا يستخدم هذا المصطلح كسلاح ضد الدين أو بالأحرى ضد رجال الدين كما سيفعل في ما بعد فولتير أو ديدرو. إنما استخدمه ضمن سياق الإحترام الكامل للقيم الدينية. يقول مثلا في كتابه : مبادىء الفلسفية : إن ملكة المعرفةالتي وهبنا الله اياها والتي ندعوها بالنور الطبيعي لا تلحظ أبدا أي شيء إلا وهو صحيح في ما تلحظه. وجاء بعده لايبنتز ( 1646-1716)، لكي يستعيد الفكرة نفسها ويقول : «إن العقل هو سلسلة الحقائق التي نعرفها بواسطة النور الطبيعي (أو الضوء الطبيعي) الذي وهبنا الله اياه»، ثم يجيء المفكر البروتستانتي بيير بايل (1647-1706)، لكي يغلب، ولأول مرة في تاريخ الفكر، النور الطبيعي علي النور فوق الطبيعي، دون أن ينكر الثاني. وهذا العمل يعتبر خطوة جديدة في إتجاه التحرر من اللاهوت الديني والتوصل الى العقلنة الكاملة لاحقا.
وملخص كلام «بايل» هو أن الله نفسه لا يمكن أن نتوصل الى فهمه أو الإيمان به، إلا إذا كنا نمتلك مسبقا النور الطبيعي للعقل. وبالتالي فالعقل هو الأول، ولكن بايل لم يتجرأ على الذهاب إلى أبعد من ذلك لكي يفصل كليا بين النور الفوقي / ونور العقل، لأن ذلك كان يشكل ما ندعوه بالمستحيل التفكير فيه بالنسبة لزمنه ولكنه سيصبح ممكنا التفكير فيه في زمن فولتير وديدرو. فالعقل البشري لم يتحرر من اللاهوت الديني المسيحي دفعة واحدة، وانما على دفعات وتشهد على ذلك بشكل ساطع، تجربة الفكر الأوروبي التي تم استعراضها في الندوة ومناقشتها. والواقع أن كلمة «الأنوار» بالجمع، راحت تزاحم كلمة النور (بالمفرد)، بل وتحل محلها في أحيان كثيرة وهكذا غدا الحديث عن عصر الأنوار، أو فلسفة الأنوار الطبيعية للعقل.
مهما يكن من أمر، فإن مصطلح التنوير راح يتخلص تدريجيا من الهالة الدينية المسيحية لكي يدل على عصر بأسره : هو عصر التحرر العقلي والفكري في القرن الثامن عشر. وعندئذ راح يتخذ شكل المشروع الفكري والنضالي الذي يريد تخليص البشرية الأوروبية وغير الأوروبية من ظلمات العصور الوسطى وهيمنة رجال الكنيسة.
سؤال النهضة
والسؤال الجديد الذي حاولت مناقشته الندوة هو : لماذا تأخرت مجتمعاتنا وتقدمت غيرها ؟ لا أعتقد أن مثقفينا قد أجابوا عن هذا السؤال المهم، والسبب هو أنه لكي نجيب عنه، ينبغي أن نعرف سبب تقدم الآخر، وتأخر الذات في آن معا وفي كلتا الحالتين لم تنجح مهمة الفكر العربي حتى الآن، على الرغم من بعض المحاولات الجادة والمخلصة هنا أو هناك. وربما سبب الفشل يعود إلى عدم الجرأة في الذهاب إلى أعماق الأشياء. مهما يكن من أمر فإن استعراض الندوة لتاريخ التنوير الأوروبي كان ضروريا لفهم سر تقدم الآخرين وتفوقهم، وكيف تحمل المفكرون مسؤولياتهم في لحظة ما من لحظات التاريخ تجاه اممهم، وكيف نجحوا في تشخيص عللها وأمراضها فلم تكن حالة الأمة الألمانية مثلا أقل سوءا من حالتنا بعد انتهاء حرب الثلاثين عام (1618-1648)، ومع ذلك فإن الفكر العقلاني أو التنويري انبثق على أثر تلك الحرب أو قل نهض على انقاضها. فالشعوب لا تنهض للأسف إلا بعد أن تدفع الثمن. وكذلك الأفراد أيضا، فالإنسان لا يتحرك على ما يبدو إلا بعد أن تصل النار الى باب بيته. عندئذ يأخذ في طرح الأسئلة : لماذا حصل ما حصل ؟ لماذا مزق الكاثوليكيون والبروتستانتيون بعضهم البعض إربا إربا وهم ينتمون الى دين واحد، وكتاب واحد ولغة واحدة ؟ وهل هناك من طريقة أخرى لفهم الدين غير هذه الطريقة التقليدية المتعصبة التي أدت الى الكارثة ؟
انبثق التنوير من تلك اللحظة كحركة تاريخية صاعدة ودخل في معركة شرسة وطويلة مع قوى الإنغلاق والتزمت اللاهوتي المسيحي، وبعد أن حسمت اوروبا تلك المعركة، مع ذاتها استطاعت ان تنطلق انطلاقة جعلتها تتفوق عل جميع شعوب الأرض بدون استثناء. صحيح ان التنوير الألماني لم يكن شعبيا في البداية وصحيح أنه اقتصر على طبقة اساتذة الجامعات، والعلماء، وكبار الموظفين في الدولة، والناس المثقفين، وصحيح أن عامة البشر ظلوا مرتبطين بالقس البروتستانتي، أو بالكاهن الكاثوليكي، وظلوا يتشربون تعاليمهما وكأنها نازلة من السماء. ولكن عن طريق تعميم المدارس، والجامعات والصحافة وانتشار المعرفة بواسطة الكتاب المطبوع على نطاق واسع راح التنوير ينتشر تدريجيا حتى وصل الى شرائح واسعة من الشعب الألماني ويمكن ان نقول الشيء ذاته عن بقية الشعوب الأوروبية.
الفلسفة والعلم
ان التنوير الألماني كان تابعا في مراحله الأولى للتنوير الفرنسي والتنوير الإنكليزي. كان تلميذا للفسلفة الديكارتية من جهة، ثم لعلم نيوتن وفلسفة جون لوك من جهة أخرى. وقد اخذ من ديكارت وضوح المنهج، والشك، والتمحيص. حيث لا يمكن فصل الفلسفة عن تقدم العلم منذ ديكارت أو كانط وحتى الآن ولذلك قال بعضهم : (لولا نيوتن لما كان كانط) وقد يقول قائل : ولكن فلاسفة القرون الوسطى من أمثال توما الاكويني وابن رشد والفارابي وسواهم كانوا عقلانيين ايضا. وقد حاولوا التوفيق بين فلسفة ارسطو والعقيدة الدينية، وهذا صحيح ولكن عقلانيتهم كانت موجهة اساسا باتجاه الحياة التأملية، وأنها أعلى وأجل شانا من الحياة الدنيوية الأرضية. كانت المعرفة الحقيقية بالنسبة لهم هي تلك المعرفة النظرية الهادفة الى فهم الحقيقة الأبدية والإلهية، وهذا لا يعني التقليل من أهميتهم وانجازاتهم التي كانت كبيرة بالنسبة لعصرهم. وغدت العقلانية بدءا من عصر التنوير تطبيقية، محسوسة، عملية، وموجهة نحو فهم الحياة الأرضية، والواقع المادي وتركيبه المجتمع. وأصبحت تهدف الى اصلاح العالم وتغييره، بل التحكم بالتاريخ عن طريق العقل البشري. وهنا يكمن الفرق بين عقلية القرون الوسطى، وعقلية الحداثة، والإنتقال من هذه الى تلك هو الذي صنع مجد أوروبا. وبما أن المجتمعات العربية لا تستطيع حتى الآن ان تحقق هذه النقلة فإنها ما تزال تتخبط في ورطتها، في مشاكلها، في مأزقها. ولكن هذا التخبط بحد ذاته دليل على أن شيئا ما يعتمل في أحشاء الداخل العربي. في صورة تخمرات وتفاعلات قد تؤدي الى الخلاص يوما ما، والى انبثاق طريق الخلاص والنجاة.
قراءة عقلانية للتنوير
لقد فهم فلاسفة التنوير في المانيا بدءا من لايبنتز وانتهاء بهيغل مرورا بماركس وكانط وفيخته وسواهم عديدين. إن إنقاذ المانيا من براثن التعصب والتطرف لم يتم الا بعد توليد قراءة عقلانية أو تنويرية لتراثهم الديني. وهذه القراءة التأويلية الجديدة ليست معادية للدين في جوهره، أي في روحانيته الصافية واخلاقيته المثالية وتعاليه، وانما هي معادية للتفسير المتعصب والظلامي للدين المسيحي. وراحوا يتهمون هذا التفسير بأنه السبب في كل مآسي المانيا وفواجعها، وذلك لأنه يؤلب الناس على بعضهم البعض ويبرر المجازر والقتل والإرهاب. وبالتالي فقد آن الآوان للتخلص منه اذا ما ارادت المانيا ألا تسقط في جحيم الحرب الأهلية مرة اخرى، واذا ما أرادت ان تلحق بركب الأمم المستنيرة التي سبقتها على طريق العلم والعقل : أي الأمة الإنكليزية، ثم الأمة الفرنسية فهل.لنا أن نتعلم من تجارب الأمم ( المانيا مثلا ) كي لا تتكرر مآسيها.
إن عصر التنوير العربي بأفكاره وقيمه ودعواته لا يمكن فهمه خارج سياق النهضة. لذا لا يمكننا الفصل بين التنوير والنهضة، فالنهضة تشكل الأساس المادي والخلفية التاريخية للتنوير ولما نسميه بعصر النهضة وثقافته عموما. فعصر النهضة العربي، وكذلك الأوروبي قبله، ليس عصر مؤسسات ومدارس فكرية متبلورة ومشاريع شبه جاهزة فقط، بل عصر شخصيات كبيرة وقوية هي في وقت واحد من نتائج الماضي ولكنها ترهص بما قادم وتحمله وتبشربه. يبقى عصر النهضة، حيث توجد نهضة، عصرا انتقاليا مانعا بالضرورة أشبه بالجسر بين ما فات وبين ما هو آت. وعصر النهضة العربي ليس استثناء من هذه القاعدة.
* ملاحظات على ندوة الجمعية الفلسفية التي عقدت في المنتدى العربي بتاريخ 12/3/2006 بعنوان «النهضة والتنوير»
** اكاديمي وباحث اردني، رئيس الجمعية الفلسفية