يجمع الروائي والكاتب البريطاني، غزير الإنتاج، بيتر آكرويد، في أعماله، بين ميزتين يفترض أنهما متعارضتان عموما: الصنعة وتعددية الأغراض. إن أسلوبه، أو بشكل أدق أساليبه، متمايزة جدا، ورغم ذلك فهي متنوعة جدا، بل كأنها تقترح وجود عدة كتاب مجتمعين فيه. كما أن مدى وإسراف كتابته يشكلان تحديا للقارىء للدخول إلى عالم واسع من الأعمال، وتتبع كم هائل من العلاقات والتواصلات والاهتمامات المتكررة. يشتهر آكرويد اليوم بأنه «سيد القصة الإنجليزية»، ويعتبر أيضا (إلى جانب مايكل هولرويد) واحدا من كتاب السيرة الأدبية البارزين في بريطانيا. وإنتاج آكرويد غزير أيضا في مجالات مراجعات الكتب والشعر والنظرية النقدية، وقد نشر ما يزيد على ثلاثين مجلدا من الشعر والنقد والدراما. مجموعته الكبيرة جدا من مراجعات الكتب والأفلام والمراجعات المسرحية والموسيقية، إلى جانب المحاضرات ومقدمات الكتب، والنثر القصير وكتابات متنوعة أخرى، تتحدث بنفسها عن الطبيعة المتنوعة لإنجازاته. ولإنصاف آكرويد، بالتالي، على المرء أن ينظر إلى الخطاب الذي ينتظم عبر هذه الأشكال المتنوعة من الكتابات. الثيمة المركزية في أعماله هي فكرة الميراث الثقافي باعتباره تراثا فاعلا ومتطورا، بالمعنى الذي دعا إليه تي. إس. إليوت في مقالته «التراث والموهبة الفردية» (وإليوت هو واحد من موضوعات آكرويد، في السيرة التي صدرت عام 1984). ومثل إليوت، يعي آكرويد بشكل خاص موقعه من هذا التراث، ولذا فإن كتابته توفر على نحو مميز نصا متشعبا ومتداخلا، غنيا وطموحا وإيحائيا حول مناطق واسعة من التاريخ الثقافي والأدبي الأنجلوفوني.
اهتم آكرويد في شبابه بكتابة الشعر أساسا، لكنه كطالب جامعي، في جامعة كامبردج في أوائل سبعينيات القرن الماضي، درب نفسه على عادة كتابة المقالات والكتيبات، التي ستصبح عادة أساسية لكاتب المراجعات المحترف الذي صار عليه لاحقا. وبالرغم من أنه كان منحازا في اعتناقه كتابة الشعر، إلا أن آكرويد استسلم لشهيته النهمة للمعرفة التحليلية والتجريب بالنثر، وهي ما وصفها بأنها «المعادل الثقافي لمرض البوليميا أو النهم الغذائي».
وكما علق الناقد جون والش: «في كامبردج، كان أسلوبه في الدراسة أن ينغمر في كل كلمة كتبت حول، أو من قبل، مؤلف يثير اهتمامه، ثم يقطر من قراءته مقالة واحدة ذات ذكاء متوقد إلى درجة أن معلميه وممتحنيه كانوا بالكاد يهضمونها، ثم يتساءلون حول مدى أمان سلطتهم». وقد عبر آكرويد عن وجهات نظره بشأن ضيق أفق وتعصب الأدب الإنجليزي المعاصر والدراسات الأدبية الإنجليزية، بشكل حاد في مجلده النقدي الأول للنقد «ملاحظات لثقافة جديدة» (1976).
أما شعر آكرويد، المجموع في أربعة مجلدات تبدأ بديوانه «آخ» (1971)، فغالبا ما تتم مقارنته بشعر جون آشبيري وجون آش، من حيث استعماله للتوازيات المتناغمة، لكنه قبل كل شيء يقارن بشعر تي. إس. إليوت من حيث مزج الأصوات والعلامات، ووعيه العميق للأعراف الأدبية والتراث الأدبي. إن قصائد آكرويد، في بنائها المركب وخلطها أنماطا متشظية من الخطاب وأجزاء سردية، خصوصا تلك القصائد في «انحرافات بورلي» (1987)، تثبت أكثر صفته المتميزة: تمويه، بل حتى تفجير، تمايزات الأجناس الأدبية - وهي صفة تستمد تعبيرها الأقوى في أعماله في مجال السيرة.
إن إعادة بناء الماضي عملية مفضلة لدى آكرويد، ويستند إليها عمله ككاتب سيرة، لكن هذا يجعل من الصعب تمييز السيرة التي يكتبها عن جهوده الروائية من عدة نواح. بتغييره النغمة والمعجم اللغوي حسب المؤلف موضع السؤال، يشكل آكرويد شخصيات كتابه الخاصة به: باوند، إليوت، ديكينز، بليك وغيرهم كثير. إنه يعطل التسلسل الخطي للسبب والنتيجة، ويضع الدفقات السردية للتاريخ الأدبي عارية كما هي، أي أنه يقوم عمليا وبشكل مؤثر ب «تخييل» السيرة. وهذه التقنية توازي إعادة كتابته لسلسلة من الأعمال الأنجلو-أميركية المعيارية في الرواية مثل «نار لندن العظيمة» (1982) وهي قطعته الأدبية الأولى، و«الضوء الأول» (1989)، أو في كتابته سيرة غير حقيقية مثل «الوصية الأخيرة لاوسكار وايلد» (1983)، و«تشاترتون» (1987). وبانتقاله بين القديم والحديث، الحضور والغياب، والبناء والتدمير، يعيد آكرويد اختراع وتكييف عمل ديكينز «دوريت الصغير»، وعمل هاردي «اثنان على برج»، وصورة ووردسورث بشأن «ذلك الولد الرائع... الذي مات في مقتبل العمر» في بحث عن صوته الخاص به، كما لو أن ذلك استجابة مباشرة للمبادىء التي تحدث عنها إليوت في «التراث والموهبة الفردية».
إن رواية آكرويد «هوكسموور» (1985)، التي فازت بجائزة وايتبريد للرواية وبجائزة الغارديان (وترشحت ضمن القائمة المصغرة لجائزة البوكر)، لا يمكن اعتبارها رواية نمطية مبكرة. إذ أن الامتداد التاريخي للسرد المزدوج فيها يتنبأ بالثيمات التي يفضلها آكرويد، «لغز التاريخ» والتعبير عن علاقة جدلية بين القديم والحديث. إن هذا الكتاب الذي يجمع بشكل غير مألوف بين الهزلي والمروع، المتعالي والقذر، يقدم منظورين تاريخيين: مهندس لندن في أوائل القرن الثامن عشر، نيكولاس داير، ومدينة الوقت الحاضر التي يعيش فيها المحقق نيكولاس هوكسموور. في الرواية، تستند شخصية داير على الشخصية التاريخية الحقيقية لنيكولاس هوكسموور، مساعد كريستوفر رين وهو نفسه مهندس عدة كنائس في لندن، بينما شخصية هوكسموور في الرواية هي شخصية محقق في أواخر القرن العشرين، حيث يقوم هذا المحقق بالتحقيق في سلسلة جرائم قتل حدثت في «إيست إند» في كنائس صممها المهندس الحقيقي هوكسموور. وبالرغم من أن الرواية يتم سردها في خط تناوبي، إلا أن حدود الحكايتين تنهار متداخلة في بعضها بعضا وتتشابك بشكل ملتبس. إن هذه الرواية تقدم نموذجا للبناء «المعماري» المعقد في أعمال آكرويد الروائية.
إن التلاعب السردي، أي المحو المستمر للحدود بين الرواية والحقيقة، هو أيضا في قلب «تشاترتون»، وهي الرواية المسؤولة أكثر من غيرها عن سمعة آكرويد كروائي ما بعد حداثي راسخ. في الرواية تأمل حول الانتحال والتزييف والتقليد، يتخذ نموذجه من العمل المأساوي للشاعر الرمزي في القرن الثامن عشر: تشاترتون. تتتبع الرواية المصائر المتداخلة لدائرة من الكتاب انغمسوا في نتائج موت الشاب. وفيها قائمة بالإشارات والإشارات الذاتية، الاستعارة والتقليد. إنها تعبر عن استكشاف آكرويد اللطيف للكتابة كشكل من أشكال مسح ما هو مكتوب وإعادة كتابته، رغم أن هذا الأداء التقني المبهرج يتكرر في سلسلة الأعمال اللاحقة في التسعينيات، مثل «بيت الدكتور دي» (1993)، و«دان لينو ومخلوق لايمهاوس» (1994). إن هذه الأعمال تعمل على تطوير ثيمة آكرويد الأخرى، المدينة نفسها، التي تحظى بتقدير خاص في كتابه الاستثنائي «لندن: السيرة» (2000).
ولد بيتر آكرويد في لندن، في الخامس من تشرين الأول عام 1949، وتخرج في كلية كلير، كامبردج، ودرس في جامعة ييل، وهناك أكمل كتابه «ملاحظات لثقافة جديدة: مقالة في الحداثة»، ونشره في عام 1976. وبعد عودته من ييل، عمل محررا أدبيا في مجلة «ذا سبيكتيتور» في لندن (1973 - 1977)، ثم مدير تحرير مشارك (1978 - 1982) وناقدا سينمائيا. وهو مراجع الكتب الرئيسي في صحيفة التايمز، ومذيع منتظم عبر الراديو. كما أنه يحمل زمالة الجمعية الملكية للأدب منذ عام 1984.
وقد حصل آكرويد على جوائز عديدة منها جائزة هاينمان عام 1984 عن كتابه «تي. إس. إليوت»، وجائزة سومرست موم عام 1984 عن «الوصية الأخيرة لاوسكار وايلد»، جائزة وايتبريد للسيرة عام 1984 عن كتابه «ت. إس. إليوت»، وجائزة الغارديان عام 1985 عن روايته «هوكسموور»، وجائزة وايتبريد للرواية عام 1985 عن روايته «هوكسموور»، وجائزة جيمس تيت للسيرة عام 1998 عن كتابه «حياة توماس مور»، وجائزة معرض ساوث بانك السنوي للأدب عام 2001 عن كتابه «لندن: السيرة»، وجائزة الكتاب البريطاني عام 2003 عن كتابه «لندن: السيرة».
عن موقع الكتاب البريطانيين المعاصرين
* كاتب ومترجم أردني (marwan_hamdan07@yahoo.com)