لقد وعد الرئيس الاميركي باراك أوباما أن يرسل مجموعة من مئة جندي أمريكي مسلح إلى أوغندا، وهي قوات قليلة تتمتع بقوة كبيرة من أجل المساعدة على إخضاع مجرم الحرب سيئ الصيت جوزيف كوني قائد المجموعة الثورية الوحشية “جيش الرب للمقاومة” وجلبه ليواجه العدالة . لقد كتب أوباما على رسالة تم تسليمها إلى قيادة الكونغرس الأمريكي “سوف تتصرف تلك القوات كمستشارين لقوات شريكة هدفها العمل على إخراج جوزيف كوني وكبار قادة جيش الرب للمقاومة من أرض المعركة وفصلهم عنها” .
عادة ما يتم انتقاد السياسة الخارجية لأوباما بسبب كونها تعتمد على ردة الفعل أو الارتجالية . لكن هذا التدخل الأخير يجسد العقيدة التي حددها في كلمته التي أعلن فيها قبوله جائزة نوبل سنة 2009 “أن الأنظمة التي تخرق القواعد يجب أن يتم مساءلتها”، إضافة إلى مساءلة قادتها والذين “أقسموا على الحماية والدفاع” . إن القوة يمكن أن تكون ضرورية من أجل تطبيق العقيدة لأن “العالم يجب أن يتذكر أنه وبكل بساطة لم تكن المؤسسات الدولية هي التي حققت الاستقرار للعالم بعد الحرب العالمية الثانية” .
إن بإمكان أوباما أن يعوّل على الأقل على بعض الدعم من الحزبين الرئيسين في الولايات المتحدة الأمريكية للمبادرة ضد كوني: لقد تم إقرار مشروع قانون يتطلب عملاً أمريكياً ضد جيش الرب للمقاومة ليصبح قانوناً في أيار 2010 وبدعم من الديمقراطيين والجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ في الولايات المتحدة الأمريكية .
إن المنطق الذي على أساسه تتم مطاردة كوني بشكل حثيث يشبه التدخل الذي قاده الناتو مؤخراً في ليبيا، وفي تلك الحالة تدخلت الولايات المتحدة مع حلفائها بموجب قرار لمجلس الأمن الدولي وبدعم أشمل بما في ذلك دعم من الجامعة العربية، من أجل الهدف الإنساني الظاهري المتمثل في منع قتل جماعي للمدنيين على أيدي القوات الموالية للعقيد معمر القذافي .
لكن عملية كوني مختلفة، فبينما كانت مهمة الضربات الجوية في ليبيا هي حماية المدنيين من هجوم وشيك، فإنه في حالة كوني فإن الهدف العملياتي الوحيد الذي تم ذكره هو إخراج كوني من أرض المعركة وذلك حتى يتسنى إحضاره لمواجهة العدالة في المحكمة الجزائية الدولية في لاهاي . لقد وجهت المحكمة الجزائية الدولية لكوني وأربعة آخرين من قادة “جيش الرب للمقاومة” في 2005 تهماً تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية .
لقد نشأ “جيش الرب للمقاومة” في شمالي أوغندا في أواخر الثمانينات وهو مسؤول عن مصرع ثلاثين ألف شخص على الأقل وتشريد مليوني شخص، وهذا الجيش له سمعة سيئة في مجال خطف الأطفال وتجنيدهم بالقوة وتقطيع أطراف ضحاياه والاغتصاب الجماعي واستعباد البنات جنسياً . لقد انقضت فترة خمس سنوات منذ أن تمت إحالة كوني و”جيش الرب للمقاومة” إلى المحكمة الجنائية الدولية من قبل أوغندا نفسها، ما يعكس حقيقة أنه لا تتوافر لأوغندا القدرات اللازمة للتعامل مع هذه الحركة الثورية .
إذاً، ما هو الأساس القانوني لما تفعله إدارة أوباما؟ إن الولايات المتحدة ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، وإضافة إلى ذلك فإن الصراع في أوغندا هو بشكل عام صراع داخلي والعملية التي تقوم بها الولايات المتحدة لا تتركز على الدفاع عن النفس سواء الفردي أو الجماعي بخلاف العمليات التي جرت مؤخراً في أفغانستان والباكستان واليمن . وبالرغم من ذلك أصّر أوباما على أن إرسال القوات الأمريكية إلى أوغندا يصب في مصلحة “الأمن الوطني والسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية” .
إن مثل هذا التصور للمصلحة الوطنية يمكن أن يعتمد فقط على القبول الكامل لعقيدة الأمم المتحدة المتعلقة “بمسؤولية الحماية” التي تم إقرارها بالإجماع من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة ،2005 وعلى هذا الأساس فإن على القوات الأجنبية حماية السكان من وحش ما، لأن أوغندا تقول إنها تفتقد إلى القدرات على عمل ذلك بنفسها . لقد قال جاسون راسل مؤسس الجمعية الخيرية للأطفال غير المرئيين “إنها ليست مسألة سياسية، إنها مسألة إنسانية” .
لكن وكما أدرك أوباما فإن مسؤولية الحماية هي أيضاً قضية أمن وطني . إن هذا الاعتراف يعكس توجهاً متزايداً في الشؤون الدولية: إن المخاوف المتعلقة بالأمن الإنساني تعمل على إطاحة ما تتم الإشارة إليه في أمريكا على أنه السياسة الواقعية التقليدية .
وفي الوقت نفسه فإن القوات الأمريكية في أوغندا تخضع لحدود قانونية ليس أقلها معاهدات جنيف التي من أهم مبادئها تحريم القتل والتعذيب والمعاملة الوحشية . لا يمكن استهداف المدنيين علماً أن مبدأ النسبة والتناسب يتطلب تجنب استخدام القوة المفرطة أثناء تعقب هدف عسكري شرعي، كما يجب أن تتم معاملة السجناء بشكل إنساني . لقد ذكر أوباما أن المستشارين سوف يستخدمون القوة فقط في حالة الدفاع عن النفس وفي الوقت نفسه من الواضح أنهم سوف يتعاونون بشكل وثيق مع القوات الأوغندية .
لكن هل عملية أوغندا التي جاءت بعد فترة قصيرة جداً من التدخل في ليبيا تنذر بقيام أمريكا بلعب دور الشرطي عندما ترى الأمم المتحدة أو المحكمة الجنائية الدولية ذلك ضرورياً؟ علماً أنهما لا تملكان قوة شرطة وتعتمدان على أعضائهما وعلى التعاون بين الدول؟ لو وضعنا بعين الاعتبار تردد أمريكا حتى الآن للانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية أو تقديم مواطنيها المتورطين بعمليات التعذيب للعدالة، فإن مثل هذا الدور سوف يكون معرضاً لانتقادات دولية ومحلية .
مهما يكن من أمر فإن مدى تعاون الولايات المتحدة مع المحكمة الجنائية الدولية قد تجاوز حتى الدور الإيجابي الذي اقترحته إدارة أوباما . لقد أصبح صناع السياسة في أمريكا يتقبلون بشكل متزايد إمكانية أن تعمل العدالة الجنائية الدولية على دعم شكل جديد من أشكال العمل على المستوى العالمي .
روتي تايتل - أستاذة في القانون
الدولي في معهد نيويورك للقانون
«بروجيكت سنديكت»