-1-
في هذا المجال (مجاز الشمس) يكتب عبدالفتاح كيليطو:
(1) تمتاز الشمس بالنور الذي تضفيه على الوجود، فتظهر الأشياء وتجلي ما هو خفي.
وكذلك الاستعارة فانها نيرة متلألئة. يقول الجرجاني: «ان شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خفايا العقل كأنها قد جسمت حتى رأتها العيون».
(2) وتمتاز الشمس أيضا بعلوها وشموخها وارتفاعها فوق الكائنات، فلا أحد يجهل مكانها ومكانتها في الوجود. ومن هذا الأصل استعارة الشمس للرجل، تصفه بالنباهة والرفعة والشرف.
(3) ثم من ميزة الشمس انها لا تبقى على حال، بل تتجدد وتطلع كل صباح بحلة جديدة. ومن حسن الحظ ان الشمس ليست مستقرة، بل متنقلة متجددة. يقول ابو تمام:
وطول مقام المرء في الحي مخلق
لديباجتيه فاغترب تتجدد
فاني رأيت الشمس زيدت محبة
الى الشمس ان ليست عليهم بسرمد
وهذا ما يجعلها مرغوبة محبوبة غير مملولة لأنها حاضرة غائبة. وغائبة حاضرة. وقريبة بعيدة. وبعيدة قريبة. كالبدر أيضا حيث قال البحتري:
كالبدر أفرط في العلو وضوؤه
للسارين جد قريب
وفي المعنى نفسه قول ابن نبانة السعدي يمدح عضد الدولة، يشبه مدحه له:
فهو كالشمس بعدها يملأ البدر
وفي قربها محاق الهلال
ومن الطريف تشبيه المتنبي للنساء بالشموس، فيقول في قصيدة يمدح بها علي بن منصور الحاجب:
بأبي الشموس الجانحات غواربا
اللابسات من الحرير جلاببا
والجانحات: المائلات. وغواربا: أي غربن في الخدور والهوادج وكأنهن شموس قد غربن.
-2-
يصف الجرجاني المجاز بانه كل كلمة أريد بها غير ما وضعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول: فهو مجاز.
ويشترط الجرجاني لهذا «ان تجري اللغة مجرى العلامات والسمات. ولا معنى للعلامة والسمة حتى يحتمل الشيء ما جعلت العلامة دليلا عليه». اما الاستعارة في الجملة، فهي ان يكون لفظ الأصل في الوضع العادي معروفا وتدل الشواهد على انه اختص به حين وضع ثم يستعمله الشاعر او غير الشاعر في غير ذلك الأصل وينقله اليه نقلا غير لازم فيكون هناك كالعارية.
ومن ذلك قول المتنبي في قصيدة يرثي بها والدة سيف الدولة:
وما التأنيث لإسم الشمس عيب
وما التذكير فخر للهلال
حيث احتج المتنبي لتفضيل المرأة على الرجل بحجة لم يسبق اليها، لأنه زعم ان الشمس مؤنثة وهي النور الذي يزعم بعض الناس أنها تنير في السماء كما تنير في الأرض. ووصف الهلال بالتذكير. وهو كثير التنقل، فيستتر ويصيبه المحاق. يجعل ذلك كالنقص له.
من ذاك تشبيه الشمس بالمرآة في قول الراجز: «والشمس كالمرآة في كف الأشل».. أراد بالتشبيه ان تقترن الهيئة المقصودة في التشبيه على وجهين: ان تقترن بغيرها من الاوصاف كالشكل واللون ونحوهما. والثاني ان تجرد هيئة الحركة حتى لا يراد غيرها.
هذا واخذ التلعفري المعنى السابق فقال:
أفدي الذي زارني في الليل مستترا
أحلى من الأمن عند الخائف الدهش
ولاحت الشمس تحكي عند مطلعها
مرآة تبر بدت في كف مرتعش
وأخذه القاضي الفاضل فقال:
والشمس من بين الارائك قد حكت
سيفا صقيلا في يد رعشاء
-3-
«والشمس تجري لمستقر لها».. وكأنه استعار للشمس أرجلا فهي مثل سائر الدواب تركض مسرعة لمستقرها. ويقال ان مستقر الشمس وراء الأفق، حيث تغرب. واذا كانت الشمس تغرب هناك، فإنها تشرق هنا. وهكذا حيث تشرق هناك تغرب هنا أو في مكان آخر. وتلك ميزة الشمس كما قلنا - انها لا تستقر في موضع معين، تجري وتغير مكانها على مدار الساعة. وهذا ما يجعلنا - كأننا في كل شروق جديد نراها أول مرة. وكأننا في كل غروب نفقدها لآخر مرة، بينا هي في حركتها الانتقالية هذه تحرر نفسها من الجمود وتفي بحاجة جميع الناس اليها وفي العالم كله. فهي عزيزة مكرمة حتى ان الله سبحانه أقسم ب «الشمس وضحاها» وجعل للشمس سورة باسمها. وفي الديانات القديمة - كان ثمة «إله الشمس» وكانت الشمس رمز النور والاشراق والتجدد المستمر وكأنها في حالة العنقاء تحترق في الظلمة ثم تعاود الانبعاث في الصباح من جديد. وفي الشعر العربي القديم كانت الشمس دائما محل اعجاز وتقدير عبر المجاز والاستعارة والتشبيه او اية صورة بيانية. ونقدم مزيدا من استخدامات الشمس في الشعر وفي الصور مما ذكرنا:
قال الشاعر محمد بن حمير الهمذاني اليمني يشبه صاحبته بالشمس:
هي الشمس لكن بالهلال تطوقت
هي البانة الملدا عذبية اللما
فالشاعر فضلا عن انه جعلها الشمس. جعلها شبيهة بالحمامة المطوقة. وطوقها هنا:
الهلال. كما ان تشبيهه هنا قريب من قوله في القصيدة نفسها:
أحب شموسا قد تقلدن انجما
وأرسلن فينانا من الشعر مظلما
ولعل تشبيه الشاعر النساء المحبوبات بالشموس، مزينات بالنجوم والأهلة، بما في الشمس والنجوم من بعد وعلو، يصدر عن لا وعي الشاعر او احساسه بان الوصول اليهن مستحيل او صعب صعوبة من يريد الوصول الى الشمس والنجوم. ومع ذلك فالشاعر يكثر من هذا المستحيل. يقول ايضا - في النازحات من النساء:
ومن العقائل في حدوج مطيهم
شمس يقبل نعلها بدر السما
ومنيرة الخدين أظلم شعرها
والحسن يقتل ان أنار وأظلما
ومن هذا القبيل قول ابن العميد وقد قام على رأس غلام جميل يظلله من الشمس.
وقيل الشعر لغيره:
لما رأيت الشمس بارزة
سترت عين الشمس بالخمس
ثم استعنت على التي اختلست
مني الفؤاد بآية الكرسي
ثم قوله:
قامت تظلني من الشمس
نفس أعز علي من نفسي
قامت تظلني ومن عجب
شمس تظلني من الشمس
وكتب المتنبي في قصيدة يمدح المغيث العجلي، يصف أعرابية:
هام الفؤاد بأعرابية سكنت
بيتا من القلب لم تمدد له طنبا
كأنها الشمس يعيي كف قابضه
شعاعها ويراه الطرف مقتربا
قال الجرجاني: ان الغرض من كل ذلك هو انهم جعلوا جل غرضهم ان يصيبوا لها شبها في كونها قريبة بعيدة. اما حديث الحسن فداخل في القصد على الحد الذي مضى وهو القياس ايضا في قول العباس بن الاحنف حيث قال:
نعمة كالشمس لما طلعت
بثت الاشراق في كل بلد
وقد اخذ معناه البحتري فقال:
عطاء كضوء الشمس عم فمغرب
يكون سواد وفي سناه ومشرق
ومن ذاك ايضا قول البحتري يمدح المتوكل:
طلعت لهم وقت الشروق فعاينوا
سنا الشمس من افق ووجهك من افق
وما عاينوا شمسين قبلهما التقى
ضياؤهما وفقا من الغرب والشر ق
قال الجرجاني: إن القصد ان يخرج السامعين الى التعجب لرؤية ما لم يروه قط:
تصور شمس ثانية طلعت من حيث تغرب الشمس فالتقتا وفقا، وصار غرب الشمس القديمة ، هذه الشمس المتجددة شرقا.
وقال العباس من الاحنف معزيا نفسه باستحالة الوصول الى من يريدها كاستحالة الصعود الى الشمس:
هي الشمس مسكنها في السماء
فعز الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع اليها الصعود
ولن تستطيع اليك النزولا
ومثله قول الآخر (محمد بن ابي عيينة):
فقلت لاصحابي هي الشمس ضوؤها
قريب ولكن في تناولها بعد
وقيل ان كافورا بنى دارا وتحول اليها، وطلب من المتنبي ان يذكرها، فقال:
حل في منبت الرياحين منها
منبت المكرمات والالاء
يفضح الشمس كلما ذرت الشمس
بشمس منيرة سوداء
قال ابن جني في «الفسر» يعني كافورا، وكان المتنبي يقول انه هزأ به في هذا البيت.
وقال التبريزي في «الموضح»: يقال ذرت الشمس. وذلك في اول طلوعها . وكان يقال ايضا، إن المتنبي هزأ بكافور في هذا البيت.
وقال المتنبي ايضا وهو يودع عضد الدولة:
اتتركني وعين الشمس نعلي
فتقطع مشيتي فيها الشراكا
قال ابن سيدة: لكوني من حاشيتك، شرفت وعظمت حتى عدت كأن الشمس نعلي. فإذا فارقتك، كنت كمن مشى بهذا النعل. فانقطع شراكها فسقطت . فكان اختلال جزئها سببا لعدم كلها.
ومن الصور الفنية التي تدخل الشمس في تشكيلها ، قول الشاعر يصف:
ذات حسن لو استزادت من الحسن
اليه لما اصابت مزيدا
فهي الشمس بهجة والقضيب اللدن
قدا والريح طرفا وجيدا
فهنا اجتمعت لها ثلاث صور: (!) صورة الشمس التي تجسد اشراقها وحسن بياضها.(2) صورة القضيب اللدن: طولا ولينا. (3) صورة الريم التي تصور عينيها وجيدها.
ومثال هذا قول الشاعر:
فردت علينا الشمس والليل راغم
بشمس لها من جانب الخدر تلمع
نضا ضوؤها صبغ الدجنة فانطوى
لبهجتها ثوب السماء المجزع
فوالله ما ادري أأحلام نائم
ألمت بنا ام كان في الركب يوشع
قال الدكتور كامل حسن البصير: هذه «ظاهرة كونية افرط الخيال في رسمها، فإذا شمس النهار التي غابت تعود ادراجها الى السماء. وهذا اللون من الرسم يأخذ سبيله الى الاقناع الفني بواسطة تصوير الحبيبة في التواصل شمسا اطلت من جانب االخدر».
ومن هذا قول المعري يمدح:
انت كالشمس في الضياء وان
جاوزت كيوان في علو المكان
وكيوان: اسم زحل. وصورة الشمس هنا مقيدة المساحة كما. اما صورة الذبياني في قوله:
فأنك شمس والملوح كواكب
اذا طلعت لم يبد منهن كوكب
فصورة الشمس غير مقيدة المساحة كما، بل مطلقة تجسد صفات هذا الكوكب (الشمس) عظمة ورفعة وضياء وخيرا وسلطانا... «البصير».
ومثل هذا الادعاء، ادعاء بشار بن برد، في قوله:
بعثت بذكرها شعري
وقدمت الهوى شركا
فلما شاقها قولي
وشب الحب فاحتنكا
اتتني الشمس زائرة
ولم تك تبرح الفلكا
ومثل هذا الادعاء اشجع السلمي - وهو يرثي الرشيد، قال:
غربت بالمشرق الشمس
فقل للعين تدمع
ما رأينا قط شمسا
غربت من حيث تطلع
واخيرا فإن الشاعر اليوناني نيكول كازانتزاكيس (1883 - 1957) يقول تحت عنوان «الاوديسة الجديدة»: «ايتها الشمس. ايتها الشرقية العظيمة. ايتها القلنسوة الذهبية على رأسي. يروق لي ان ارتديك ماثلة. فقد تقت ان الهو، طالما كنا على قيد الحياة. انا وانت يسعد قلبانا ونفرح». «ايتها الشمس . ايتها الشمس العظيمة. يا من تمرين في عليائك.
وتنظرين الى ما يدور في الدنيا الخفيضة تحتك» . «خبريني بكل ما رأيت على الارض ، وبكل ما سمعت، وانا سأحملها الى البوتقة التي في اعماقي». «رويدا رويدا بالملاطفات واللعب والضحك، يصير الحجر والماء والنار والتراب. تصير كلها روحا، وتتحرر النفس الثقيلة ذات الاجنحة الطينية، تتحرر من جسدها، وتصعد مثل نار رائعة لتتحد بالشمس وتذوي».
* ناقد عراقي
المصادر
(1) كيليطو: الادب والغرابة، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1983، ص61 .
(2) الجرجاني، اسرار البلاغة.
(3) ابن جني، الفسر في شرح ديوان المتنبي.
(4) التبريزي، الموضع في شرح ديوان المتنبي.
(5) ابن سيدة، شرح المشكل من شعر المتنبي، ص 331 .
(6) د. كامل حسن البصير، بناء الصورة الفنية في البيان العربي، المجمع العلمي العراقي، بغداد، 1987 .
(7) مقدمة القصيدة عند محمد بن حمير الهمذائي، محمد احمد العامري، مجلة «المورد» بغداد ع3/2005، ص33 .
(8) د. نعيم عطية ، الشعر اليوناني المعاصر، مصر ، 1970، ص 53 - 55 .