أرق الشوارد: التراث النقدي في رؤاه المعاصرة .. بقلم : د. هدى ابو غنيمة

أرق الشوارد: التراث النقدي في رؤاه المعاصرة .. بقلم : د. هدى ابو غنيمة

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 10-3-2006
No Image
أرق الشوارد: التراث النقدي في رؤاه المعاصرة .. بقلم : د. هدى ابو غنيمة

لعل قول المتنبي: أنام ملء عيوني عن شواردها ويسهر القوم جراها ويختصموا»
هو ابلغ تعبير عن وعي المتنبي النقدي للنقد بمعناه الواسع، وهو الجدل، والجدل لا يكون الا حيث التعارض بين الانساق بين الرؤى النقدية، وبين المرجعيات الفكرية المختلفة، وكأن المتنبي رأى في ثقافة عصره التي امتزجت فيها الفلسفة، بالتصوف، بالادب، ان الحكم النقدي يتطور تبعا لثقافة الناقد وتجربته، وهو ليس علما نظريا حسب، ولا تذوقا ذاتيا انطباعيا، بل ارق مستمر في كونه عملا تثقيفيا تنويريا، وهو العمل الذي يضطلع به النقد المعاصر في مجتمعاتنا العربية كما اضطلع به النقد القديم، ويهدف الى اشاعة الروح النقدية في مختلف مستويات الفكر والممارسة الاجتماعية. لان دينامية التطور ترتكز على تفعيل الموقف النقدي باقصى طاقته في مجالات السياسة والاجتماع والثقافة في زمن تعيش فيه الامة ازمة حضارية تتمثل في كونها تتلقى« وتتأثر ولا تؤثر، وتبحث عن ذاتها المستلبة في ذوات الاخرين، وتنطلق من نظريات نبتت في بيئة مختلفة عن بيئتها وتجربتها.

ان من اهم العوامل المؤثرة في ازمتنا الحضارية غياب روح النقد عن مناحي حياتنا كافة، وتبنينا لايديولوجيات ونظريات جاهزة وتطبيق مناهج بحث دون ان نكلف انفسنا عناء نقدها واخضاعها للتحليل سواء أكانت هذه النظريات مستمدة من تراثنا او مستوردة من ثقافات اخرى، ولذلك اسباب عديدة اهمها:
اولا: غياب الديمقراطية عن مجتمعاتنا وهيمنة ثقافة السياسة لعزل الثقافة الجذرية الثائرة والمتطلعة الى التحرر والنهضة.
ثانيا: ارتباط نقد التراث بالقداسة في اذهاننا واعتبار ما قاله السلف غير قابل للنقد والبحث، وذلك لتداخل الديني بالدنيوي في تراثنا الادبي.
ثالثا: اضطراب الوعي بممفهوم الحداثة ما اورثتنا انقطاعا معرفيا عن التواصل مع التراث نتيجة الصدمة الحضارية الناتجة عن التحولات المذهلة التي شهدها القرن الماضي.
رابعا: هيمنة ثقافة الصورة في عصر العولمة والسيولة المعرفية الهائلة، التي لم تترك مجالا للاختبار والنقد.
خامسا: عزلة الادب عن الحياة اليومية بسبب الواقع الاقتصادي، والاجتماعي الصعب الذي يعيشه الانسان العربي.
اننا ونحن نتحاور اليوم حول هوية الخطاب النقدي لا بد ان نضع نصب اعيننا ان الانجاز الحضاري الذي حققته الحضارة العربية الاسلامية قد ارتكز على النقد، فقد استفاد الاوائل من الفكر اليوناني ولم يكونوا ناقليب فكر بقدر ما كانوا ناقدين شرحوا ذلك الفكر واخضعوه للنقد فاضافوا الى المعرفة الانسانية فكرا يجمع بين ثقافات متعددة ويبلور هويته بالاضافة الي انجازات الاخرين من منظور الخصوصية الحضارية، وهو ما نحن بحاجة ماسة اليه ونحن نقرأ تراث نقادنا بعيدا عن النظر الى ذلكم التراث كنظريات مجردة معزولة عن سياقها الحضاري وعن فاعليتها في حياة الانسان العربي وحضورها في وعيه ورؤيته ولعل في اطلالتنا على الاطار النظري للتراث النقدي دعما للرأي القائل ان ما يستحق ان نفيده من ذلك التراث هو تعمق روح النقد المنهجي الذي تمثل في ايقاعه الثائر المستقل عن القوى المتسلطة على الثقافة.

الاطار النظري
ليس المقصود بالاطلالة على الاطار النظري للتراث النقدي آراء الفارادبي وابن سينا وابن خلدون، بل انها شمل ايضا من عرفوا بالنقد التطبيقي مثل الامدي، والقاضي الجرجاني، وابن الاثير.
لا نستطيع ونحن ننظر في تاريخ النقد الادبي عند العربي ان نتجاوز اضطراب المصطلح في مقولة ابي عمرو بن العلاء في مقدمة «طبقات فحول الشعراء» لابن سلام الجمحي: كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم اصح منه ، فجاء الاسلام فتشاغلت عنه العرب وتشاغلوا بالجهاد وغزو الفرس والروم ولهيت عن الشعر وروايته.
فهل كان عمرو بن العلاء يعتبر الشعر علما بدلالاته الخاخصة، ام انه النقد الذوقي الذي يعتد به عند ابن سلام وهو نقد ذوي البصر بالشعر المنصرفين اليه؟ لم يكن المقصود بمصطلح العلم ما نعرفه اليوم، بل ابن سلام نفسه ليقول ايضا: للشعر صناعة وثقافة يعرفها اهل كسائر اصناف العلم والصناعات، لهذا فان كل فهم للمصطلح بمعزل عن الشعر والثقافة العربية وسائر المصطلحات جدير ببعض الشك.
لقد تشكلت مصطلحات التراث النقدي في بيئتها وتطورت تبعا لتطور الحركة النقدية، فقد ظهر النقد عند العرب نقدا ذوقيا معبرا عن موقف كلي متكامل في النظرة الى الفن عامة، او الى الشعر خصوصا، قوامه التذوق، ولم يكن نقدا منهجيا. وكيف يمكن ان يكون نقدا منظما منهجيا في مرحلة كان فيها اكثر تراث الامة شفهيا ثم اتسعت افاق العقل العربي بفضل فلسفة اليونان واقوال المتكلمين، وتطورت العلوم المختلفة وتطور النقد ليصبح نقدا منهجيا في القرن الرابع الهجري مرتبطا بالاعتزال كما يرى د. احسان عباس اذ ولد في حضن الاعتزال وكان الذي يقوم على الاحتكام الى العقل كالمرجع الاخير في التذوق ولهذا كان الصدق في الشعر اصلح لانه مقبول لدى العقل.
لعل الصراع ضد الشعوبية وتغير الذوق العربي اثر الانفتاح على الثقافات الاخرى كان عاملا مهما في تطور النقد الى جانب دور الاعتزال اذ صدر فكر الجاحظ النقدي عن موقفه الثقافي الحضاري وهو يحاول ان يرى من الزاوية العقلية ذلك التفاوت في الشعر بين العرق العربي وغير العربي وبين البادية والحاضرة، وهذا يعني ان تطور النقد ارتبط بتطور الوعي بالذات الحضارية نتيجة الصراع، وان المجتمع العربي لا يعاني ازمة هوية كما نعانيها اليوم اذ كانت الحضارة العربية متفاعلة مع الحضارات الاخرى ومؤثرة لا متلقية. ولعل ما نحن بحاجة الى التركيز عليه ونحن ننتظر في الاطار النظري للنقد هو «ان الاحساس بالتطور والتغير هو العامل الخفي في شحذ هممهم للنقد يستوي في ذلك المع النقاد في تراثينا النقدي مثل ابن قتيبة وابن طباطبا، وقدامة، وعلى اختلاف مناهجهم، فقد تبدى هذا الاحساس بالتطور في قضية الدماء والمحدثين وهي من القضايا الكبرى التي تناولها على سبيل المثال ابن طباطبا اذ وقف موقفا معتدلا منصفا للمحدثين الى جانب تقديره لشعر القدماء كنموذج يحتذى في مرحلة صدر فيها ائمة اللغة في نظرتهم الى شعر المحدثين عن مواقف نابعة من تعصبهم الشديد للقديم بسبب اتصالهم بالقديم والحياة البدوية زمنا طويلا مما جعلهم يعيشون بعقولهم ونفوسهم في زمنهم النفسي، فلم يتمكنوا من ملاحقة المعاني المتحددة والنتاج الكثير، فرفضوها جملة وتفصيلا كذلك تناولها القاضي الجرجاني تناولا موضوعيا، اذ ذهب الى ان تعظيم انصار القديم للقديم لا يقوم على اساس منطقي سليم لان التفاوت انما يكون بمقدار ما للشاعر عن موهبة شعرية(5).
لقد نال النقد حظا غير قليل من العمق حين كان الاحساس بالتطوير يتصل بأثر فكري او فلسفي، لان ذلك الاثر الفكري كان دائما كفيلا بتنظيم الاحساس وتوجيهه في منهج متميز المعالم، فأما مجرد الاحساس وحده فإنه كان يجعل التماعات ذهنية او لمحات سريعة، ومن ابرز الامثلة على ذلك نقاد الاندلس وهي بيئة كانت في الغالب تنفر من الكلام مثلما تنفر من الفلسفة، ولا ينكر ان ابن شهيد مثلا ناقد ذكي ادرك معنى التطور في طبيعة الصناعة الشعرية واقره وان التفت كثيرا الى نماذج ثابتة القيمة، وكذلك ابن خيرة المواعيني فانه و قف عند فكرة التطور وقفة طويلة وسمى صورتها العامة باسم التدريج، وحاول تطبيقها في ميدان التربية ، ولهذا نسمعه يقول: و«التدريج مطرد حتى في النبوج وتحمل الرسالة واذا اعتبرت معنى التدريج وجدته في كل موجود من الحيوان، والنبات على رتب النمو ومع ذلك لم يستطع ان ينقل فكرته الى حيز النقد الادبي او الى دراسته للشعر»(6).
لقد ارتبط تطور النقد العربي القديم حينما دفعت النزعة العقلية والنظرة الموضوعية النقاد الى الاستقلال عن سلطة النحو وسلطة الدين وسلطة الخلافة.
وجعل النقد وسيلة تثقيفية تنويرية مستقلة، ولعل من ابرز القضايا التي تصدى لها النقد قضية الدفاع عن الشعر نتيجة الحملة الدينية الاخلاقية ضد الشعر، ومن ابرز النقاد الذين اهتموا بهذه القضية عبدالقاهر الجرجاني حيث رد على المتحاملين على الشعر ردا منطقيا منظما يقوم على دحض الحجة بالحجة كذلك الطيب بن علي الذي ادار ر سالته على الدفاع عن الشعر كقيمة معرفية وجمالية مشيرا الى دوره في التأكيد على القيم التربوية والاخلاقية وتأثيره العميق في الجماعات تأثيرا ايجابيا او سلبيا على حد سواء، وبذا فإن الشعر يمكن ان يستخدم كوسيلة فعالة في توجيه السلوك الفردي او الجماعي(7).
كذلك كان ارتباط النقد بالاثر الفكري او الادبي موجها منهجيا جعل الاثر الادبي بمستوياته المرجعية المختلفة مرجعا للنقد، لذلك رسم المتنبي خطا فاصلا في الشعر العربي وتحدى النقاد، اذ مثل شعره منتى ما بلغه عصره من عمق فكري (تجريبي او فلسفي تجريدي) فأوقع النقد في ازمة لان النقد لم يستطع ان يقيم اية علاقة بينه وبين مختلف المستويات الشعرية بعد المتنبي (قبولا او رفضا)(8). مما يدفعنا الى القول ان الاثر الادبي هو الذي يفرض على الناقد منهجه و يدعوه الى اختبار فاعلية ادواته النقدية، فالنص الشعري يحمل تجربة انسانية ذات مستويات معرفية وتجريبية وشعورية مختلفة، وبقدر تمثل الناقد لهذه التجربة يستطيع ان يقيم منهجا قوامه العقل والاحساس باستقلالية عن المقولات والنظريات المسبقة، وبقدر وعي الناقد بتراثه وبالثقافات الاخرى يستطيع ان يطور منهجه، ويضيف.
لذلك مثل نقد حازم القرطاجني اضافة مهمة الى التراث النقدي فقد عبر عن التقاء الروافد العربية واليونانية في موقف نقدي محدد المعالم في كتابه «منهاج البلغاء، وسراج الادبا» اذ قارن بين ادب اليونان وادب العرب منتهيا الى رؤية واعية بخصوصية الانا في علاقتها بالآخر قائلا:
«لو وجد.. في شعر اليونانيين ما يوجد في شعر العرب من كثير الحكم والامثال، والاستدلالات ، واختلاف ضروب الابداع في فنون الكلام لفظا ومعنى، وتبحرهم في اصناف المعاني وحسن تصرفهم في وضعها ووضع الالفاظ بإزائها، وفي احكام معانيها واقتراناتها ولطف التفاتاتهم وتتميماتهم، واستطراداتهم وحسن مآخذهم ومنازعهم، وتلاعبهم بالاقوال المخيلة كيف شاؤوا لزادوا على ما وضع من القوانين الشعرية»(9).
لقد كان حلم حازم القرطاجني بالاضافة والابتداع وتوليد الاضاءة وهو واحد من مصطلحاته فاعلا في طريقته وهو يحاور التراث السابق عليه مهتديا بهاجس الامتلاك للحلم الجليل الذي اشار اليه ابن سينا في القرن الخامس للهجرة حين اختتم تلخيص ما جاء في كتاب ارسطو «فن ا لشعر»: «هذا هو تلخيص القدر الذي وجد في هذه البلاد من كتاب علم الشعر للمعلم الاول، وقد بقي منه شطر صالح، ولا يبعد ان نجتهد نحن فنبتدع في علم الشعر المطلق وفي علم الشعر بحسب عادة هذا الزمان كلاما شديد التحصيل والتفصيل»(10).
ترى هل امتلك النقد العربي الحديث هذه الرؤية وهو يحاور الاخر والحوار يكون بين ندين؟ وهل ادرك النقاد ان تراث كل امة انما هو حلقة من حلقات «تتميم النوع الانساني» وهو ما ادركه الكندي؟ وهل يفي ان بداية الاطار النظري للنقد العربي الحديث مما قاله القدماء السابقون علينا على سبيل «تتميم ما لم يقولوا فيه قولا تاما»؟ وهل تنبع ازمة النقد العربي من اعتبار التراث البداية المطلقة او النهاية ام هي ازمة الوعي بالتراث والحداثة معا؟
ازمة الوعي النقدي
تبدو ازمة الوعي النقدي العربي ازمة مركبة اذ تعيد انتاج ازمة الوعي النقدي بالغرب لتبعية النقد العربي للاتجاهات الحديثة دون وعي بالحداثة من جهة ولغياب التواصل المعرفي الجاد بالتراث من جهة اخرى، وحلول الحذلقة وتضخيم الذات عند معظم النقاد، ناهيك عن ان النشاط الادبي في العالم العربي قد انعزل عن الجمهور بسبب غربة النقد وضياعه في المناهج النقدية الحديثة واصبح سلعة في الصحف لا تؤسس لمنهج واضح ولا تشكل تيارا او رؤية منهجية للاجناس الادبية الجديدة التي ادى ظهورها الى تبعية النقد المطلقة للاخر، حتى ولو كان الاخر يعاني من رطانة الفكر وفوضى المرجعيات والتنبيه للتصنيع الثقافي.
ولعل محاصرة الطلاب للنقاد الاكاديميين في فرنسا والمانيا احتجاجا على عزل النقد في ابراج المؤسسات الاكاديمية هو ابلغ تعبير عن ازمة النقد في المجتمعات الاوروبية التي ادت الى اتهام النقد بالتواطؤ مع السلطات الحاكمة، وهو تواطؤ دفع بالنقاد الى فصل الوظيفة الجمالية للادب عن وظيفته الاجتماعية، وقد اغتصب الناقد وظيفة القاضي والمشرع من المؤلف والجمهور في الوقت الذي انتجت فيه هذه الفترة كما هائلا من الكتابات النقدية لاضفاء مشروعية على النشاط النقدي وراحت الحركات النقدية الجديدة تتنافس على ساحة الثقافة الانجلو اميركية مثل: البنيوية، الهرمانوطيقيا، السيميوطيقية، جماليات التلقي التفكيكية، وبدا المشهد اقرب الى حالة من الفوضى، وقد تعذر ايجاد اي قدر من المرجعية المشتركة، وان برز شك شديد بين الرديكاليين في الموقف الليبرالي الذي رأوا فيه واجهة تخفي وراءها ممارسات شرسة وغير اخلاقية يؤكدها التعاون المتزايد بين المؤسسات الاكاديمية، ومراكز البحوث، والمؤسسة العسكرية في الولايات المتحدة (11).
وقد المح ادوارد سعيد الى ذلك قائلا: «ان الخبرة خدمة تسدى لا بل وتباع للسلطة المركزية في المجتمع بشكل عادي. ان المدى الذي يصل اليه الانفصال بين مؤسسة الميدان الثقافي وخبرته وبين صلاتهما الحقيقية بمؤسسة السلطة قد تجلى لي على اوضح ما يكون من خلال حديث مع صديق جامعي قديم كان يعمل في وزارة الدفاع لفترة من الزمن خلال حرب فيتنام، فوقتها كان القصف على اشده وكنت احاول بكل سذاجة ان افهم نوعية ذلك الشخص الذي كان بمقدوره ان يأمر يوميا طائرات ب 52 بالقاء القنابل على بلد اسيوي بحجة المصلحة الاميركية في الدفاع عن الحرية وايقاف المد الشيوعي، وان يقرأ احسن القصص لأن باب العالم الثقافي مفتوح على مصراعيه امام ذلك النوع الخاص من التعمية وليس من المفروض ان تتدخل الثقافة في تلك الامور التي لا تصادق المنظومة الاجتماعية على تدخلها بها.
ان النظرية الادبية - اليسار أو اليمين - قد انتصرت لاخلاق الاحترافية والنقد المعاصر في عزوفه عن الدنيا بقضها وقضيضها كرص لنص تكتنفه الشكوك والمغالطات تخلى عن جمهوره من اهالي المجتمع الحديث الذين تركوا تحت رحمة قوى السوق الحرة والشركات متعددة الجنسيات، ومضاربات الشهوات الاستهلاكية، وها نحن الان نشهد ترعرع رطانة طنانة كي تحجب بتعقيداتها المرعبة الوقائع الاجتماعية»..
هذه الازمة في النقد الغربي اعيد انتاجها في النقد العربي اذ انقسم المجال الادبي العام بين نخبة معزولة وعاجزة اجتماعيا تحصن نفسها في القيم الانسانية للعمل الفني، وبين جماهير تغذيها وتشكلها السلع التجارية الهابطة للتصنيع الثقافي، مما ادى الى اغتراب النقد العربي عن دوره التنويري التثقيفي في مرحلة اصبح فيها جوهر الخطاب الحداثي هو الثورة على الماضي والتراث، وغلب على أدب الحداثة وفنها ونقدها «السعي لتقويض التراث سواء عن طريق تغييبه او عن طريق استحضاره منفيا(13). مما ادى الى وضع رؤى التراث النقدي في موضع التقابل مع النظريات النقدية الحديثة وقراءته قراءة تخدم ا لتغيير لا تهمها الحقيقة التاريخية والعلمية بقدر ما يهمها الانحراف عنهما انحرافا متعمدا واستفزازيا. ولعل وضع التراث في موضع التقابل بحد ذاته رغم الافتنان بثقافة الاخر وانجازاته الننقدية والسعي الى تقليدها هو بحد ذاته اعتراف ضمني بان النقد اعربي في ازمة وتعبير عن احساس بالغربة والقلق والضياع ولكن رغم ما انطوت عليه قراءات التراث من اضطراب اثر صدمة الوعي بالاخر كنموذج ثقافي ارتبطت به رؤى المشروع العربي النهضوي في عصرنا الحديث، الا ان ذلك ادى الى تبلور الرؤؤى المعاصرة للتراث، هذه الرؤى التي تهدف الى قراءة المرجعية العربية قراءة ناقدة واعية على سبيل الحاجة الخلاقة لنظرية عربية.

رؤى معاصرة
لعل اخطار العولمة المتمثلة في بعثرة المرجعيات التي شكلها الفكر الانساني عبر تجارب عصور طويلة هي الدافع الاقوى لايقاظ الوعي بان الحرية بمعناها العميق هي ابداع الانسان لنفسه وتحقيق ذاته الكلية من خلال الفعل، ومع تنامي الاحساس بالخطر على الهوية احس الباحثون والمفكرون العرب باهمية الانفتاح على التراث لاكتشاف ما تنطوي عليه الذات من امكانيات لكي تقدم صورة للحياة في المستقبل تحقق تحررها من مركزية الغرب في بناء قيمي، فسيطرة ثقافة ما لا تعني سلب الثقافات الاخرى قدراتها الابداعية اذا ما بلورت هذه الثقافات استراتيجيات فعالة للحد من هذه السيطرة لا لتستمر وتبقى بل لتخرج من موقف الدفاع الى الفعل والمشاركة من منطلق الثقة بالنفس والمستقبل.
انطلاقا من هذه الرؤية هدفت القراءات المتوسطة للتراث في مستوياتها المختلفة الى القاء الضوء على مرجعية جديدة للنقد هي مرجعية حوارية توقظ الذات والموضوع في آن معا، اذ ادى الاشتباك بين الاخر والتراث في وعينا الى جعل حضورهما حضورا متبادلا على نحو تغدو معه كل قراءة للتراث قراءة للاخر، وكل قراءة للاخر قراءة للتراث في الوقت نفسه. اننا يمكن ان نتعلم من تراثنا النقدي احدى خبراته الموجبة في التعامل مع الاخر، وذلك حين تجاوز هذا التراث منطق النقل الالي، والتصديق التباعي، والاستهلاك السلبي للاستعارات المعرفية للاخر السابق عليه»(14).
لقد قامت القراءات للتراث في ضوء النقد الحديث على تفاوت مستوياتها بايقاظ الوعي بالذات وبالاخر، وبالتالي ساهمت في خلق حوار نأمل ان يولد منهجا يؤثر بقدر ما يتأثر وما كان لوعينا النقدي ان يتقدم لولا الجهود التي قام بها الباحثون امثال امين الخولي وطه ابراهيم ومحمد مندور وعبدالقادر القط واحسان عباس ومحمود السمرة وجابر عصفور ومصطذفى ناصيف، سواء أكانت قراءات بعضهم تأويلية او تقويضية او ممدافعة للاغتراب في اطار علاقات متبادلة لا سلطان فيها لطرف، وحسبنا برهانا على فاعلية القراءة الواعية للتراث ا لنقدي انها لا تتقدم الا اذا انقسم وعي القارىء على نفسه في مرحلة من مراحل القراءة واصبح وعيا مزدوجا ذاتا وموضوعا في آن معا»(15).
وهو ما أكده كمال ابو ديب قائلا: «ان التراث اللغوي العالمي النابع من فرديناند سوسير) هو جزء من التراث اللغوي العربي كما يتبلور في عمل ناقد هو عبدالقادر»، كذلك ما قاله ادونيس في الثمانينات: «قراءة النقد الفرنسي الحديث هي التي دلتني على حداثة النظر النقدي عند الجرجاني خصوصا في كل ما يتعلق بالشعرية وخاصيتها اللغوية التعبيرية». وهما رأيان يعبران عن وعي بالتراث ووعي بالاخر، ذلك الوعي الذي عبر عنه الكندي قديما: ان تراث كل أمة انما هو حلقة من حلقات تتميبم النوع الانساني»(16) فاذا كان معظم تراثنا النقدي ارقا حول شوارد الشعر فكيف يمكن ان يحضر في وعينا ونحن نقرأ الاخر الاقوى حضورا في نقد الأجناس الأدبية الحديثة مثل الرواية، والقصة القصيرة والقصيدة الحديثة ذات المنحى الدرامي؟ كيف يمكن تطوير رؤاه وفي ادبنا المعاصر تراسل اجناس؟ اذ نجد في الرواية او القصيدة او القصة القصيرة تقنيات ثقافة الصورة ونرى في القصة القصيرة صلة بالشعر من حيث وحدة الانطباع والشفافية الشعرية ونجد في الرواية تقنيات السينما وفي القصيدة تقنيات القصة.
قد تشكل هذه الاجناس الحديثة والتي هي تعبير عن التحولات الاجتماعية والحضارية تحديا كبيرا للنقد المتطلع الى تطوير رؤية حديثة للتراث النقدي العربي، لا سيما وان تراثنا النقدي تركز حول المفاضلة بين الشعر والنثر وفضائل صناعة الكتابة، ولم يعرف ادبنا القديم مثل هذه الاجناس، لكنها في جوهرها قد تكون هي الباعثة لحيوية التراث والمجددة لفاعليته، ولعلها اقوى اثرا من القراءات المعاصرة للتراث النقدي والتي هي اطار نظري بعيد عن الواقع التجريبي وقد تؤدي بالناقد الى «معايير تأويلية قد يعيها الناقد او لا يعيها، لكنت اطارها المرجعي هو هذا النموذج الاعلى المصنوع والمتخيل الذي تتحول معه العملية النقدية الى شعيرة من شعائر عبادة الاسلاف او دورة من دورات قص الأثر» (17).
ان النقد مهما بدا خلاقا فهو تمثل واعادة انتاج للنصوص المبدعة، ويستخلص قوانينه من الابداع، ولذلك فان الاجناس الادبية الحديثة توسع مجال الرؤية امام الناقد لان الاديب العربي يعبر عن تجربة ذات حضارية تنطوي على عصور متعددة وتعكس التحولات والصراعات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ويضيف للرموز التراثية دلالات جديدة لا سيما ان الشاعر الحديث او الروائي يمتلك وعيا نقديا ووعيا جماليا (وبما ان الفن اعلى اشكال تملك الواقع بحسب مقاييس الجمال فانه المؤشر الاكثر مصداقية في الدلالة على ذلك التغير في الوعي الجمالي. ان التغير الجزئي الذي اصاب الشعر العربي يتلاءم والوعي الجمالي في الفترتين العباسية والاندلسية. كما ان التغير الكلي الذي جاءت به الحداثة الشعرية العربية يتلاءم والتغير الكلي الذي اصاب الوعي الجمالي المعاصر، هذا الوعي الذي ظهرت ملامحه الاولى من الرومانتيكية العربية، ولا ادل على هذا من اتساع رقعة الفنون الادبية حيث لم يعد الشعر هو الابداع العربي الأوحد، بل اصبح احد فنون الادب الى جانب المسرحية والرواية والقصة القصيرة، وهذا يعني اتساع الحاجات الجمالية العربية دون اغفال ان للمثاقفة مع الغرب الاوروبي دورا فاعلا في ذلك، غير انها لم تكن هي الاساس فيه اذ ان الخارج لا يمكنه التأثير الفاعل في الداخل الا بحسب الضرورات والحاجات الداخلية (18).
ان ظهور هذه الاجناس ليس مفصولا عن التحولات التي اصابت المجتمع العربي عبر العصور منذ ان بدأت مكانة الكتابة والكتاب تتصاعد في المجتمع العربي لتعبر عن تحول المجتمع من مجتمع قبلي الى مجتمع مديني، واصبح الكاتب ذا مرتبة متميزة في المجتمع، كما اظهرته رسالة عبدالحميد الكاتب الى الكتاب واهل الفضائل والمروءات، فموقعهم من الملوك موقع اسماعهم التي يسمعون، وابصارهم التي بها يبصرون، وألسنتهم التي بها ينطقون، وايديهم التي بها يبطشون، مما فرض على النقد حركة تأليف اصبحت فيها صناعة الكتابة الى جانب صناعة الشعر كما في كتاب العسكري «الصناعتين: الكتابة والشعر» او «ادب الكاتب» لابن قتيبة، و«أدب الكتاب» للصولي، ثم تطورت هذه الصناعة على يدي الجاحظ لتصبح كتابة ذات موضوع تعبر عن تفاعل المجتمع العربي مع الحضارات الاخرى ووعيه بثقافاتها، واتسع افقها مع المترجمين والشراح وكتب الرحلات.
هذا الوعي الكتابي كان وعيا بوجود الآخر وتأكيدا لحضوره، والحاحا على الافادة منه في سلسلة تتميم النوع الانساني التي تحدث عنها الكندي الفيلسوف تبريرا للافادة من معارف الامم وتتميما لما لم يقولوا فيه قولا تاما، وذلك على «مجرى عادة اللسان وسنة الزمان الآخرين» (19). فاذا كانت المرجعية النقدية المهيمنة اليوم هي ثقافة الآخر، فذلك عائد الى افتقاد الوعي بالتراث وبالحداثة ولأننا نقرأ ادبنا الحديث بعيون الآخر مهملين ذاتنا الحضارية بكل تجلياتها الكامنة في هذا الادب متجاوزين ذاكرتها المتوقدة ورموزها المثقلة بمخزونها التاريخي وتجربتها الانسانية العريقة. لذا فهي ميدان تجريبي لمنظور نقدي جديد ومصطلح نقدي جديد من خلال الجدل المتحتدم بين الماضي والحاضر في الادب الجديد. فالناقد عالم منتج في مصنع النصوص وحكمه ليس نهائيا، ولا بد ان يثير قضية او يطرح سؤالا يطلب الاجابة او يحمل نصف الاجابة الباعثة لأرق الشوارد.
خاتمة
لعل سؤال الهوية المطروح يضع الناقد العربي في مواجهة مع نفسه ليواجه السؤال التالي: هل يستطيع الجمهور الذي سلبته النزعة الاستهلاكية ونموذج الآخر ذوقه الفني وفطرته النقدية الثاقبة ان يقرأ الدراسات النقدية ويتواصل معها ليستمد صواب الرؤية ووضوحها. هل تستطيع هذه الدراسات ممارسة الدور التنويوي المتمثل بالارتقاء بأذواق الناس ووعيهم النقدي؟ واعادة تواصلهم مع الانتاج الأدبي؟
لما كانت العلاقة بين الفكر واللغة علاقة وثيقة، فان اغتراب الفكر في النقد والثقافة بشكل عام قد ادى الى ترجمة نظريات الآخر ترجمة رديئة بحروف عربية، لكنها في مضمونها لا تفصح ولا تبين مما يفرض على الناقد جهدا في الاجابة عن سؤال الجاحظ؟ اواثق انت من معرفة وجوه استعمال كلمة الحق وكلمة الصواب؟
* اكاديمية اردنية


المراجع


1- د. محمد مندور، النقد المنهجي عند العرب، ص 19، ط1، دار نهضة مصر.
2- د. محمد مندور، النقد المنهجي عند العرب ومنهج البحث في الادب واللغة، مترجم عن لانسون وماييه، ص 19.
3- د. مصطفى ناصيف، النقد العربي نحو نظرية ثانية، ص9، العدد 255، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2000.
4- د.، احسان عباس، تاريخ النقد الادبي عند العرب نقد الشعر من القرن الثاني حتى القرن الثامن الهجري، ص 16 - 17، دادر الشروق، ط2، عمان 1986.
5- انظر د. احسان عباس، تاريخ النقد الادبي عند العرب، ص 18، ود. شريف علاونة، قضايا النقد الادبي والبلاغة في كتاب عيار الشعر في ضوء النقد الحديث ص 43 - 44، ط1، دار المناهج، عمان 2003، ود. محمود السمرة، القاضي الجرجاني الاديب الناقد، من ص 119 الى 126، ط2، منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت 1979.
6- د. احسان عباس، تاريخ النقد الادبي عند العرب، ص 21، 20.
7- د. زياد الزعبي، رسالتان من التراث النقدي رسالة الطيب بن علي بن عبد في الدفاع عن الشعر ورسالة ابي اسحق الصابي في الفرق بين المرسل والشاعر، ص1 الى 24، ط1، دار الكندي، اربد - الاردن 2004.
8- د. احسان عباس، تاريخ النقد الادبي عند العرب، ص 23 وص 363.
9- د. جابر عصفور، قراءة التراث النقدي، ص 120، ط1، دار سعاد الصباح، الكويت 1992.
10- المرجع السابق.
11- د. رضوى عاشور، صيادو الذاكرة، مقالات نقدية، ص 184، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغربب 2001.
12- د. ادوارد سعيد، العالم والنص والناقد، ص9، 8 ترجمة عبدالكريم محفوظ، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 2000.
13- انظر الحداثة وما بعد الحداثة، اوراق المؤتمر العلمي الخامس عام 1999 لجامعة فيلادلفيا، بحث د. محمد عبيدالله، تجربة الحداثة، ص 45، منشورات الجامعة، عمان 2000.
14- د. جابر عصفور، قراءة التراث النقدي، ص 119.
15- المرجع السابق، ص 25.
16- المرجع السابق، ص 121.
17- المرجع السابق، ص 231.
18- انظر د. سعد الدين كليب، وعي الحداثة، دراسات جمالية من الحداثة الشعرية، ص 27 - 28، منشورات اتحاد الكتاب العربب، 1997 دمشق.
19 - د. جابر عصفور، غواية التراث، ص 141، وزارة الاعلام، مجلة العربي، كتاب العربي، عدد 62، ط1، 2005.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }