هجاء الزوجات و«غزل» الرثاء .. بقلم : ماهر شرف الدين

هجاء الزوجات و«غزل» الرثاء .. بقلم : ماهر شرف الدين

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 3-3-2006
No Image
هجاء الزوجات و«غزل» الرثاء .. بقلم : ماهر شرف الدين

«لقد فشلت مرتين في الزواج: في زواجي الأول لأن زوجتي هجرتني، وفي الثاني لأنها لم تهجرني»
بيار دوريس

الزوجة الجيدة هي الزوجة الميتة، هو ذا الاستنتاج الذي سيخرج به كل باحث في شعرنا العربي عن مكانة الزوجة ونظرة الشعراء إليها. بالطبع لا نقصد بالشعراء هؤلاء الذين لم يتزوجوا، واكتفوا بلعن الزواج من خارجه، أو في أحسن الأحوال تقديم النصح الساخر للآخرين، كما فعل أبو العلاء المعري حين قال: «وإن كنت غرا بالزمان وأهله/ فتكفيك إحدى الآنسات الغرائر». لكننا نقصد أولئك الشعراء من الذين خبروا الزواج وجربوه، فكان لنسائهم ما لأعدائهم من مذمة وأوصاف قبيحة ومتوحشة سبقت في غرائبيتها الحركة السوريالية مطلع القرن المنصرم.
الزوجة الميتة هي الأفضل! نعم، ولنا في ذلك القصائد  الأمثلة العديدة التي رثى فيها الشعراء زوجاتهم اللاتي ارتفعن إلى مرتبة القداسة في موتهن: الرثاء غزل الزوجات الوحيد والممكن؟ يمكننا ادعاء ذلك، لكن علينا الاعتراف أولا بلامشروعية المطالبة بالمساواة الشعرية بين زوجة تموت وأخرى «حية».
أيضا أجد الإشارة مستحقة إلى أن هجاء الزوجات لم يكن وكالة حصرية للأدب العربي ذات يوم: الشاعر الفرنسي لافونتين صال وجال شاتما الزواج والزوجات. ناهيك بما كتبه كبير هجائي الزوجات الإيرلندي برنارد شو: «الزواج يتطلب جرعة صغيرة من الغباء، والكثير من الفضول»، وكان يمكنه أن يضيف: والمزيد من الشعر!

كامل الأوصاف!

الغول الذي كان الشاعر حميد بن ثور الهلالي (ت 650 م) يخاف منه في طفولته، وتهدده به أمه عندما يرفض النوم باكرا... هذا الغول الذي خافه الشاعر في الصغر تزوجه في الكبر على ما يبدو. فقد اكتشف شاعرنا متأخرا أن زوجته هي ذلك الغول، الذي تخاف المرآة منظره، وتحتاج الكثير من الصبر كي تستطيع استيعاب صورته المرعبة: صبر المرايا، هو ما أراد الشاعر الكناية عنه حين قال:
«لقد ظلمت مرآتها أم مالك/
بما لاقت المرآة كان محردا
أرتها بخديها غضونا كأنها/
مجر غضون الطلح ما ذقن فدفدا
وأسنان سوء شاخصات كأنها/
سوام أناس سارح قد تبددا».
لم يكتف أبو مالك في وصف خدي زوجته اليابسين، وتغضن وجهها، وتفرق أسنانها، بل أكمل الوصف إلى يديها ورجليها، فقال:
«مداخلة الأرساغ في كل إصبع/
من الرجل منها واليدين زوائد».
والحاصل أن ما نسيه هذا الشاعر من محاسن زوجته وجمال خلقتها وقدها المياس، أكمله شاعر آخر من أبناء زمانه، جران العود النميري (ت 630 م)، حين شبه شعر زوجته القصير بأذناب العقارب السوداء، فقال:
«وإن سرحته كان مثل عقارب/
تشول بأذناب قصار وترمح».
وإذا كان صحيحا أن أحدا لا يستطيع سماع هذه الأبيات دون تذكر أغنية «كامل الأوصاف»، فإن منظور بن سحيم الأسدي لم يشف غليله ما شفا غليل سابقيه من هجاء الزوجة والتشهير بقبحها، فأبى إلا أن يتم لها «محاسنها» وأوصافها، فقام إلى شعرها وحلقه!
الزوجة  الغربال

لم تكن الصفات الجسدية للزوجة هي مصدر تعاسة الشعراء الأزواج حسب، لكن صفات أخرى كالثرثرة واستراق السمع والنميمة... وقبل هذا وذاك الفجع وكبر البطن، كما كان حال أبي دلامة مع زوجته رزينة التي، على ذمة الشاعر، بسبب نهمها جاع مع أولاده:
«ما زلت أخلصها كسبي فتأكله/
دوني ودون عيالي ثم تضطجع».
المؤكد أنه لن يكون في وسع شاعر هجا نفسه كالحطيئة، إلا أن يهجو زوجته، بل وأن يمثل بها شعريا، فيصفها بالغربال في معنى عدم كتمانها السر واستراقها السمع، متمنيا لها الموت العاجل:
«تنحي فاجلسي مني بعيدا/
أراح الله منك العالمينا
أغربالا إذا استودعت سرا/
وكانونا على المتحدثينا
حياتك، ما علمت، حياة سوء/
وموتك قد يسر الصالحينا».

زوجتان في حجر!

بعد ذلك، إذا كان من المفيد بالنسبة لهؤلاء الشعراء أن يكون هجاؤهم زوجاتهم ذا نسب صريح، فإنه من الجميل أيضا أن نقرأ أشعارا في هجاء الزوجات غير منسوبة إلى أحد، أو بدقة أكثر مجهول شاعرها. خاصة إذا كان هذا الشاعر من مرتكبي حماقة الزواج من اثنتين، كهذا الأعرابي المسكين:
«تزوجت اثنتين لفرط جهلي/
بما يشقى به زوج اثنتين
فقلت أصير بينهما خروفا/
أنعم بين أكرم نعجتين
فصرت كنعجة تضحي وتمسي/
تداول بين أخبث ذئبتين
لهذي ليلة ولتلك أخرى/
عتاب دائم في الليلتين».

غزل أزواج

كان لافتا ما قام به أحد مواقع الدردشة على الإنترنت، حين طرح السؤال على الشكل التالي: هل تحلمين بالزواج من شاعر؟ وكانت ملحقات هذا السؤال بالطبع أسئلة من مثل: هل تتوقعين السعادة لزوجات الشعراء؟ هل يمكن أن تكون زوجة الشاعر ملهمته؟ هل يمكن زوجة الشاعر أن تصبح شاعرة؟ إلخ. إلخ. لكن الغالب من أجوبة زائرات الموقع جاء في صيغة النفي القاطع، والمضحك في أحيان كثيرة. موقع الكتروني آخر خصص فسحة كبيرة لما سماه «غزل أزواج»، وهو كناية عن شعر غزل خاص بالزوجات مكتوب باللهجة الخليجية. ولأنه كذلك، فإن الزائر غالبا ما يتعثر بقصائد حشرت هنا وهناك استعارت من الهجاء أقذعه، ومن الأوصاف أشدها وطأة. أحد مستخدمي هذا الموقع )يقول إنه شاعر أعزب) أرسل سؤالا عجيبا يحتاج مفتيا يقول فيه: هل يحق لنا نحن الشعراء العزاب أن نتغزل أيضا؟!

شكر لا وفاء!

نفهم من ذلك كله أن الزوجة المسكينة لا تنال «غزلها» الخاص بها إلا ساعة موتها، ولا تكون ملهمة زوجها إلا في وضعية الجثة: هكذا يكون الرثاء في كثير من الأحيان عربون شكر على الموت الذي «أنجزته»، أكثر منه عربون وفاء على الحياة التي عاشتها. بات على زوجة الشاعر لكي تضمن مقعدها في التاريخ أن تموت باكرا. هذه الحال ليست حكرا على الشعراء بالطبع، لكن الذي يتذمر عبر قصيدة يذيع صيتها غير الذي يتذمر بين سكان الحي. كان جون درايدن قد كتب ذات يوم: «هنا ترقد زوجتي، فدعها راقدة بسلام. إنها الآن في راحة، وأنا كذلك».
بات من البداهة لدى أهل هذا الزمان أن الزواج من شاعر يعني الطلاق منه لاحقا. لكن الكثير من شعراء هذه الأيام يرفض فكرة الزواج تماما، بل يغالي في رفضها. ليست الخشية فقط من مترتباته وواجباته وافتقاد الحرية فيه، لكن هربا من طلب الزوجة إهداءها قصيدة أو ديوانا يتغزل فيه بفيض محاسنها واتساق قوامها ورقة كلامها. بعض الشعراء - ولنقلها في صراحة - يخشى حتى «التغزل» بها... رثاء!
* شاعر وصحفي سوري مقيم في بيروت

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }