بيد من حديد

بيد من حديد

ان لم يُعيد الحاكم العربي بمن حوله وما حوله حساباته ، فان الكراسي سوف تهتز بشدة وتتخلخل ان لم يكن في الغد فلاشك بعد الغد. وقفت مُنبهرا امام خطاب الرئيس بشار الاسد الاخير الذي قال في بعضه (سوف نضرب بيد من حديد ) ارى ان هذا المقولة قد ذهب زمانها عند ما اكتشف المواطن العربي قوته الناعمة، وهي الوقوف في الساحات للاحتجاح و اعلان عصيانه، دون الخوف من ( اليد الحديدية) للمطالبة بالتغيير الى الحرية، فكم من لحوم البشر سوف ياكلهم الحديد اذا قرر البشر ان يقدموا على مقاومة الحديد باجسادهم. يقال في الامثال ان كل السياسة كلام، ولكن ليس كل الكلام سياسة، وهذه تنطبق على خطاب الرئيس بشار الاخير، فالكثير مما قاله ليس له علاقة بالسياسية، لا كما تدرس فقط في الجامعات، ولكن ايضا ليس لها علاقة بما يمارس في مكاتب الحكم الرشيد او قرب مكان قال فيه معاوية كما نقل لنا التاريخ لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، اين هذا من ذاك ؟.تُرى كم اظهرت الاحداث العربية الاخيرة هشاشة الحكم العربي وفساد مخلية الحاكم، الذي انهار في ايام من تونس الى مصر الى ليبيبا الى اليمن وربما الى سوريا، انها هشاشة بُنيت على عدم التفريق بين الكلام السياسي والكلام للكلام فقط. لقد بثت محطة العربية التلفزيونية ليل امس واول من امس شريطا تفلزيونيا مُمثلا – تقول المحطة – انه مبني على الحقائق التي استقتها من شهود عيان – راعني ان كان ذلك صحيحا وهو جلب المقربين للسيد بن على في تونس – لما اشتد الخطب – جلبهم لعرافة من النساء – من أجل مباركة بن علي قبل القاء خطابه الاخير.!لا اعرف كم من اولئك الحكام الذي يسمحون لانفسهم او لمقربيهم بالاستعانة بهكذا خرافات من اجل حكم مجتمعات تدخل العولمة من اوسع ابوباها في القرن الواحد والعشرين، وهل يتساءل المراقب هناك خلاف في تصرف اؤلئك الساسة في وقت الازمات غير الاستعانة بالعفاريت والجن، في الوقت الذي نعرف جميعا ان الحكم اليوم لم يعد كذلك، هو فن التوقع للمستقبل ومهارة القيادة التي تعرف ان النار قد تبدأ من مستصغر الشرر، لقد انفصلت القراءة السياسية عن مهنة العرافين وضاربي الودع ومفسري الاحلام منذ زمن طويل ، التمسك بها يدل على انفصال مخيف عن الواقع.بالعودة الى سوريا – وهي المحطة الملتهبة اليوم – لا يوجد حل لمطالب الشعب السوري في الحرية الا الوصول الى الحرية نفسها، تلك حقيقة وجب الاعتراف بها اليوم قبل الغد، لان الممانعة لها هي خيال سياسي سقيم، في ضوء المتغيرات الهائلة التي تجتاج المجتمعات العربية والتي اصبحت العدوى تنتشر من بقعة الى اخرى سريان النار في الهشيم لن يفلت منها الا اصحاب الفكر الاستباقي الذي يحلون العمل محل الكلام.لقد بدأ الشعب السوري مسيرته وسقاها بدماء عشرات الالف من الشهداء، وهي مسيرة لن تتوقف . المستقبل السوري يحتمل توجيهين، لا ثالث بينهما، اما ان يحصل الشعب السوري على مطالبه او يخسر الجميع الوطن السوري كما نعرفه، البديل الذي يتوقعه النظام بان تتراجع المطالبات تحت ضربات اليد الحديدية، هو تصور غير واقعي وبعيد عن العقل السياسي وربما حتى بعيد عن العقل الامني بمعناه الحديث.تدخل الجامعة العربية غير مجد، بل هو نفخ في قربة مقطوعة ، فلا النظام يحترم قرارات الجامعة لانه اتخذ موقفا منها مسبقا هو الاستهزاء بها ، ولا هو بوارد الانصياع الى اقتراحاتها، لقد ناور وكسب المناورة مع الجامعة العربية،وهاهم بعض المراقبين الذين ارسلتهم يخرجون من المهمة التي اوكلت لهم على اساس رفضهم ان يكونوا (شهود زور ) على المذابح التي تجري.من سقم التفكير السياسي ان كثيرون ينظروا الى ما يجري في سوريا من منظور ما حدث في اماكن اخرى من العالم العربي الذي شهدت مدنه هبات ( الربيع) وهذا المنظور محدود الخيال السياسي ايضا، فقد تاتي الاحداث والتطورات بسيناريو مختلف تمام الاختلاف عما حدث حتى الان ، لان القياس هنا لا ياخذ الظرف الموضوعي للاحدث، وارى ان السيناريو السوري قد يختلف عن كل ما عداه وقد يفاجأ الشعب السوري بمخرج لم يحدث ولا نتوقعه . لقد خرج اليمن وليبيا و مصر وتونس بالوطن دون تقسيم او تجزيئ، و لكن قد يحدث شيء اخر مختلف في القطر السوري لم نشهد له مثيل يسمى بعد ذلك ب (السيناريو السوري) وقد يكون اكثر السناريوهات الما و اعظمها تضحية.