تقول كلير هارمان، الكاتبة المحترفة لسيرة حياة «فاني بورني» و«سيلفيا تاونسند وارنر» ومحررة قصائد روبرت لويس ستيفنسون وقصصه ومقالاته: «تصبح بعض الأشياء المتعلقة بموضوع ما أقل قابلية لأن تعرف كلما تجمعت معلومات أكثر بشأنها». حياة ستيفنسون القصيرة (1850 - 1894)، المبتلاة بالمرض، أخذته من أدنبرة إلى كاليفورنيا وأخيرا إلى البحار الجنوبية، خالقة سمعة رومانسية على طول الطريق. اشتهر ستيفنسون ككاتب بارع ومؤلف الرواية الأكثر رواجا «جزيرة الكنز» و«حديقة الأشعار الطفولية»، غير أنه أحبط صديقيه الأديبين دبليو. إي. هينلي وسيدني كولفين بنتاج إبداعي جعلهما لا ينتجان أعمالهما المتوقعة.
كما أنه جافاهما أيضا بزواجه المفتون بزوجته الأمريكية المطلقة قوية الإرادة والأكبر منه سنا، فاني أوزبورن، التي تصورها هارمان بتعاطف كبير معها (وخصوصا مع احتمالية فشل حملها في وقت مبكر من علاقتهما). لا تحفر هارمان عميقا جدا في نفسية مؤلف «الدكتور جيكيل والسيد هايد».
في تحليلها لستيفنسون الكاتب، تؤكد هارمان على سعيه القلق والمتعدد وراء الفن والأدب، الذي أدى إلى العديد من البدايات الفاشلة والمسرحيات والقصص والروايات غير المكتملة. قد تتجاوز شعبية ستيفنسون كمؤلف السجل المتعلق بسيرته دائما، لكن السيرة التي كتبتها كلير هارمان وصدرت في أواخر العام الماضي (2005) حول حياة ستيفنسون الملونة بأحداث معقدة، تساعد على تضييق الفجوة.
لا تنصف أي سيرة هذا الرجل القلق والرائع والمعقد لحد الآن، وهو الذي كان صاحب العديد من الإبداعات الرائعة. إهتمامه بعلم النفس وعلم الوراثة والتقنية وقضية المرأة كان يتنبأ بمشاغل القرن التالي، بينما ألهمت تجاربه في الأساليب السردية كتابا مجددين ينتمون إلى ما بعد الحداثة مثل بورخيس ونابوكوف. وتبين الكتابات الحديثة مؤخرا عنه أنه كان أقل «فيكتورية» من الكتاب الفيكتوريين: رجل مرح، ومرن وصاحب وجهات نظر قوية وغير تقليدية. باعتمادها على هذا وعلى الكثير من المواد غير المنشورة سابقا، أنجزت هارمان، السيرة الأكثر وعيا وشمولية لحياة ستيفنسون حتى الآن: «أنا والشخص الآخر ـ حياة روبرت لويس ستيفنسون».
رغم أن روبرت لويس ستيفنسون يبقى بين أفضل الكتاب المعروفين في اللغة الإنجليزية، إلا أن إنجازاته تبدو عرضية بغرابة. لا يعني ذلك أنه لم يكن أديبا واعيا بذاته؛ إذ فور أن حمل طموح الكتابة، في مراهقته، لم يفكر بأي مهنة أخرى. لكن العملين اللذين ضمنا شهرته لم يكونا مركزيين بالنسبة إلى مفهومه الخاص حول أعماله. بدأت «جزيرة الكنز» كلعبة لتسلية ابن زوجته: رسم لخريطة كنز (لا تزال موجودة ومصورة في السيرة الجديدة الجيدة التي كتبتها كلير هارمان). القصة التي تطورت على الخريطة نشرت بشكل متسلسل في مجلة مغامرات للأطفال، ولم يفكر ستيفنسون كثيرا بشأن أهميتها إلى درجة أنه أهملها سنتين قبل أن ينشرها في كتاب، على الرغم من أنه كان بحاجة ماسة إلى المال. أما «القضية الغريبة للدكتور جيكيل والسيد هايد» فقد بنيت على حلم وتمت كتابتها في اسبوعين؛ وعندما أبدت زوجته، فاني، بعض الإعتراضات (ليس واضحا ما الذي لم يعجبها)، قام بإحراق المخطوطة وأعاد كتابتها بنفس السرعة. باعها مقابل مبلغ صغير، وعندما سافر لاحقا إلى أمريكا، دهش عندما اكتشف أنه نفسه أصبح مشهورا بسببها، إذ تدفق حوله المعجبون والصحافة في ميناء السفن. بينما روايته «الأمير أوتو» التي كافح في كتابتها بشكل لا نهائي، فشلت وظلت غير مقروءة.
ولد ستيفنسون في أدنبرة، وكان الطفل الوحيد لأبوين اسكتلنديين جريئين ومعمرين اعتقدا أنهما مصابان بمرض مزمن أو على الأقل مهددان دائما بالمرض. لويس الشاب (كما كانت العائلة تدعوه دائما، وليس «لوي» بالفرنسية) كان بالفعل ضعيفا واستمر كذلك، جاعلا صحته شغل أبويه الشاغل. كان طويلا ونحيفا بشكل مخيف، ولم يقدر أبدا أن يزيد وزنه؛ كان يسعل دما أحيانا (دخن أيضا وبتواصل سجائر ملفوفة يدويا). لكنه طبقا لطبيبين مشهورين (وبعض الباحثين الحديثين)، لم يكن في الحقيقة مصابا بالسل الذي افترض الجميع - بمن فيهم هو نفسه - أنه سيؤدي إلى موته.
أحب ستيفنسون أبويه، وهما عشقاه؛ تجنب هو كالفينية أبيه العنيفة ولكن أمكنه أن يكون منفتحا وصريحا بشكل مدهش أيضا معه. لقد بدا ستيفنسون واثقا أنه لا يمكنه أبدا أن يفقد حب أبيه - حتى وهو جمالي يتسكع مع الرسامين والمتسكعين في فرنسا، حيث ذهب إلى هناك من أجل أن تتحسن صحته. إن الاعتقاد بأن الصحة كانت تعتمد كليا تقريبا على البيئة يفسر العدد الكبير من رحلات الطبقة المتوسطة في العصر الفيكتوري. من فرنسا إلى دافوس إلى ساراناك إلى الروكيز إلى البحار الجنوبية، سعى ستيفنسون وراء الهواء والمناخ معتقدا أنهما قادران على شفائه أو التخفيف من معاناته. (كتاب السيرة الحديثون - ومن ضمنهم هارمان أحيانا - قد يأسرهم هذا المسعى فيتحدثون كما لو أنهم أيضا يعتقدون أن صحة ستيفنسون مهددة بالبرودة والرطوبة).
في مستعمرة الفنانين تلك في فرنسا، واجه ستيفنسون القوة الثالثة - بعد طفولته الاسكتلندية وصحته - والتي شكلت حياته. يقال دائما بأنه وقع في حب «فاني» من أول نظرة، وبعد لقائهما الأول، ومن المؤكد أنه كان مخلصا لها كما لو أنه كان كذلك دائما. فاني أوزبورن، التي تكبره بعشر سنوات، كانت أمريكية ولها طفلان، فتاة مراهقة والولد الذي قام ستيفنسون لاحقا برسم جزيرة الكنز من أجله. (وهناك ابن أصغر ثالث كان توفي حديثا). لكن فاني كانت متزوجة من رجل جوال ومنقب عن الفضة كانت تحاول الحصول منه على الطلاق أو الدعم أو كليهما. عندما عادت إلى كاليفورنيا لتحاول أن تحل الأمور، تبعها ستيفنسون، عابرا البلاد على قطار للمهاجرين، ثم استقر مع «فاني» والطفلين في كوخ مهجور في سيلفيرادو، وهو أول الأماكن العديدة التي سيقطنانها على مر العقود.
كان ارتباطا غريبا لكن من الواضح أنه كان ناجحا. بدا أن ستيفنسون كان في حاجة إلى صراحة فاني وكمالها؛ لم تستطع هي أن تعيش الحياة الدقيقة المزدوجة التي عاشها الرجال والنساء البريطانيون المثقفون، وهم كرهوها بسبب ذلك، واعتبروها «بدائية»، «متوحشة» أو «بائسة، سيدة بربرية وغريزية بتجرد» (هذا الوصف الهجومي الأخير أطلقه هنري جيمس). عاشت هي وستيفنسون حياة ذات ضوضاء ملأتها الثورات والضجيج؛ كان يكتب إليها رسائل يخاطبها فيها بـ «عزيزتي المرأة غريبة الأطوار»، «زميلتي العزيزة»، «عزيزتي الهولندية». كان يمكنهما أن يؤذيا بعضهما بعضا بشكل خطير خلال مشاجراتهما، لكنهما بقيا مخلصين لبعضهما كليا. رعته في مرضه؛ وهو تبنى طفليها.
اعتبرت سيرة كتبها فرانك ماكلين عام 1993 أن فاني كانت الساحرة الشريرة في حياة ستيفنسون، حيث استنزفت قدراته لخدمة غاياتها الخاصة، وكانت مروجة وقحة لأطفالها عديمي القيمة. أما حكم هارمان على فاني فهو متوازن لكنه محدد كما هو الحال في كتابها كله: «كانت فاني امرأة ثقيلة الظل وضالة ذاتيا: مخطئة: بالتأكيد؛ مجنونة: هذا محتمل - لكنها ليست سيئة».
لو كانت مهنة ستيفنسون، كما تقول هارمان، «فوضوية»، فربما أن ذلك لأنها لم تكن مكتملة بشكل جذري. عندما مات ستيفنسون في ساموا عام 1894، كان على حافة موقف جديد كليا تجاه العالم وتجاه كتابته؛ نوعيات الصراحة الوحشية التي عرفها في فاني بدأت بالظهور في حكاياته الأخيرة حول المبذرين والمحتالين في البحار الجنوبية، وهي الصراحة التي تشبه صراحة كونراد (كما لاحظ كونراد) ولكن دون طنين. ما زال غير واضح ما الذي سبب موت ستيفنسون، رغم أن هارمان جمعت في كتابها الجديد أفضل التخمينات الحديثة حول موته؛ لكن لو لم يقتله ما عانى منه وهو في الرابعة والأربعين من عمره، فإن الرف الصغير من الرومانسيات الكلاسيكية والتي تشكل إرثه قد يتم النظر إليه الآن باعتباره مقدمة فيكتورية لأعمال الوعي الحديث الرائد. بدلا من ذلك، كما تعلن هارمان أخيرا، «عندما ظهر النظام الجديد للأدب الإنجليزي في القرن الجديد، لم يكن ستيفنسون في أي مكان لتتم رؤيته. كان شعبيا، وكان كاتب رومانس، وكاتبا للأطفال، واسكتلندي». فقط بعد قرن تمت استعادته. سيرة حياته التي كتبتها كلير هارمان بشكل متعقل وذكي وذي بصيرة، هي سيرة مرضية ومؤثرة بشكل عميق.
(مصادر الترجمة: الواشنطن بوست، أمازون دوت كوم)
* كاتب ومترجم أردني