يحار المرء من أين يبدأ وكيف يهتدي إلى خيط ناظم.. خيط أريان، وهو يزمع الكتابة عن الشعرية الفلسطينية بما هي جزء لا يتجزأ من الشعرية العربية بحكم الثوابت والانتماء، وبما هي رافد رئيس أمد البحر بدافق التيار، وطمي الخصوبة والإخصاب. وليس أشق علينا من إيفاء هذه الشعرية التي هي به أجدر، والمكانة التي هي بها أليق. لأن المتن الشعري الفلسطيني يعتبر من الغنى والرحابة والاتساع ما يجعل الإحاطة الكلية به عسيرة، وفرص القول الواثقة من نفسها حوله، ضئيلة ومتهافتة.
وعلى الرغم من وعينا بهذه الصعوبة، فإننا عولنا على الخوض فيه، وبسط القول والنظر في أهم مفاصله وتمرحلاته وانعطافاته بما يؤكد ما ذهبنا إليه من كونه رافدا رئيسا في بحر الشعرية العربية الهادر، إن لم يكن في الطليعة منها والقيادة عبر مجموعة مهمة من نماذجه العليا.
فالغاية هي ملامسة الشعرية الفلسطينية كما تشكلت منذ البدايات وصولا إلى أسئلة الحداثة والتجريب راهنا والوقوف عند شاعرنا هي ملامسة ومراودة كما نكرر.. وليست تأريخا وتوثيقا واستقصاء وإحاطة. والهدف أيضا هو محاولة وصف الطريقة التي حقق بها الأدب الفلسطيني خصوصيته، وتحديدا: الشعر، «عندما نتحدث عن الأدب الفلسطيني المعاصر، فإننا في واقع الحال، نجابه بأدبين: أحدهما أنتجه كتاب يعيشون على أرض فلسطين التاريخية، والثاني أنتجه كتاب يعيشون في الشتات، ففي سنة 1948، انشطرت الثقافة الفلسطينية ذات الجذور الراسخة، وظلت الصلات المباشرة بين الكتاب العرب الذين يكتبون في فلسطين المحتلة، والكتاب الذين يكتبون في المنفى، شبه معدومة لما يقرب من عشرين سنة، غير أنه لم يكن ثمة انقطاع فعلي في التفاعل الأدبي بين الثقافتين» (1).
اتسمت الثقافة العربية داخل الأرض المحتلة بتقليديتها وتجذرها في التراث. في حين انطبعت ثقافة فلسطينيي الشتات عموما بالتجديد والتحديث لاتصالهم واحتكاكهم المباشر- بحكم الإقامة في المهاجر- بالتيارات والتجارب الأدبية الجذرية التي عرفها الأدب العربي منذ الخمسينيات أي منذ الخروج على اللغة التقليدية والبحور الخليلية، والمنظور الماضوي، والرؤى المتكلسة. فالطفرة الفنية والنقلة الجمالية التي شهدتها الشعرية الفلسطينية أسوة بالشعريات العربية، كان منطلقها تاريخيا ما بعد الريـادة الشعرية العربية في العراق ولبنان ومصر، وكان فضاؤها المهاجر وديـار الغربة أكثـر مما كان فضاؤها فلسطين، والضفة الغربية. ذلك أن «الشعر الفلسطيني وحتـى مطلع القرن العشرين، كان مقصورا على الإخوانيات والمديح المفتعل والمناسبات الاجتماعية الخاصة، وكانت تتكرر فيه الهمـوم الإنسانية، ويصدر عن فراغ نفسـي وفكري»(2).
والحق، أن هذا الوصف القاتم ينطبق-من دون تردد- على الشعر العربي قبل النهضة العربية الحديثة، ولم تكن فلسطين بدعا بين الأقطار العربية الأخرى. وتسوق الشاعرة سلمى الخضراء الجيوسي مبررا مقنعا عن سبب هذا القصور في قولها: «إن فلسطين ظلت منقطعة عن التيارات الثقافية الرئيسة التي كانت تنساب ما بين مصر ولبنان، وما بين لبنان والعراق.. ولم تكن القدس في يوم من الأيام مركزا لأي سلطة سياسية مركزية، خلافا لغيرها من العواصم العربية، ولم يكن فيها أمراء أو رعاة للفنون يساندون الشعراء والكتاب ويشجعونهم (3).
ومع أن المبرر مقنع إلى حد ما، فإننا لا نعدم وسط الضحالة الشعرية تلك بحسبان السياق التاريخي، والمعضلة السياسية التي لا تخفى، التماعات.. وفتوحات شعرية مهدت الطريق إلى شعراء الثلاثينيات والأربعينيات، آن تلامحت النصوص كأقوى ما يعبر عن شعرية فلسطينية معافاة، كانت شاهدا على أحابيل الانتداب البريطاني، والهجمة الصهيونية وسط لا مبالاة عربية، واستخذاء وتخاذل بله ومؤامرات أحكمت سيناريوهاتها في الظل وفي وهج الشمس أيضا. كما قامت بالتصدي لها محذرة من الكارثة المرتقبة وساخرة من حكام عرب يعيشون بياتهم المتواصل.
ولعل في ذكر الثالوث المؤسس لهذه الشعرية ما يسند قولنا، والثالوث-كما يتفق كل الباحثين والدارسين للشعرية الفلسطينية هم: إبراهيم طوقان-عبد الرحيم محمود-وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى). ونستقرئ عصارة مجهوداتهم في بناء شعرية فلسطينية قمينة بالاحترام والاعتبار. إن «شعر الثلاثينات يمثل الحلقة الأولى في تطور شعر المقاومة وبداية التلمس الرومانسي لمشكلة الأرض (4). فالماهدون الشعراء للثالوث، اجتهدوا في أن يكون لفلسطين صوتها الشعري المدوي، وسمتها الفني، وتاريخها الأدبي، سواء أتعلق الأمر بالشعراء على عهد العثمانيين أم بالشعراء في نار الانتداب البريطاني والزحف الصهيوني البطيء والمحسوب. دعنا من التجديد والبحث اللاهث عن التنويع والتزويق والزخرفة، فللفترة التاريخية (بدايات القرن العشرين سطوتها) ولسانها واشتراطاتها السوسيوثقافية.. ومناخاتها.
لم يكن لهذه التجارب الشعرية قوة فنية عالية وجمالية باذخة. كان الهم منصبا، أولا بأول، على الإثارة والتحريض والنضال، والتحديق في الهاوية السحيقة التي ستؤول إليها الكلمة الأخيرة بعد عقدين أو ثلاثة. لقد كان دورهم تاريخيا بل توثيقيا واكب الانتفاضات الجماهيرية، وسجل تطوراتها ضد الانتداب البريطاني، ثم ضد حركة الاستيطان الصهيوني على أرض فلسطين. تطور هذا الشعر-إذن- كما ألمحنا «في النصف الأول من القرن العشرين على النسق الذي تطور به الشعر العربي في مصر والشام والمهجر، متأثرا به، ومحتذيا إنجازاته يقلدها أو يستوحيها أو يضيف إليها دون أن يخرج عليها» (5).
يطرح هذا الشاهد مسألة مهمة تتصل بما بادرنا إلى القول به، وهو أن الشعرية الفلسطينية كانت مرتبطة بالشعريات العربية تمتح منها وتعب حريصة على الاحتذاء وتقليد اللغة الشعرية والصور المسكوكة والبلاغة التقليدية الفخمة والاحتفاء بالعمود، وكيف ننتظر منها التخطي والريادة وهما بدعتان وضلالتان بمنطق تلك الأيام، فضلا عن أن الكماشة شرعت في شحذ أسنانها الصدئة وتداني فكيها الشرسين استعدادا للإطباق على فلسطين واقتلاع أهلها.
فالثالوث الشعري، وهو يطلق صوته الحاد ومحاذيره، ويشير إشارة ساطعة إلى الأفق الملبد والغد الرمادي، حتى وإن لم يتكىء على سلف شعري صلب، ومدونة شعرية ترفع رايته عالية، وضوءه في الأجواز، ألفى في المدونة إياها الدعوة إلى المقاومة، وإلى التحديق فيما يتهدد الوطن من أخطار وآفة مجنحة أو برمائية، وطيور وقواق بتعبير الشاعر عز الدين المناصرة. ثم إنهم وهم البداية الحقيقية للشعرية الفلسطينية: أعني إبراهيم طوقان.. وعبد الرحيم محمود وأبا سلمى- أرهفوا السمع والبصر زيادة على أسلافهم، إلى ما كان يعتمل في العالم العربي من تململ ونهوض وحركات تحرر هنا وهناك، وأصداء شعرية شكلت فتحا في الشعرية العربية على يد شعراء المهجر تخصيصا، وشعراء مصريين وشوام على العموم.
في هذه الأجواء برزت تجربتا إبراهيم طوقان (1905-1941) وأبي سلمى اللذين وضعا أسس قصيدة نابعة من زمنها ومن تاريخها. على الرغم من أن إبراهيم وأبا سلمى كانا يكتبان القصيدة في إطار العمود الشعري، لكنهما كسرا الجمود الذي أحاط بالقصيدة الفلسطينية في ذلك الزمن. لقد جاءت قصيدة إبراهيم طوقان «الثلاثاء الحمراء» يوم إعدام الأبطال الثلاثة، جديدة في شكلها ونهجها الفني، وهي تشبه موشحا بالغ الدقة في شكلها الخارجي، حيث يقول:
لما تعرض نجمك المنحوس
وترنحت بعرى الخيال رؤوس
ناح الأذان وأعول الناقـوس
فالليل أكدر والنهار عبــوس
طففت تثور عواطــفوعواصف
والموت حينا طائــفأو خاطف
والمعول الأبدي يمعن في الثرى
ليردهم في قلبها المتحجــر..
ويعد معظم الدارسين هذه القصيدة بداية عصر الشعر الفلسطيني، والتي مارست تأثيرها بنية ومضمونا في الكثير من شعراء العمود من بعده..(6).
شعرية إبراهيم طوقان شعرية متفردة.. والقارئ لديوانه الصادر عن دار العودة العام 1988 مع دراسة متخصصة للدكتور زكي المحاسني، ومقدمتين ضافيتين لأخويه: أحمد طوقان والشاعرة فدوى طوقان، يقف على الفتح الشعري النوعي لهذا الشاعر، ويستوقفه الهجاء السياسي المشرب بسخرية لادغة مضحكة مبكية، وهو فتح لم يتسن للاحقيه التوسع فيه، والوصول به إلى الذروة بما يجعل من الشعرية الفلسطينية شعرية ذات نكهة فريدة وبعد كوميدي أسود لم يطرق في باقي الشعريات العربية. لقد ساد الشعرية الفلسطينية ـبالمقابل- جو جاد مأساوي أو بطولي، وانكمش ـترتيبا على ذلك- طائر الشعر المنذور للكشف البعيد، والتحليق في الأقاصي. وكان يجب أن ننتظر حلول النكسة/ الهزيمة عام 1967، ليتحرر الطائر إن فلسطينيا- -وهي في الطليعة- أو عربيا، فيعانق مديات لم تصلها الشعرية من قبل، ويغمس ريشه في أوقيانوس ظل رغبة متمنعة وحلما هاربا. فكأن هزيمة الأنظمة العربية، وهي أعلى درجات الكارثة والمذلة، كانت نعمة على الشعرية/ الشعريات العربية، كما كانت النكبة قبلها عامل شحذ وتجديد للأداء الشعري العربي، وفي الصميم منه الفلسطيني. وكأننا من جهة أخرى في حاجة إلى من يرجنا كل مرة، ويزلزل هدأتنا واستنامتنا واستيهاماتنا ليخرجنا من غيمات بخور الليالي الألف بسرودها المخملية والشبق الذي يتمرأى في مطاويها. علما أن شعراء فلسطين الأفذاذ في الثلاثينيات والأربعينيات- كما أسلفنا- استشعروا الخطر الداهم وتنشقوا نقع خيل التتار الجدد. يقول الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود (1913-1948) مخاطبا الأمير سعود (الملك فيما بعد) ومتنبئا في نفس الآن، يوم جاء إلى فلسطين عام 1935:
نجم السعود وفي جبينك مطلعه
أنى توجه ركب عزك يتبعه
المسجد الأقصى أجئت تزوره
أم جئت من قبل الضياع تودعه
حرم تباح لكل أوكع آبق
ولكل أفاق شريد أربعه
وغدا، وما أدناه ! لا يبقى سوى
دمع لنا يهمي وسن نقرعه
وبمكنتنا أن نمضي قدما في نفس الاتجاه مع الشاعرين أبي سلمى (1911-1984) وإبراهيم طوقان، واضعين اليد على تموقفهما التاريخي والشعري، وحدس منحنيات السهم المنكفئ مستوحدا محزونا في برية عربية مترامية الأطراف.. صماء، لولا أننا أخذنا على أنفسنا الامتناع عن الجرد التاريخي للمعضلة السياسية الفلسطينية، والاكتفاء-بما يضيء، بالإشارة العجلى والملامسة الرهيفة لمنعطفات الشعرية الفلسطينية. وحسبنا أن نعتبر بالإضافات النوعية التي تحققت لها، وتخلقت في أعطافها بناء ولغة وصورة وتنويعا إيقاعيا، ما يجعلنا نذهب إلى القول باطمئنان وفرح: ان وعي الشعر-فضلا عن رسالته، فالأمر يتعلق في البدء والمنتهى، بضياع وطن ومحاولة طمس هوية وردم تاريخ- كتجربة لغوية متميزة ومفارقة للنظم، حضر، بهذا الشكل أو ذاك، في واعية الشعراء المذكورين، كما حضر بالدرجة إياها، بله بالحدة، والتجاوز واستشراف أراض بكر وآفاق عذراء، لم تعهدهما الشعرية العربية الحديثة والمعاصرة-لدى شاعرين: أحدهما مجايل لطوقان ومحمود- لم يحظيا مثل الشاعر عز الدين المناصرة [الستينيات] بالمتابعة والرصد النقديين، وهما من هما مكانة في مدونة الشعر الفلسطيني، وبالتلازم والعضوية، الشعر العربي، يتعلق الأمر بالشاعرين مطلق عبد الخالق (1910-1937)، وتوفيق صايغ (1924-1971)، لكأنهما شاعران- على اختلاف زمانهما وطريقتهما في الكتابة- استثنائيان في الشعرية الفلسطينية، خلفا شعرا متميزا ذا فرداة في بابه، ومضيا في صمت لم يحفل بهما النقد أيامئذ، ولم تلتفت إليهما القراءة المعاصرة مدحا أو قدحا.
كان مطلق عبد الخالق، نسيج وحده في زمنه، حيث كان الشاعر الرومانسي الوحيد في فلسطين قبل ظهور فدوى طوقان، وقد تأثر تأثرا عميقا بشعراء المهجر في أميركا الشمالية، فاختلف عن بقية شعراء بلاده بنظرته المتشائمة الخاصة للحياة، وكتب شعرا مليئا بالكآبة والرغبة في الفناء. ويصور في شعره الذي جمع بعد وفاته في ديوان (الرحيل 1938) «أعماقا روحية وفلسفية لم يبلغها الشعر الفلسطيني قبله.. ويبدي إدراكا مرهفا، وفهما عميقا لمشكلة الوجود»:
نحـب ونكـره في لـحظـة
ونشقى ونسعد في ثانيـة
ونرتاب في الأمر حتى اليقين
ونوقن في الريبة الطامية
وأبصارنا لا ترى في الضياء
وتبصر في الحلكة الداجية
غير أن الشعراء الآخرين لم يتأثروا بشعره، وذلك لقلته من جهة ولغلبة الطابع السياسي على الشعر الفلسطيني في ذلك الحين، من جهة أخرى، فمضوا يكتبون ضمن تراث الواقعية الذي استنه إبراهيم طوقان، ولكن دون موهبة طوقان الخاصة (8).
أما توفيق صايغ المستوحد الرائد في مجال قصيدة النثر العربية، التي منحها من دمه، ومن ذوب قراءته العميقة للتراث الشعري الأنجلو ساكسوني والإنجليزي، الشيء الكثير، وما به تميزت واجترحت مدارات من القول والرؤى ما قصرت عنه ـفي تقديري الشخصي- قصيدة النثر كما استوت ناضجة في تجربة أدونيس وأبي شقرا وجبرا صديقه الحميم والماغوط، وجماعة شعر، فكان نسيج وحده.
لم يتحقق للشعرية الفلسطينية ما تحقق لها في المتعين التاريخي خمسينيا ولم تحز على الصفة بما هي شعرية متميزة إلا بعد العام 1948، العام / الزلزال الذي خضخض البركة العربية الآسنة بعد أن رمى فيها نيزكا حارقا بحجم الفقد المهول.. والتيه الفلسطيني المعاصر فادح العذاب والمرارة. أعقب جميع ذلك ذهول وبلاهة ثم تقريع للذات وجلد لها، جوربما كانت النكبة الفلسطينية عام 1948، أول حدث يمكن وصفه بكل دقة بأنه نقطة تحول في الأدب العربي الحديث على صعيد العالم العربي بأسره. فقد مثل ذلك الحدث خطا فاصلا بين زمن ساد فيه هدوء نسبي، وثقة وأمل زائفان، وزمن شهد إدراكا مفجعا للذات، وعم فيه اليأس والقلق والشك العميق والاضطراب العام] (9). وظهر شعراء في الخمسينيات، (الثلاثي): يوسف الخطيب، وهارون هاشم رشيد، ومعين بسيسو.
على المستوى الفكري والأدبي، شكلت المأساة حراكا غير معهود، تجلى في إخضاع الموروث التقليدي للفحص والمساءلة، ووضع الشعر- بوصفه ديوان العرب- والجنس الأدبي الأسنى في الميزان حتى لا نقول على السفود مقتبسين عنوان أحد كتب مارون عبود. هكذا، إذن، ارتفعت قبضة التحدي في وجه عمود الشعر، وأوزان الخليل، وانطلقت تجربة الكتابة الجديدة كتجربة واعية بما أقدمت عليه، مستلهمة المضيء من التراث عينه الذي رفعت المعول في وجهه، والمنجز الشعري الغربي الغني والمشع. يا للمفارقة ! لقد أسهمت النكبة في اليقظة والنهضة والتغيير والتبديل. ورب نقمة في طيها نعمة !لقد أدت هذه الثورة على الأشكال العتيقة إلى تركيم تجارب شعرية وفكرية ساهمت فيها أقلام من مختلف الأقطار العربية (10). وانبثق من هذا التراكم، في الخمسينيات، ما يمكن أن نسميه الشعرية العربية الحديثة والمعاصرة التي احتفلت عبر نماذجها الرفيعة بالجماليات كأس أو محتوى وأفق لكل شعر يحترم نفسه، ويحترم قارئيه، بل يساهم في بناء ونشر ذائقة جمالية مواكبة. وهل للشعر من متنفس وهواء وماء من دون قارئ متابع، ومتلق حريص ومتفاعل؟ !
أما أبو سلمى الذي لم نلتفت إليه في زحمة الكلام عن قرينيه ومجايليه ورفيقي دربه فقد اشتهر بكونه شاعر الحنين للوطن المفقود، وعرف بمهارته في استدعاء مناظر الطبيعة الفلسطينية وأمكنتها التاريخية، وعن إيمانه الراسخ بحتمية العودة حتى أطلق الفلسطينيون عليه لقب «زيتونة فلسطين». إن تأثيره على أجيال من الشعراء الفلسطينيين بين ومستقرى في تضاعيف نصوصهم، وهم لا يخفون تأثرهم به وإفادتهم منه، وبخاصة-في تقديرنا- فيما يتصل بقصائده المرصعة بأسماء القرى والجبال- والسهوب والأنهار، مما يعطي الانطباع بغلالات التعبير الرومانسي والعشقي للأرض والمرأة كلتيهما.
ولفدوى طوقان مكانتها الأثيرة في المشهد الشعري الفلسطيني والعربي، وتأتى لها ذلك لرومانسية كتاباتها ومعزوفاتها الشعرية البسيطة التي تنسرب من بين فتحات ناي كلومها وجراحاتها. غير أن لغتها ستعرف فورة وتثويرا بعد هزيمة 1967، عندما انضمت إلى [شعراء المقاومة: توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم]، فلعلع صوتها كأقوى ما يكون.. منددا.. ومعريا.. ومقاوما. سنة 1967 إذن هي التي طرحت لأول مرة أسئلة مفتوحة العينين على الشعر.. ما دوره؟ ما وظيفته؟
وهي السنة التي كان لها ما بعدها: أي الفترة التي اكتسب فيها الشعر الفلسطيني صفة المقاومة كحركة شعرية. لقد «أصبح الشعر الفلسطيني مع هذه السنة معبرا للرفض والغضب والتعبئة، صوتا يلخص اختيار أمة بكاملها، هنا ظهر الجرح الفلسطيني معاندا، ومقاوما، يغني للأرض والشهداء، يمازج بين عذاب الرحيل، والتشبت بالعودة، يعيد الشعر لحضرته الجليلة: الانعتاق. هكذا عثر الشعر على شرعيته، وحولها تحلقنا ومعنـا الشعوب المناضلة في العالم، وانتشر الشعر الفلسطيني كاللهيب على امتداد الرقعة العربية».
ما يجدر ذكره أيضا الإشارة إلى أن شعراء المنطقة المسماة أرض 48 (أو عرب فلسطين المحتلة) عاشوا مجهولين بحكم القطع الصهيوني الجغرافي والإعلامي بينهم وبين شعراء الشتات الفلسطيني وشعراء الضفة الغربية وقطاع غزة، بيد أن عام 1967 حطم الحواجز ومد الجسور، وتعارف الجمعان واطلع من في الشتات، ومن في العالم العربي على ظاهرة شعرية نمت كالطحلب بين الحجارة، بعيدا عن الشمس والماء، ولكنها جعلت الرأس مرفوعا مشتعلا بالأمل والتحدي، فكان صدمة شعرية بالمعنى الإيجابي في الأقطار العربية تلقفت بحب الأم وحرص القابلة وزهو الأب، كأن الهزائم نعم على العرب رغم تداعيات الذل والمهانة والغلبة.يقول عز الدين المناصرة: «كان هناك شعراء شباب ظهروا في أول الستينيات في تلك المنطقة المسماة أرض 48، منهم درويش وسميح القاسم، وتوفيق زياد، هؤلاء الشعراء عاشوا مجهولين لا أحد يعرفهم حتى عام 1966، وقد بدأ نضجهم الحقيقي بعد نكسة.1967 وظهرت الثورة الفلسطينية، كما هو معروف، بعد 1965، لنكتشف هؤلاء الشعراء فجأة. هذه الفجائية أدهشت القراء، كما أن الإعلام العربي الذي كان مهزوما عام 67 قد رحب بظاهرة المقاومة، فرحب بالتالي بشعرائها الجدد الذين اكتشفوا، لكن هذا الترحيب، كان مبالغا فيه.. بمعنى أن النقد العربي أعطاهم أكثر مما يستحقون» (11).
موازاة مع ذلك، كان شعر عز الدين المناصرة يتشكل في التاريخ نفسه في جنوب فلسطين في (الخليل) ثم في القاهرة، وهو شعر اتسم بشيء من الاختلاف لأنه خرج من تحت «إبط النكبة» وتسامق على الثورية الجوفاء، باتكائه على الجذر التاريخي والقاع المكاني، أي بالعودة السحيقة إلى شعرية التاريخ والجذور والأمكنة مراهنا على الهوية الفلسطينية، وتفاصيلها التي بها كانت وتكون، محاولا بطريقة فنية عالية إظهار تهافت الأطروحة الصهيونية، وتهافت خرافة الأسبقية والوطن الألفي الأزلي اليهودي من خلال إشهار ونشر التراث الكنعاني تحديدا بما هو أس المشيمة والميلاد، وأرجوان القسمات والملامح، وتأصيل الإنسان الفلسطيني، وترسيخ ثقافته وحضارته قبل 15 قرنا من الزمن - في الأقل - من ظهور التوراة ! ولنا أن نسمي الديوان وهو «يا عنب الخليل» الذي يقف شامخا وسط الدواوين الشعرية الأخرى التي ظهرت تاريخئذ أي عام 1968، (وقد كتب نصوصه ما بين 1962-1968) من دون أن تطلع ضفة على ضفة، أي من دون أن يعرف المناصرة ما كان يجري في الجليل والعكس بالعكس.
ومن جهة أخرى، سعى شعراء فلسطينيون آخرون منذ وقت مبكر- ولهم علينا حق التذكر والالتفات-إلى تجريب شعرية مغايرة ساهمت إلى جانب شعريات أخر- في الرفع من مستوى الشعرية العربية بعد خلخلة كثير من الثوابت والطابوهات، وتهشيم أقنعة التقليد البالية، وتكسير جرة البلاغة الفخمة والمتشامخة. ورج المشهد الساكن والماء الآسن. ولن نذكر إلا شاعرين وهما من هما في الإسهام الشعري العربي في مجال قصيدة النثر: إنهما: جبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صايغ الذي أشرنا إليه خطفا.
ولجبر إبراهيم جبرا اليد الطولى والبيضاء على الشعرية العربية المعاصرة. فهو فاتح كنز، وباعج عين، ومفجر ثروة لا تقدر بترجماته البارعة للشعرية الإنجليزية وللغصن الذهبي اث لمخيثر أخعلا، الذي كان نعمة على الشعرية العربية وهي تخطو نحو التململ والخروج من القمقم، لأنها استجابت (أي الترجمة) لرغبة، ولبت منزعا لجهة رؤيا البعث والنشور بعد النكبة في شخصي: أدونيس وتموز تمثيلا. غير أن توفيق صايغ استبق، وهو ملفوف بصمته ورهبانية شعره، ما اصطلح على تسميته بالشعر الحداثي الذي ظهر أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات. ذلك أن الخمسينيات كانت التربة الخصبة للكتابة التحريضية والشعر المنبري والهتافية، ومن ثم الأرضية التي تسيدتها البلاغة التقليدية، والصور المكرورة المسكوكة. بهذا المعنى يعتبر توفيق صايغ نشازا على الخطية العامة بالمفهوم الإيجابي. ولنا أن نذكر أعماله الشعرية التي بصمت المرحلة وأسست لشعرية متميزة ولافتة، عنوانها: الميتافيزيقا والغرابة والاحتفاء بألم الذات وعبء الصليب؟؟! (12).
وهل نضيف جديدا إذا قلنا بأنها (أي دواوينه) أصابت الشعر الرومانسي المائع في مقتل؟ كما أن شعره لم يكن ركيكا ولا عدميا كما ذهب إلى ذلك الشاعر المناصرة (13). أحرى أن نقول مع جبرا إبراهيم جبرا انه وصل إلى الذروة الشعرية من خلل بعض نصوصه كنصه الباذخ: «من الأعماق صرخت إليك يا موت» وهي القصيدة التي يضمها كتابه: «القصيدة كـ».. أو كما تصفها سلمى الخضراء الجيوسي بقولها إن القصيدة: «ذروة شامخة في شعرنا المعاصر بأجمعه» (14).
هوامش
1- سلمى الخضراء الجيوسي: موسوعة الأدب الفلسطيني المعاصر، 1/الشعر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 1997، ص: .34
2 -سلمى الخضراء الجيوسي: المرجع نفسه، ص: .35
3 -سلمى الخضراء الجيوسي: المرجع نفسه، ص: .36
4 -جبر إبراهيم جبرا: مجلة مواقف، بيروت، عدد: 9، ص: 18، أيار حزيران.
5 -خالد علي مصطفى: الشعر الفلسطيني الحديث، 1948-1970، بغداد، طبع في 1986، ص: .41
6 -الدكتور محمد عبد الله عطوات: الاتجاهات الوطنية في الشعر الفلسطيني المعاصر من 1918 إلى 1968، ص: 119-120، ط الأولى 1998، دار الآفاق الجديدة، بيروت.
7 -عز الدين المناصرة (جمع وتحقيق): الأعمال الكاملة لعبد الرحيم محمود، ط2، دار الكرمل، عمان، .1993
8 -سلمى الخضراء الجيوسي: المرجع السابق، ص: .38
9 -د. سلمى الخضراء الجيوسي: المرجع السابق، ص: .44
10 -محمد بنيس: مقالة: الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة، غنائية الهوية ودرامية المواجهة. كتاب: امرؤ القيس الكنعاني، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 1999، ص: .348
11 -شاعرية التاريخ والأمكنة، حوارات مع الشاعر عز الدين المناصرة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2000، ص: .255
12 -ثلاثون قصيدة، دار الشرق الجديد، أيلول 1954، القصيدة ك، ـدار المكتبة العصرية، 1960، معلقة توفيق صايغ، .1963
13 -شاعرية التاريخ والأمكنة، حوارات مع الشاعر عز الدين المناصرة، مرجع سابق، ص: .275
14 -وردت في كتاب جبرا إبراهيم جبرا «النار والجوهر»، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثالثة، 1982، ص: .105