يعد جورج إبراهيم، من المسرحيين المميزين، سواء على مستوى الإخراج، أو الكتابة، أو الإعداد، أو التمثيل، إذ قدم خلال مسيرته الممتدة منذ أربعة عقود عددا من المسرحيات اللافتة، كـ«المهرج»، «العذراء و الموت»، «الزير سالم»، «ع الرمانة»، اضبطوا الساعات، وللأطفال: «مغامرات خضرة»، و «ابتسم انت فلسطيني»، وهو إلى ذلك من مدير مسرح القصبة في القدس ورام الله.
التقته «الرأي» في تونس في حوار تقني، حول أسلوبيته في انشاء الفضاء المسرحي، لجهة إنشاء وتصميم الشخوص في تعالقاتها النفسية و الاجتماعية، ومن جهة أخرى حول مسرح القصبة.
* لكل مسرحي أسلوب خاص في تناول الأدوار، سواء كممثل أو كمخرج، رغم أن لكل مسرحية طريقة مغايرة عن الأخرى، من حيث إنشائها، فهل لديك تقنيا، طقس أو أسلوب معين تنهجه أثناء تحقيق عرضك المسرحي؟
- أبدأ في قراءة النص من الناحية الأولية، وبعد عدة قراءات، أقرر العمل فيه، ثم أعيد قراءته باتجاه تخصصي، فأنا أقوم بتحليل جميع الأدوار، وأحاول إيجاد العلاقة بين الدور الذي أقدمه مع باقي الأدوار الأخرى، ولكن ليس عبر الحوار فقط، وإنما من محاولة كتابة سيرة ذاتية لجميع الأدوار، حتى أرى أين موقعي في هذا الفضاء المسرحي، وبعد ذلك أتحاور، حتى وأنا أقوم في بروفات القراءة الأولية، مع المخرج والممثلين، لكن وبطبيعة الحال فأنا كممثل من واجبي أن اتبع تعليمات المخرج، وخصوصا تنفيذ جميع تعليماته الإخراجية بكل أمانة. وعقب ذلك تجيء مرحلة الإبداع، والمتمحورة في تجسيد الشخصية على خشبة المسرح.
* هلا أوضحت طبيعة هذه المرحلة؟
- في هذه المرحلة بالذات، تجيء أهمية الخبرة و التجربة، وأيضا المعرفة المجتمعية، بمعنى أنه إذا كانت المسرحية تتحدث عن مجتمع اليوم، فأنا أعطي وقتا كافيا للحديث مع الشخصيات التي لها علاقة بالحكاية أو بالموضوع الذي نتحدث عنه.فإذا أظهر نص العرض الشخصية شعبية، أحاول أن ألتقي مع أناس شعبيين حيث أستطيع أن أكتسب بعض المفردات، وباقي التفصيل الاجتماعية لحياتها،ومن ثم أحمل كل ما ألتقطه معي إلى خشبة المسرح و أحاول تجسيد بعض الملامح الحقيقية وإضفاء اللون و الطعم على الشخصية المتوخى تقديمها، وكل ذلك يجيء في سياق التعاون مع المخرج و وجهة نظره و تصوره للشخصية، والعلاقة بين الشخصية وباقي الشخوص الأخرى والتي يطرحها الممثلون الآخرين.كما يسبق ذلك بروفات لتحليل النص و معنى الكلمات والجمل و المعاني المستترة وراء هذه الجمل، عند ذلك، أستطيع توظيف هذه التحليلات و التقييمات، في بناء الشخصية و ردود أفعالها. ويجيء ما تم طرحه سابقا في سياق ما تعلمناه من نظريات من مدارس التمثيل، ولكن تنفيذ كل ذلك بحاجة إلى خبرة طويلة للسيطرة على النظرية، وذلك أننا نستطيع كتابة المجلدات عن كيفية التعامل مع دور من الأدوار، ولكن في حالة غياب الموهبة و الخبرة لا تستطيع أن تكون مبدعا على خشبة المسرح.
* وبالنسبة لك كمخرج؟ كيف تتعامل مع الممثل، من حيث أي سلطة تسود أثناء العمل، هل هي سلطة المخرج أم الممثل، وخصوصا إذا كان الأخير نجما؟ ومن جهة أخرى في تعاملك مع المؤلف، هل تجعل صياغته الأدبية هي التي تسود؟ ؟ أم أن هناك صياغة أخرى لهذه المسألة، بالنسبة لك؟
- في البداية، أو أكد على مقولة أن المسرح عمل جماعي، وليس عمل فرديا بمعنى أنه يجب أن يتألق الجميع سواء كان ممثلا، أو كاتبا، أو تقنيا، حتى نستطيع إيصال موضوع المسرحية إلى الجمهور. تبدأ خطواتي كمخرج، في تناول النص المتوافر بين يدي، فإذا وجدت بأن هناك علاقة حميمة تربطني بهذا النص، من حيث أنني أستطيع إضافة معطيات خاصة بي. عندها أبدأ في العمل، فأبحث عن أبسط الطرق لتقديم هذا النص على خشبة المسرح،فإذا أتتني الفكرة المناسبة، فأتوجه إلى كاتب النص إذا كان موجودا وأتناقش معه وأحاوره وأطرح عليه فكرتي في تقديم هذا النص وأطلب منه إجراء بعض التغييرات إذا وجدت بأن هناك ضرورة لذلك.
أما إذا لم يكن الكاتب موجودا، فأقوم بهذه التغيرات بنفسي لأنها تخدم الفكرة، بمعنى أقوم بإجراء اعداد للنص ليناسب راهن العرض، وأريد أن أنوه بأنني لا أقوم بتاتا بتأليف نص جديد على النص القديم، ولا بتغيير أفكاره الأساسية، فأنا مع احترام بناء النص، لكن ما أقوم به هو إجراء تغيرات تتناسب مع الوضع الاجتماعي، و السياسي، الذي نعيش فيه، لأنه وبالأساس إذا لم تعجبني فكرة النص الأساسي، وبنائه الدرامي، وموضوعه، وقصته، فلن أقدم عليه في الأصل.
* إذا كتبت المسرحية بالفصحى، وهي تتحدث عن موضوع اجتماعي يومي معاش، كيف تتعامل معها.
- لن أقدمها بالفصحى، لأنها تتحدث عن موضوع اجتماعي، فأقوم بتعميم النص أولا إلى اللغة العامية، ومن ثم أقوم أيضا بصياغة تقرب الشخوص من واقعها الزمني الذهني، إلى واقعها الحياتي المعاش. وبعد ذلك اتوجه إلى البحث عن الممثلين الذين سوف يشخصون، أو يجسدون هذه الشخوص على الخشبة، وعملية انتقاء الممثلين برأيي، تجيء من أهم واجبات المخرج، لأنه في حال اختيار الممثل المناسب، نكون قد اجتزنا نصف النجاح، وعند العمل مع الممثل، أجري وعلى، الأقل العديد من القراءات و التحليلات، حتى نتفق أنا و الممثلين على معاني الكلمات و الجمل و المشاهد، وأهدافها، كما وأطلب من كل ممثل كتابة السيرة الذاتية عن كل شخصية يريد تقديمها، عند ذلك أقوم بشرح الأسلوب الذي أريد أن اتبعه، وصولا لإجراء التمرينات لتجسيد الشخصيات، ويوازي ذلك العمل مع مصمم الديكور، والإضاءة، والموسيقى، وباقي المهام التقنية الأخرى.
وأنا كما أسلفت سابقا، أؤمن بالعمل الجماعي، في صناعة المسرحية، بمعنى أني آخذ وأعطي، فالممثل ليس أداة، بين يدي، وإنما نتحد معا، في إيصال ما نريد، إلى المشاهد، وهذا الأسلوب هو نفس أسلوب عملي مع التقنيين، وأعتقد أيضا بأنك، ومهما كنت مخرجا، مبدعا أو عبقريا، فلن تستطيع إيصال ما تريد إلى الجمهور، دون أن تكون وتأسس أدواتك، كممثل مثقف، ومبدع، وواعي، ومهني، وعليه فأنني أعطي جل اهتمامي و وقتي للممثل، وبعد ذلك، تجيء التقنيات.
* حول إقصاء الممثل من المشهد المسرحي، من باب استخدام لغة الصورة ، للنهوض بلغة العرض، فهل تقوم بطرح محمولات المسرحية عبر أداء الممثل، أم تجعله يتوارى لصالح جماليات السينغرافيا؟
- مهما فعل أصحاب أطروحات الصورة، ومهما تفذلكوا، على خشبة المسرح، فإن الممثل يظل هو الأساس، فإذا أخذت من الممثل هذا الدور، نكون كمن يطلق النار على نفسه، وأنا هنا لا أقصد بأن لي موقفا من استخدام التقنيات، أو الصور، وإنما أقصد بأن كل ذلك يجب أن يكون من خلال الممثل، وفي حال أن سياق العرض يتطلب حضور «سالصورة»، كضرورة لاستخدامها كتقنية، للتعبير عن فكرة ما، في الفضاء الدلالي، عند ذلك استخدم المؤثرات السمعية والبصرية التي بين يدي، لتقديم هذه الصور وتجلياتها، عير مختلف اللوحات و المشاهد.
* هل تحدثت لنا باختصار عن مسرح القصبة الفلسطيني، بصفتك أحد المؤسسين الأساسيين له، ومديرا حاليا له؟
- مسرح وسينماتك القصبة، مؤسسة ثقافية فلسطينية غير حكومية متخصصة، تأسس في العام 1970 في القدس، ويعمل المسرح على تفعيل الحياة الثقافية في فلسطين من خلال إنتاج أعمال مسرحية، واستضافة عروض وأعمال فنية وعرض أفلام سينمائية، وتنظيم برامج ونشاطات ودورات ثقافية وتعليمية في الحقول الفنية المختلفة، ويستهدف المسرح في عمله شرائح المجتمع المختلفة.
* ما هي أهم الأهداف التي يسعى مسرحكم إلى تحقيقها؟
- تفعيل الحركة الثقافية الفلسطينية بشكل عام، والمسرحية بشكل خاص، وتعميق التواصل والتبادل الثقافي، سواء المحلي أوالعربي أوالعالمي، وتوفير المكان الملائم للفنانين لتقديم أعمالهم الإبداعية، والعمل على تطوير القدرات البشرية، في مجال الثقافة والفنون، والعمل على تعريف الطفل الفلسطيني بالحقول الفنية المختلفة.
* ماذا عن الأعمال المشتركة لمسرحكم، مع المسارح والمؤسسات الدولية؟
- إن مساهمة مسرح القصبة في الحركة المسرحية العالمية، تبرز بشكل واضح ليس فقط من خلال الأعمال المشتركة، مع عدد من الشركاء العالميين، من مسارح وفنانين، وإنما أيضا من خلال المشاركة في برامج التبادل و ورشات العمل.
ومن الإنتاجانت المشتركة التي حققها «القصبة»، مع مسرح بريتكست في باريس، لجهة الإنتاج والعرض، مسرحية «ساكو وفانزيتي» لـ «آرمون جاتي». ومع المسرح الوطني الأندلسي في أسبانيا، مسرحية «نبع العسل» لـ «لوبيه دي فيغا» و بالتعاون مع المركز الثقافي الفرنسي في القدس، تم إنتاج مسرحية «أوبرا كارمن» بالعربية وقدمت في عدد من المدن الفلسطينية، وبالتعاون مع المركز الثقافي البريطاني في القدس تم عقد ورشة كتابة مسرحية مع المسرح الملكي في لندن، وبالتعاون مع المسرح الملكي في لندن، ومؤسسة عبد المحسن القطان في رام الله والمجلس الثقافي البريطاني تم إنتاج مسرحية «مش ع رمانة».