وداعا عصام محفوظ .. بقلم : رسمي ابو علي

وداعا عصام محفوظ .. بقلم : رسمي ابو علي

كان بودي ان اسافر الى بيروت لاشارك في جنازة عصام محفوظ الاحد الماضي حيث شيعه عدد محدود من المثقفين والاصدقاء.. ولكن الظروف لم تسمح بذلك.
ذلك ان عصام محفوظ هو احد المثقفين الكبار الذين يستمعون كل احترام وتقدير.. ويستحقون بالتأكيد ان يسافر المرء من اي مكان ليكون في شرف وداعهم.
ومع ذلك حدث شيء ما قد يكون صدفة او قد لا يكون، ذلك انني امضيت شطرا كبيرا من الوقت في الشهر الماضي وانا اقرأ كتابه الهام «ماذا يبقى منهم للتاريخ» القى فيه عصام اضواء قوية على العمل النهضوي والتنويري لعدد كبير من امور النهضة العربية بينهم طه حسين والعقاد وامين الريماني ومنصور الرحباني وتوفيق الصايغ وعدد اخر يربو على العشرين.
قمت بمراجعة الكتاب ضمن مقال سلمته للمشرفة الثقافية على صفحات الرأي والتي قالت على الفور بان مواد العدد القادم من «الملحق الثقافي» مزدحمة ولن يتسنى نشر مقالك الا في الاسبوع بعد القادم.. والشيء الذي حدث ان المقال نشر بالفعل في الجمعة التالية.. يوم اعلان وفاة عصام محفوظ.. فكأن الاقدار كانت تهيء صدفة ما، صلة ما ولو سلبية بالراحل والذي لا زعم انه كان صديقا شخصيا ولكنه كان بالتأكيد صديقا في الفكر والروح والانسانية اذ كان عصام من النوع الودود المضحي بانتباه الى اية التماعات ابداعية، في الشعر رغم انه حجر الشعر في وقت مبكر من الستينيات ذاهبا الى المسرح ثم الى الصحافة ثم الى التحديق والبحث عميقا في ابداعات التنويريين ورموز النهضة العربية وكان هو احدهم بلا جدال.
رأيته اخر مرة في بداية التسعينات من القرن الماضي في مقهى الومبي في شارع الحمراء في بيروت وقد لفت نظري ان لديه عادة غريبة في التدخين اذ كان يحمل علبتي سجاير من ماركتين مختلفتين يدخن من كل منهما واحدة بعد الاخرى، ولما سألته بفضول عن الامر اجاب مبتسما بانه يجب ان يتسلى بهذه الطريقة.. ثم تحدثنا في امور عامة وسألني عن احوالي بعد الخروج من بيروت ثم سألني عن الوضع في لبنان والى متى سوف يستمر فاجبته بانني اظن انه سيأخذ وقتا طويلا.. اكثر مما تتصورون فنظر الى باهتمام وقال: هل تظن ذلك فقلت له: اظن ذلك.. واظن ان الامر مرهون اساسا بوصول اللبنانيين الى سن الرشد اولا.
ولم اره بعد ذلك وان تابعت انتاجه الغزير الذي لم ينقطع على مدار السنوات الماضية، كتاب او اثنان كل سنة.. وهي كتب اساسية قيمة تلقى اضواء عميقة على الثقافتين العربية والغربية..
كان عصام مثقفا موسوعيا.. شاعرا ومؤسسا للمسرح اللبناني في الستينات من القرن الماضي عندما قدم مسرحيته الشهيرة «الزنزلخت» اتبعها بعدد كبير من المسرحيات.. ثم انعطف الى الصحافة والتأليف ابتداء من ثمانينات القرن الماضي دون ان يتوقف لحظة عن الكتابة والتأليف.
وجاوزت اعماله المتعددة الخمسين بين شعر ومسرح وابحاث ودراسات..
خمسون عملا هي اضافة حقيقية للثقافة العربية.. ومع ذلك مات الرجل وحيدا فقيرا شبه مشلول..
ولماذا؟ لان عصام رفض ان يساوم ويتلون ويدخل السوق..
والمصير المأساوي لعصام هو المصير المأساوي الذي ينتظر كل مثقف جاد ملتزم يخدم نفسه.
لكن.. من يبالي بالمثقفين؟