لعل في ميسور المرء أن يدرك ما فحواه انه كلما ازداد عصرنا جنوحا صوب عبادة المال والبضاعة، كثر الشعراء بخاصة، والعاملون في فسحة الكتابة بعامة، كما ازداد عدد الباحثين عن القيم العالية في حقول الدين والفكر والفن، أي في المساحات اللامادية على مختلف أشكالها وألوانها. وهذا يعني انه كلما تفاقم الجشع الاقتصادي، واستفحل نازع الاستهلاك، تسارع النشاط الروحي وازداد رسوخه وزخمه، حتى لكأنه نقيض ينتصب ليواجه نقيضه، أو قل إن الدفاع يتوطد ويتصلب كلما أمعن الهجوم في شراسته وعنفوانه.
فمما لا يفلت من شبكة الرؤية أن الحياة تصر على إقامة ضرب من التوازن بين الأضداد في داخل جسدها الحي. وهذا ما يفسر لك سر انتشار الصوفية في العالم الإسلامي القديم، إذ كانت تزداد اندياحا ورسوخا كلما ازدادت التجارة تفاقما في الشرق والغرب. فما من ريب في أن الصوفية جهد يبذله الروح البشري كي يشكم المادية حين تفتحل وتستطير شرورها، أو كي يحول بينها وبين الهيمنة على المساحة المخصصة لحرية الروح. وبذلك فإن الصوفية تمنع المال من أن يزيل عذوبة الحياة. وهذا يعني أن الصوفي واحد من سدنة العلو، أو من سدنة القيم الروحية التي من دونها لا يترسب شيء سوى طعم الرماد. إنه يحرس إنسانية الإنسان.
والآن يبرز سؤال جوهري لا بد منه في هذا الموضع : لماذا كان الشعر هو الفعل الكتابي الأغزر حضورا من أي صنف كتابي آخر في مضمار التصدي لعرام المادية واستطارة شرورها خلال الثلث الثالث من القرن العشرين وما تلاه من سنوات في القرن الحادي والعشرين ؟
ربما وافق الكثيرون على أن عصرنا الراهن لا ينم عن أية رغبة قوية في استضافة الشعر والشعراء، ومع ذلك فإن الشعراء يصرون على أن يكونوا حاضرين، بل على أن يحضروا بغزارة في سواء هذا الغرام المادي الهمجي المحيط بالروح إحاطة الظلمات بالأنوار، والآخذ بالتعاظم والتفاقم دون كلل أو ملل. فلا ريب في أن عدد الشعراء الذي يكتبون باللغة العربية في الجيل الراهن، أي في السنوات الأربعين الأخيرة، هو اكبر من عدد الشعراء في أي جيل سابق على الإطلاق. وبإزاء ظاهرة كهذه يملك المرء كامل الحق في أن يطرح سؤال هو لدرلن : «لماذا الشعراء في الزمن الضنين ؟» فمع ان كثرة الشعراء على هذا النحو السرطاني هي امارة على انحطاط الشعر نفسه، فإن هذه الكثرة لا تخلو من دلالة على مستوى جوهر الحياة.
ومما قد يثير الدهشة، وربما الاستهجان، أن يصر الشعراء أيما إصرار على ان يحملوا صليب الحياة في كل زمان ومكان، ولا سيما بعدما صار الشعر ضربا من الرطانة لا يملك ان يتواصل معها إلا رجل الاختصاص. وفي الحق ان الشعراء يستحقون ان يتعاطف معهم كل من له ضمير حي، فالقصيدة هي صليبهم الذي يصلبون عليه طوال الحياة، وهي النار التي تهجم عليها فراشات أرواحهم، وتصر على ان تحترق بها، ولكن من اجل لا شيء سوى تلبية حاجة في صميم أرواحهم. وربما كان المتنبي لسان حال الشعراء بأسرهم حين قال :
أنا في أمة تداركها الله
غريب كصالح في ثمود
فلماذا القصيدة، إذن، ما دامت صنفا من أصناف الصلب ؟
ربما لأن الشعر هو أكثر الإيقاعات الأدبية قدرة على السمو والتعالي فوق التجربة المادية الفاسدة بحكم طبعها، أو ربما لأن القصيدة ضرب من ضروب التطهير، تطهير الذات من أرجاس هذه الحياة العصرية الشديدة الافتقار إلى المثل الأعلى الذي لا يملك الإنسان ان يعيش من دونه سوى حياة بغير قيمة بتاتا. فلقد نسيت الحضارة الحديثة ان الإنسان مزود بغريزة لا تشبعها البضائع بتاتا. ولم تحاول هذه الحضارة البائسة ان تقدم أيما زاد لهذه الغريزة المثالية التي أدى تجويعها إلى شعور الإنسان بجميع أصناف الشقاء. إن البشر اليوم يكابدون مسغبة روحية خانقة. وهذا هو الهم الأول للإنسان المعاصر. فأنت أمام خيارين، إما ان تحترم هذه الحضارة وإما ان تحترم نفسك.
ومن المحتمل ان تكون هذه المسغبة حصرا هي العامل الذي أجج الكتابة الأدبية بعامة والشعرية بخاصة. ولئن صح هذا الزعم، فإن القصيدة الحديثة ما جاءت إلا بمثابة استجابة لنقص يعتور الحياة الحديثة. ولهذا، فقد تبدت وكأنها محاولة جلى يبذلها الروح البشري ابتغاء البلوغ إلى الحيث الذي ما بعده أي حيث على الإطلاق، أو قل إنها نزوح فوق المسافة الباطنية باتجاه البرهة القصوى، أو برهة امحاء الفرق بين الألم واللذة. وهذا يعني ان القصيدة تحاول ان تدشن عالمها المتميز الخاص في داخل العالم المنداح، لتكون بمثابة عش صغير من شأنه ان يستضيف طائر الروح. وبهذا، فإنها تشبه المعابد الوثنية القديمة المفتوحة على الخارج، والمتغلقة على نفسها في آن واحد. ويبدو أن الشعر اليوم قد سئم من إمكانية تغيير هذا العالم الموغل في المادية. ولعل من حق المرء ان يؤمن بأن حدوس الشعراء اصدق بكثير من نظريات السياسة وأفكارها العجفاء.
* * *
لقد أسرف الزمن الراهن في توجيه الإهانات إلى كرامة الإنسان الذي هو ذات تصنع القيم، ولا تملك ان تحيا إلا بها، فكان رد الروح ان أكثر من التعبير عن حنينه الدائم إلى الجمال والحرية والشرف، الذي هو ماهية الإنسان، وذلك لكي لا ينحط الموجود البشري إلى مستوى الموجودات الجامدة، أو لكي لا يصير مجرد شيء بين الأشياء، فلا يهيمن عليه ذلك الشعور بالعقم والبلادة والخواء.
ففي الحق ان الشاعر والصوفي هما رمزان متعاليان، بل أسمى نماذج العلو في أية ثقافة سامية. ولا يعني غيابهما إلا انتصار الوحل وإرادة الاستنفاع، أو انتصار المرابي على القديس، أو السافل على الشامخ والبذخ. ولعل مما هو إمارة من إمارات العافية ان يؤمن المرء بأن الشاعر سوف يهزم التاجر في الأيام المقبلة.
وهذا يعني ان الشعر بخاصة، والكتابة الأدبية بعامة ( وكذلك التدين والتفنن والتفكير )، إن هذه الظواهر برمتها تمثل خير تمثيل صراع الروح ضد التشيؤ والغثاثة والابتذال، أي ضد المادة وثقلها وكثافتها وبؤس عبادتها، والإذعان لسلطانها المتعسف الزنيم. فالشعر وريث الصوفية في التأكيد على أنك أنت الغاية بذاتها، أو قل إنك أنت الكرامة جاسدة على الأرض. من أجلك تبزغ الشمس ويطلع القمر، ويهب النسيم وتنتشر الحرارة في كل مكان. فلكم كانت الحضارة القديمة رفيعة الشأن، عظيمة المقدار، حين جعلت من الفرد الذي يرفض المادة، ويسوح في الأرض، مثلها الأعلى المقدس، أو الكائن البشري الأكثر سموا من جميع الناس، حتى وإن كانوا ملوكا وأمراء.
أما الدرس الذهبي الذي تقدمه الصوفية للكتابة فهو هذا : على الكاتب، أيا كان، أن يؤمن بأن ثمة كونا خاصا مكتوما عن أية مقلة أخرى، ولكنه ينهض فقط كيما يعانق روح ذلك الكاتب وحدها ودون سواها من أرواح البشر. وما لم يمتلك الكاتب قدرة كافية على محاورة ذلك الكون الراخم الهادئ المستور، فإن شيئا عظيما سوف يتعذر إنجازه على أي صعيد من الأصعدة. فقوام الأمر أن تؤمن بأن ثمة شيئا مخبوءا من أجلك أنت حصرا.
وهذا يعني أن الشاعر الذهبي هو شاعر المشهد الخصوصي، أو قل إنه ذاك الذي يرى ما لا يراه سواه ويشعر بما لا يشعر به الآخرون. وبهذه المزية قبل سواها من المزايا الأخرى، يتمكن من الاستجابة للمسغبة الروحية التي يكابدها الإنسان في كل زمان ومكان، ولا سيما في الزمن الراهن حصرا. ولا يستجيب لهذه المسغبة على نحو فعال إلا من له خبرة بمعاشرة الألطاف واليانعات الراغدة في فتونها الخاص. ولهذا، فإن الخبير بشؤون الشعر كثيرا ما يرى النص الأدبي المتميز بمثابة تعبير عن التنزه في المسرح والمفتوح. وهو بهذا التحديد صنف من أصناف التناسم مع شيء وسيم من شأنه أن ينعش سريرة الإنسان وسجاياها النبيلة. وبإيجاز، لا قيمة للنص الأدبي إلا بمقدار ما يحتفل بإنسانية الإنسان، وإلا بكفاءته أو قدرته على الاستجابة للمسغبة الروحية التي هي لباب أزمة الإنسان الحديث.
إذن، ليست الكتابة الأدبية، وكذلك جميع أصناف التأدب والتفنن، إلا جهدا يبذله كائن روحي يكابد نقصا لا حياة على الأصالة إلا باكتماله، كائن يناديه ألف غياب، ويحن إلى ألف مفقود. ولا مبالغة في الذهاب إلى ان كل إنسان هو مسغبة روحية، مجاعة وجدانية، أو ظمأ داخلي وعاطفي لا ارتواء له البتة، حتى وإن شرب مياه العالم كلها. ولهذا السبب قبل سواه، فإن الإنسان يتدين ويتفنن ويفكر ويكتب، إذ ليست الفنون والآداب إلا محاولات جلى تبذل بغية إشباع المسغبة الروحية، وإلا استجابات لنداء يسمعه هذا الكائن نفسه آتيا من مكان قصي مجهول. ومن شأن الكتابة الأدبية حصرا أن تجعل صاحبها يشتاق إلى ما وراء ذاته، وأن يحن إلى ما يتجاوزه ويعلو فوقه بمسافة فلكية أو سرمدية. ولهذا، يصح القول بأن الأدب لا يبدأ إلا حين يتوقف المنطق، وما ذاك إلا لأن الكاتب الأدبي يفكر بوجدانه أو بضميره الصرف.
إنه يوظف الخيال والوجدان أكثر مما يوظف العقل بكثير. ويبدو أن الفكرة لا يسعها أن تصير أدبا جيدا إلا إذا صارت شعورا أو برهة في بنية الوجدان. ولهذا، صارت مقولة الوجد نقطة ازدلاف يلتقي عندها بالصوفيين جميع الكتاب الأدبيين المتميزين على مختلف أصنافهم وألوانهم.
إذن، ها قد اختلفت النظرة العلمية إلى الطبيعة عن النظرة الرومانسية الصافية، فالأولى تبحث عن الطاقة والثروة، أما الثانية فتبحث عن روح لا مرئي يرخم في جميع المرئيات، أو قل إنها تبحث عن جمال أو عن قوت للروح. وفي الحق أن هذا العنصر السري المحايث للكائنات الطبيعية على نحو حلولي هو الذي تهجست له الوثنية وعبدته على هيئة آلهة محلية، كما تهجست له الصوفية وانهمكت طويلا في التفطن إلى فحواه ومحتواه. ولعل من شأن هذه الشركة بين التيارين أن تقلص المسافة الفاصلة بين الصوفية والأدب، ولا سيما الشعر. وهذا يعني أن روح الأسطورة، ونزعة الغموض الوثنية، هما في الصميم من كل نص أدبي ناجح.
ولهذا، فإن الكتابة الأدبية العظيمة، أو تلك التي وجدت لتكون برسم الروح هي عالم تختلط فيه الوقائع والأخيلة بحيث يصح القول بأن النص ليس سوى جملة من الإضفاءات، أو من التشكيلات والتحديدات المثالية للعالم الخارجي. ولهذا، لا بد من التأكيد على أن انتصار أي مذهب مادي في مضمار السياسة والاجتماع سوف يفضى بالضرورة إلى تدهور الآداب كلها، ولا سيما الشعر.
أما المثالية فأن ترى الأشياء، لا كما هي، بل كما تتراءى لك، أو كما ينبغي أن تكون، أي بوصفها قوى من شأنها أن ترمز إلى محتويات الذات. وهذا هو حال الوثنية التي رأت في المادة قوى مما وراء المادة ولا مبالغة في الذهاب إلى أن الكتابة الأدبية شديدة الشبه بالفاعليات الوثنية بوجه عام. والشعر بخاصة هو الفاعلية الروحية الوحيدة المتبقية من عصور الوثنية، وبزواله، أو بانحطاطه واتضاعه، فإن الوثنية سوف تكون قد هزمت هزيمة نهائية، وإلى الأبد. ويبدو أن تثويرا أصليا للخيال الأدبي، سوف لن يكون سوى إطلاق وتحرير للقوى الوثنية المحبوسة في سريرة الإنسان.
ومن شأن مثل هذا المذهب أن يتضمن ما فحواه أن النص الجيد هو ذاك الذي ينطوي على الطاقة الكفيلة باستثارة روح المتلقي، وحثها من الداخل كي تتعاطف مع ذلك النص نفسه. وبمثل هذه الاستثارة يغدو المكتوب الأدبي سياحة في اللغة، أو في مساحة الذات السرية اللطيفة. وكل سياحة نزهة، وكل نزهة نزاهة. ولا نزاهة إلا في الروح، ومن أجل الروح.
* * *
ولما كان الإنسان سرا مستورا أكثر مما هو ظهور مكشوف للعيان، فإنه لا محالة مندفع صوب التساؤل عن محتواه، أو عن فحواه الداخلي، وكذلك عن مصيره ومصدره، أو عن قضيته الماورائية التي أرقته مذ كان، والتي سوف تظل تؤرقه ما دام له وجود على الأرض. وهو حين يكتب الأدب إنما يحاول أن يتخطى هويته من حيث هو كائن مخلوق يحن إلى هوية أعلى يقدم نفسه من خلالها بوصفه كائنا خلاقا يحوز على قوة الإنشاء والتأسيس. وفضلا عن ذلك، فإنه سوف يستمتع بفعل الخلق، إذ لا ريب في أن التعبير الفني ليس شيئا سوى الشكل الحي، إذ بغير الشكل لا يكون المحتوى إلا صنفا من أصناف الهلام. وإذ تبتكر الروح الأشكال الحية، فإنها تستجيب لتلك المسغبة التي تستتب فيها على نحو مزمن. ولكن ما هو مؤسف حقا أن الشكل في الكتابة العربية الحديثة كثيرا ما يجيء ليكون بمثابة زخرف مصطنع لا وظيفة له سوى إخفاء ضعف سقيم أو خواء عقيم. ولا ريب في أن تخشب الأشكال الفنية الكتابية هو أبرز دلائل الاتضاع أو الجنوح صوب الفتور.
ولا غضاضة في الذهاب إلى أن فعل الكتابة لن يؤشر إلى المسغبة الروحية، ناهيك بأن يشبعها، أو حتى أن يشرحها، إلا إذا انبثق المكتوب من الجيشان والتفور والرعش، إذ إن هذه القوى الباطنية لا تتشكل في الفؤاد البشري إلا من مكابدة الحنين إلى الحميم المفقود. ويلوح لي أن الحنين، أو الوجد، هو بيت القصيد في الحياة البشرية برمتها، وأن توتر المسافة الفاصلة بين الحضور والغياب هو الاسم الآخر لأي حنين، أو لأي وجد، ذي صلة بالكتابة الأدبية. فلا مرية في أن قيمة الشيء إنما تتعين بمقدار ما تغدق عليه النفس من أشواق، أي بمدى قدرته على الاجتذاب. وبواسطة هذه الأشواق، أو بفعلها، فإن الكاتب تتراءى له كائنات لا وجود لها إلا في سريرته وحدها. والأهم من ذلك أن من شأن هذه الأشواق أن تجعل الكاتب يرى الأشياء بعيني رسام ذي خيال بصري واستبصاري، فتشعر وأنت ترنو إلى صوره وكأن سربا من أقواس قزح سوف يتدفق منها لينتصب في الآفاق التي لا حدود لها، حتى لكأنه قد أخذ على عاتقه أن يعيد إلينا حريتنا المفقودة.
ترى، لماذا كان كل من دستويفسكي ولورنس كاتبين عظيمين ؟
لأن كتابات كل منهما نتاج لسورة جياشة تطفر صوب الأعالي باتجاه الأوج نفسه، حتى لكأنها تحاول أن تحوز كل ما يتأبى على الحيازة أصلا.
ولئن كانت مقولة الايمان صريحة في أدب دستويفسكي، فإنها قد جاءت مكنية في أدب لورنس الذي أدرك الجوهر بوصفه صورة للمنبهم الأعظم، أو لكائن خفي يجل عن كل تسمية أو إدراك. وربما جاز القول ان هذا الكاتب الإنجليزي يملك قدرة لا تبذ على مغنطة الأشياء التي يصفها أو يتعامل معها. ولعل هذه السمة الباذخة أن تكون سر المزية في تراثه كله. ومما قد لا يخفى أنها سمة وثيقة الصلة بالمسغبة الروحية التي دفعته إلى التحديق في المرئيات بغية الالتقاء بأسرارها المذخورة ومحتوياتها المكنونة، حتى لكأن لورنس يمثل في بعض رواياته، ولا سيما في «قوس قزح»، ضربا من ضروب العودة إلى الوثنية، أو إلى الصوفية الغموضية، في أصدق أشكالها، وذلك من خلال تهجسه لفحوى المستورات، أو لما يندرج في المرئيات من مدخرات لا مرئية.
ولئن كان لورنس يجسد حالة التعامل مع الاستسرار، أو البحث عن المستور والمخبوء، فإن كاتبا مثل أنطوان اكزوبري، الذي مات وهو في الريعان، يجيش في داخله وجد بطولي من شأنه أن يرد إلى الإنسان كرامته المهدورة في ساحة القرن العشرين. لقد اتجه اكزوبري إلى ما يعلو فوق الترف المادي، وذلك ابتغاء حيازة صنف من الفرح الأصلي يسعك أن تسميه فرح البطولة، أو رعش الوجود الأصيل. لقد اكتشف العنصر الميت في أرواح أناس الغرب، فما كان منه إلا أن عوض عن ذلك الخسران بتطوير نازع البطولة أو الشجاعة الاستثنائية التي تمكن الإنسان من أن يموت دون أي شعور بالحزن أو بالأسى.
فها هو ذا ريفيير، بطل رواية «الطيران الليلي»، يستعمل جهاز اللاسلكي ليتابع حالات الموت التي يواجهها طيارون يحتضرون في أماكن نائية، بعدما ضاعوا في الفراغ اللامتناهي، وراحوا يكافحون الأعاصير والظلمات. وبهذا الصمود البطولي في وجه الفناء، يحاول الكاتب أن يصالح الإنسان مع الموت. وتلكم، لعمر الله، حاجة ماسة، تماما كما الحاجة إلى الماء والهواء. ولا أدل على صدق ذلك الكاتب وصفاء نيته من أسلوبه الممغنط والموغل في العذوبة والسلاسة. وفضلا عن ذلك، فإنه يحوز فذاذة شديدة القدرة على استبار أوصاف الأشياء ومكنوناتها، ثم على نقلها إلى حيز لغة أترعت بالبكارة والقدرة على الإنعاش، إذ ما من شيء يملك أن ينعش إلا ما كان بكرا طازجا، أو ما جاء من مملكة الينع والإخضلال.
* * *
قد لا يتيسر لفعل الكتابة الأدبية أن يستجيب للمسغبة الروحية والظمأ الوجداني الذي يجهل الارتواء إلا إذا نبع النص المكتوب من الينابيع التي تنبجس منها المبادئ الخالدة: غريزة المثل، غريزة الحلم، رعشة التناهي، التوق إلى السمو والعلو، والتفطن للنائيات والغائبات. وقد لا يتأتى للنص المكتوب أن يلبي حاجات الروح إلا إذا جاء ممتعا جذابا. ذا قدرة على الخلب والخطف والأخذ إلى البعيد. ولئن أمتع حقا فإنه يكون قد صار برسم الذائقة التي هي مركز الاجتذاب. وما من عمل فني قط إلا ما كان وجوده من أجل الذائقة بالدرجة الأولى.
ولهذا كله، لا بد من القول إن النقد الأدبي لا يتيسر إرساؤه إلا على فقه الذات، أو فقه الباطن والوجدان، أي على فلسفة ذاتية راسخة ولها خبرة تفصيلية بمحتويات النفس البشرية. وبغير هذه الفلسفة الذاتية فإن النقد الأدبي لن يكون سوى فعل عشوائي أو فوضوي يخطئ أكثر مما يصيب. ومما هو على درجة عالية من الأهمية أن يكون الناقد خبيرا باللغة وبالعناصر الجمالية التي تجعل الأسلوب متينا أو جميلا أو قادرا على الاجتذاب. فحقيقة الإنسان الأولى أنه كائن لغوي، أعني أن لا وجود له من دون اللغة بتاتا.
فقلما يتمكن النص الأدبي من حيازة عنصر المتعة أو عنصر الجمال إلا بواسطة الأسلوب المتفور الراعش الحي، أو قل الأسلوب المنسوج من هيف اللغة ورصانتها في آن معا. ولعل مما هو جائز ان يقال إن الخيال الموحي هو مبدأ الفتاء الدائم والحيوية الشديدة الإخضلال في كل أسلوب عظيم. فهو يزود النص بالطاقة الاستبصارية، أو باليخضور الذي ينبث في النسيج اللغوي فيحيله إلى تلبية روحية تحل في داخل اللغة. وبذلك تتمكن النفس من ان تختبر صنفا من سمو وجداني قل ان تتاح لها أية فرصة لتمارسه خارج المكتوب، الذي من شأنه ان يجعل اللامتاح متاحا في الخيال.
ويبدو ان النفس تشعر، حين تقارب الأسلوب السامي، بأنها تغتذي بالألطاف الحسنى، بل ربما جاز الزعم بأن الأسلوب المتميز بالرصانة واللدانة، في آن واحد هو تعويض جيد عما ألم بهذه المدن الخمجة المذرة من تشويه واتضاع وتدهور وخراب. ويلوح لي ان الآداب لا يتيسر فهمها بمعزل عن الأزمان والأماكن التي أنتجتها أو جعلتها ممكنة الوجود. فالشاعر إنجاز عظيم لزمن عظيم. ولئن صح هذا المبدأ صار في الميسور ان يقال إن هذه المجتمعات منخورة الصميم لا تملك ان تنجب شاعرا ذا شأن بتاتا، ولا حتى وفقا لنا موس الاستثناء العامل في كل زمان ومكان، وذلك لناموس الاستثناء محكوم بناموس جبري يفوقه ويحدد مساحة فعله، فيرغمه على ان يتوقف عند حد معين. وبذلك يتيح له ان يفعل هذا الشيء ولا يتيح له ان يعفل ذاك.
ولعل قدرة الأسلوب الفائق على تغذية النفس بالألطاف الحسنى ان يكون السبب الذي جعل الناس يمجدون أصحاب الأساليب العظمى، كأسلوب الجاحظ وأسلوب التوحيدي، وبخاصة أسلوب النفري، الذي هو أرقى أسلوب في اللغة العربية بعد القرآن، وذلك لأنه مشحون بشحنة وجد صوفي منقطع النظير. فما من شيء يملك ان يطرد الجفاف من اللغة، وأن يرسخ فيها الإخضلال والينع، سوى التوله واللهفة، أو الوجد الذي يشاطر الزرقة بعض أمجادها. وربما صح القول إن الأساليب العظمى لا يقوى على إنجازها إلا أولئك الذي يتعشقون بما لا زمان له ولا مكان، أو قل أولئك المنقبون عن الراسخات في ممالك الديمومة التي لا وجود لها إلا في الخيال البشري وحده.
* * *
لماذا سمي الخيال خيالا ؟
ربما لأنه يخلخل نظام الأشياء. ومما هو ناصع تماما ان ثمة صلة صرفية بين الخيال والخيل والخلل والاختلال والتخلخل والخلة. فهو يعمد إلى تجسيد المجرد، بحيث يجعله شاخصا أمام البصر، وبهذه الطريقة الفذة يقربه من البصيرة أو يولجه في عقرها المضاء. ثم إنه يجرد المجسد فيكرمه ويرفعه إلى أفق أسمى من مستواه الحسي القريب. وفي الحالين فإنه يخلخل نظام الأشياء، أو يكسر بنيانها المنطقي أو الواقعي. ويبدو ان الإنسان حين يكرم الأشياء الخارجية، على هذا النحو، فإنه يكرم روحه نفسها. ولهذا يجوز القول بأن صلتك بالزهرة أو بالشجرة أو بالنهر أو بالبحر أو بالمطر أو بالسحاب، هي بالضبط صلتك بروحك حصرا.
وعلى أية حال، يتمكن الخيال، بهاتين العمليتين المتعاكستين، من ان يصير فاعلية حرة، لأنها تتصرف بالأكوان كيف تشاء. وههنا يحرز الروح البشري نصرا مؤزرا على المادة ورهلها وبلادتها، إذ بهذا الفعل الحر المستقل لا يظل الإنسان أسيرا للأشياء ولسلطانها الحتمي، بل تصير الأشياء ملكه وطوع بنانه، وبذلك يصير النص المكتوب طاقة لها القدرة على استحداث سلسلة من التفتحات داخل النفس. إن النص الجيد هو ذاك الذي يجعل النفس تتفتح بالتدريج كما تتفتح الزهرة عن بتلاتها في الربيع. وهذا الصنف من أصناف الوعي هو ما يسعك ان تسميه بوعي النشوة أو وعي الثمالة. وهو أرقى من وعي الدلالة بكثير، وذلك لأنه نتاج لغة مغنطها الخيال العامل في خدمة الوجدان. وهذا هو الوعي الذي يقدسه الصوفيون والشعراء والفنانون وجميع المتجهين صوب الانتشاء والثمل، أو صوب الباطن الثري النفيس.
بداهة، إن الأسلوب السامي هو نقيض الثرثرة، إذ لا ريب في ان اتجاه كل منهما مغاير لاتجاه الآخر أو معاكس. والثرثرة ميل إلى الاتضاع مكتوم، أو نصف مكتوم، والاهم من ذلك أنها استمتاع بالخواء، بل بمذاق الرماد ولونه الكئيب. وفضلا عن ذلك، فإنها اتصال زائف، أو اتصال مع السطح وليس مع العمق.
وفي الحق ان عددا كبيرا جدا من النصوص العربية الحديثة قد جاء من نزعة الثرثرة الفارغة والعاجزة عن إنجاز أي اتصال في العمق الروحي. وفضلا عن ذلك، فإن الثرثرة كثيرا ما تتألق وتزخرف نفسها على نحو نادر، بحيث توهم ذوي الأذهان المفلطحة، أو الموهونة، بأنها اصالة روحية نفيسة. وبإزاء مثل هذه التجربة يتبدى الفارق واضحا بين القارئ الاستبصاري والقارئ الذي لم يتمكن من النضج بعد، ولو نضج لسمى الثرثرة التي زورت نفسها على هيئة نصوص عظيمة باسم الخواء الأنيق، أو لأدرك ان تلك النصوص الثرثارة ليست سوى محاولات لزخرفة الفراغ. إن قدرة الشر على تمويه نفسه بأصبغة الخير لهو شأن مذهل ومثير للاستهجان. ولا ريب في أن إزاحة الطلاء التمويهي عن الأوهام المزورة هو جهد لا يقوى على بذله إلا أولئك الذين ترشدهم إلى الحقيقة بوصلة داخلية ذات إبرة قلما تخطئ الاتجاه السديد. وبداهة، ليست للناقد الأدبي من وظيفة قبل التمييز بين النغيل والأصيل، أي قبل إصدار حكم القيمة الناضج.
إن من لا يدرك ان الأدب هو فقه الروح أو فقه الإنسان ) في مقابل العلم الذي هو فقه المادة ) لن يتيسر له ان يصير ناقدا أدبيا في أي يوم من الأيام. ويبدو لي ان الروحانية المتعالية هي وحدها التي تملك ان تكتب نصا أدبيا رفيع الشأن، له القدرة على الديمومة والصمود في وجه الزمان. وهو لا يدوم إلا لأنه قد جاء من مملكة الدوام التي هي أزلا عين ذاتها. فالنص العظيم نتاج للمسغبة الروحية المسنودة بالعقل الذكي والخيال الموحي والفؤاد الذي يشتاق ويحن إلى كل ما هو من سلالة العلو. وهذا يعني ان الحميم والطاهر واليانع، وكل ما ينتسب إلى عين الحياة، هو المحتوى الصميمي لكل نص أدبي ناج من التزوير أو من التشويه. فكل ما لا يتدفق من مملكة الخالدات لا يسعه ان يستمر في التنفس إلا لفترة قصيرة وحسب، إذ لا يدوم إلا الدائم وحده.
* * *
لئن كان الإنسان روحا، أو حياة باطنية، فهيهات ان يخضع لأية قوانين مهما يك نوعها، وهيهات ان تفهمه أية فاهمة إلا على نحو حدسي وحسب. فالروح هو اللامتعين الوحيد، أي إنه ما يرفض الحد ويندعن كل صيغة لغوية، فأنى للذهن ان يتذهن ما يتأبى على التحديد ؟ ولهذا، فإن مما هو ناصع الدلالة ان يتشبث الإنسان بالفنون والآداب في كل زمان ومكان، فالفنون والآداب هي اقدر المجالات على استضافة الروح البشري الذي لا ضفاف له البتة. ولا ريب في ان الإنسان قد أودع أنبل ما لديه في منجزاته اللامادية. ولقد عبر عن ألمه وبؤسه في مسرحيات وأشعار شديدة الأهمية وعظيمة المقدار. وربما جاز الزعم بأن الإنسان يبلغ ذروة نزوعه الروحاني عندما يتأمل شقاءه وألمه، أو قل حين يكابدنهما على نحو تلقائي أصيل، كما فعل اوديب في مسرحيته المشهورة. وهذا هو سر النجاح الذي لاقاه دستويفسكي في كل مكان من عالمنا الحديث.
فلا غلو إذا ما ذهب المرء إلى ان الأدب يسهم في تربية الجنس البشري، وكذلك إلى ان الإنسان قد اعتاد على صقل نفسه وتهذيبها بواسطة الأديان والفنون والآداب والأخلاق التي يرعاها المجتمع وتصونها القوانين السماوية والوضعية في ان واحد.
ولهذا كله، يشعر المرء أحيانا بأن النص الأدبي الجيد نداء ينادينا إلى الأصفى والأنقى، وبحكم ما فيه من هيف ودماثة، فإنه يؤكد تجانسنا مع البراءة التي تنزع إليها كل روح، وينجز لنا نصرا مؤزرا على ثقل المادة وكثافتها العجماء، وهذه حقيقة من شأنها ان تؤشر إلى شفافية الروح وسلاسته وعذوبته، ولا يناديك إلى الصفاء والنقاء إلا اللغة الحقيقية، المشعة والبريئة من كل زيف. أما الثرثرة فتعرفها بعلامة تميزها، وهي انها تعفيك من بذل أي جهد بغية ان تفهم منها أي شيء. وههنا يلتقي المرء مع الروح الشائه المعكور. ومما هو بديهي ان المرض قد لازم الحياة منذ زمن سحيق. وعندي ان مهمة التمييز بين الكلام الأصلي والكلام الزائف هي المهمة الأولى للناقد الأدبي.
ومما هو شديد الأهمية ان ننتبه لقدرة النزعة الغوغائية على التسلل حتى إلى قلب المجرى الحي للإنتاج الثقافي. ويبدو أننا في عصر التزوير، وهو العصر الذي استطاعت فيه الغوغائية ان تلحق بالمثالية ألف هزيمة وهزيمة. وبكل توكيد، ليس في مقدور أحد أن يستأصل شأفة الزيف المتفشي في عالمنا الحديث، وهو الذي تفاقمت فيه شراسة المال وشرته وقدرته على تدمير البنى النبيلة التي خدمها الإنسان طوال القرون المائة الأخيرة. وفي سواء هذا الوضع الزنيم لا بد من تحديد وظيفة الكاتب الأدبي بأنها حراسة القيم والمثل من قوي الابتذال والاتضاع والتخريب. ويبدو ان الصراع بين النفيس والخسيس أبدي لا ينتهي إلا بانتهاء الحياة.
ولم تعد الغوغائية وقفا على حثالة الناس، كما كان الأمر في الزمن القديم، فلقد تفشت كثيرا في العالم الراهن حتى شملت أعدادا كبيرة من أولئك الذين يظنون أنهم متعلمون. فثمة أناس من هذا القبيل يملكون من القدرة على الثرثرة ما يثير دهشة المتأمل واستهجانه. وهؤلاء الثرثارون الذين يلاشون الحقيقة وفحواها في لجة الكلام الزائف، هم أعجز الناس عن رؤية الوظيفة الروحية للكتابة الأدبية. وهم إن كانوا يعملون في سبيل هدف من الاهداف، فإنما يعملون من اجل إزالة الأصالة، أو ما تبقى منها، في هذا الزمن الذي هيمنت النذالة على نقي عظامه.
ويبدو ان فئة ضئيلة من الناس تملك أن تدرك ما فحواه ان تحويل اللغة إلى أثير، أو إلى رخام، بل قل إلى ينع واخضلال، هي الوظيفة الأولى للشعر الفاخر، وان استخراج كنوز الروح، تلك الكنوز التي هي ازلا عين ذاتها، والتي لا نسعى وراءها إلا لعجزنا عن حيازة المثال، أو إلا لأنها هي المثال نفسه، هو واحد من الاهداف الدائمة والثابتة لجهد الكتابة الأدبية في كل زمان ومكان. وعبثا تحاول ان تجعل الآخرين يبصرون مالا يبصرون، فالإنسان إما ان يشاهد هذا المشهد الخاص من داخله حصرا، وإما ان لا يشاهد شيئا ذا بال على الإطلاق. فأنى لك ان تقنع التاريخيين، أقصد أهل النظريات السياسية، بأنه ما من قوى سوى قوة الدين والأدب والفن، تملك ان تصنع الإنسان الداخلي، أو الإنسان الكامل، الذي هو غاية الزمان كله.
ولست لأبالغ البتة، إذا ما زعمت بأن الذين يدركون ماهية الأدب ووظيفته العليا هم أناس نادرون إلى الحد الذي لا يتوقعه المرء أبدا، وذلك على كثرة الناس الذي يقاربون الأدب ويتعاطونه في هذا الزمن الموغل في التسيب وخسران القواعد.
ولهذا، فإنك كثيرا ما تقرأ مجموعة شعرية من الغلاف إلى الغلاف، دون ان تجد فيها صفحة واحدة تستحق ان تسمى شعرا. ويبدو انه ما من شيء لدينا يملك ان ينضج إلى الحد المقبول. يا الهي ! ما الذي جرى للناس في هذا الزمان ؟
* * *
ليس الفن ولا الأدب تعويضا عن أي اشتهاء غريزي محبط، بل هو إفراز تفرزه الروح كما تفرز الزهرة الرحيق. فلقد كان الإنسان يتفنن قبل مجيء القمع والكبت والإحباط بكثير، إذ الفن جزء من طبعه وصميه روحه. ومما هو جد مقنع ان الإنسان يبدع لأنه طاقة أو قدرة على الابتكار، وليس لأنه مقموع أو مكبوت. ولا يخفى على احد ان التفنن الكتابي، وغير الكتابي، من شأنه ان يؤدي للإنسان عدة وظائف أهمها انه طريقة اتصال بين الذوات. فهو اقدر الفاعليات البشرية على إنشاء المساحة العاطفية المشتركة بين جميع البشر، أو على تأسيس فسحة للمعية يملك كل فرد ان يلدها طائعا، وأن يتفاعل معها حتى لكأنها صورة لروحه الخاص. وعلى هذا المبدأ قرأت البشرية كتابها العظام من أمثال شكسبير ودستويفسكي وتولستوي.
ولا تتوقف وظيفة الفن الكتابي وغير الكتابي عند حد الاشتراك، أو تأسيس المعية وروابطها، بل تتخطاها صوب أهداف أخرى أبرزها إشباع نزعة السمو الراخمة إلى الأبد في الروح البشري. إن الإنسان لا يرفض شيئا قدر ما يرفض التقهقر باتجاه الحيوانية، أو التنازل عن ماهية الإنسانية النفيسة. فالإنسان كائن يبجل الرتبة والمرتبة، أو القيمة التي من دونها لن يختلف البشر عن البقر. ولا ريب في انه سوف يبذل قصارى جهده بغية البقاء عند المرتبة البشرية، بل ربما بذل المزيد من الجهد في سبيل الارتقاء صوب رتبة الملائكة.
إذ إن مثل هذه الجهود هي اقدر الفاعليات على صيانة المرتبة البشرية من الدناءة والاتضاع.
وههنا تتبدى على نحو ناصع تلك الوظيفة الروحانية للكتابة الأدبية. ومما هو مؤسف ان بعضا ممن أرادوا للأدب ان ينحرف عن وظيفته العالية لم يتمكنوا من استيعاء هذه الوظيفة الجبارة للكتابة الأدبية، أو للمجهود الفني بوجه عام.
ولهذا كله، فإن المياومة قلما تظهر في النصوص الأدبية العظيمة، ولا سيما في المسرحيات المأسوية الكبرى، ولئن ظهرت فإنما تظهر لمحا وحسب. وما لم نؤمن بأن الإنسان هو على الدوام في فسحة الكيف، وبأن الكيف يشع محتوياته ولا يبرهن عليها، فإننا لن نكتب أدبا رفيع الشأن في أي يوم من الأيام. ومآل ذلك كله إلى ان مقولة «الشرف» هي خلاصة علم القيم برمته. والشرف، بإيجاز، هو الترفع فوق الدنايا والسمو باتجاه رتبة الذوق والإلهام. وبذلك وحده يستحق الإنسان ان يكون جارا للكائن العالي، الذي لا تعلو فوقه أية قوة أخرى على الإطلاق.