قراءة فـي رواية سوزان الراسخ «الحب والجسور» - بقلم د.رفقة دودين

قراءة فـي رواية سوزان الراسخ «الحب والجسور» - بقلم د.رفقة دودين

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 20-1-2006
No Image
قراءة فـي رواية سوزان الراسخ «الحب والجسور» - بقلم د.رفقة دودين

تشهد الساحة الأدبية الأردنية بين الحين والآخر طلوع موهبة ابداعية كما لو أنها أرض مباركة تصدع بنبت طيب يمكث في الارض لأنه مما ينفع الناس، وانغداق الكلمـات الطيبات التامات في الأرض ما له من نفاد، ولطالما تمنينا لو أن ثمة مؤسسة ثقافية ما تعنى بتصفح هذا الكم الهائل من الاصدارات لالتقاط ما هو جدير بالمتابعة والالتفات بعين راغبـة ويد زاهدة وفؤاد سليم، تمد الكاتب والمبدع بفيض من الرضا والأمان والايمان بأن الكلمـة المبدعة الجميلة ستجد من يلتقطها من عرض الطريق، ومن قارعة الطريق كما التقـــط الجاحظ كلماته التامات ذات يوم.
أسوق هذه المقدمة بمناسبة اطلاعي على رواية «الحب والجسور» للكاتبــــة ســوزان الراسخ وهي رواية صدرت بدعم وزارة الثقافة واعتقد أنها العمل الروائي الأول للكاتبة التي قدمت لعملها هذا بكونه وليدا قد تأخر أكثر من خمس عشرة سنة عن أن يصدر، ولعل هــذا التأخر هو الذي شكل مفتاحا لدخول عوالم هذا العمل، وكأنك تراوغ رغبـات وأماني كاتبة ظلت تخبئ الحلم إلى أن صار حقيقة راسخة ماثلة للعيان، ولم تجد في طريقها من يأخذ بيدها سوى ملاحظة من والدتها تقول لها: «كأن ما تكتبين رواية تستحق أن تـروى وأن تحكى»، وهـذه المسألة من شوائك القضية النسوية في مجتمعنا وتدخلها قسرا الحــدود المرسخة بعنايـــة وصرامة في المجتمع العربي وهي الحدود الجندرية التي ستنفك عـن الكتابة في نهاية الرواية لتكـون خيار البقاء والصمود والاستمرارية في العيش والنماء.
ورواية «الحب والجسور» رواية سرد نقي متواتر متتابع زمنيا تشعر فيـــه السـاردة أنها إنما تعتلي كرسيا في صدر مقهى لتجلس كالحكواتي تروي فتطرب الآذان، وتصمـت فتحبس الأنفاس، مخرجة الحكاية من حيز العقل وثياب الخيال إلى أرض الواقع بكـــــل موضوعيته، ولكن دون أن نقفز عن حتمياته، هذا الواقع الذي كان ينذر بتجوفه وخاصة حينما دخــل التاريخ مراوغا الحكاية، قضية فلسطين التي شكلت مركزية في السرد، وثيمة أساسيـة من محفزاته، والساردة وهي تراوغ الخيال والتخييل تبدأ حكايتها وهي حكاية العائلة التي ستتنامى وقائع حياتها لتشكل العقدة الرئيسية في الرواية، وهي مدركة للحد الفاصل المتوهم بين الخيال والواقع راسمة شروطها في استعادة ماضي هذه العائلة والدخــول الى مستقبلها، والتنبؤ والحدس به رغم كمونه، ومن هذه الشروط العلاقة الجدلية الناظمة للحياة بين الشخوص والأمكنة، حيث ستعيد البيوت والأزقة لتنبعث بالحياة بالضبط كما كانت «أخذت على عاتقي ترميم معالمها، البيوت والأزقة المتهدمة والخربة، فعاد الموتى على الورق أحيــاء يأكلون ويلبسون ويتحركون، ويتكلمون بلغة زمان مضى وانقضى».
ولما كانت تقنية الوصف المشهدي من أهم تقنيات الكتابة، ومثل هذه التقنية كمـا يقول شجاع العاني توصل إلى مفهوم الصورة السردية التي يمتزج فيها الوصف على نحو ما بالسرد، ولعلها ومع ادراكي لمخاطر التعميم هنا من اهم تقنيات الكتابة النسوية المنهمـــة بالتفاصيل والحدوس والروائح والألوان المثبتة للذاكرة والمعلية للإحساس مقابل ما يسمــى بالتحديق الذكوري الذي يركز على حاسة البصر والتبصر دون إعلاء لمخزون الحـــواس والذوائق، وهذه من طرائق ما تدعو إليه الكتابة النسوية المؤكدة على ثراء الإختلاف وتنوعه وخصوصيته.






تبدأ الرواية باستحضار العام 1913 عبر صورة سردية أخاذة، يمتزج فيها الوصف المشهـدي بالأفعال السردية التي تتوالى بتقدم السرد وتواليه، ففي هذا العام وفي أحد عصريات شهـر حزيران منه، نرى مشهد الجدة وهي عروس زاهية ببدلتها البيضاء تعتلي اللوج الذي يتصدر الرواق، وقد اصطفت فيه المقاعد بانتظام، وامتلأت الجدران بآيات قرآنية مذهبة، والنســـوة يتوافدن، وكلما دخلت إحداهن وحدها مع كنائنها وبناتها تنطلق من حناجر «الجناكي» أغنيــة الاستقبال مصحوبة بإيقاع الدفوف والنقرزان والدربكة
البدر لما انزار يا عيني وزارت الأنوار.
وهنا فإن الوصف الممتزج بأفعال السرد سيطغى في هذا المقطع الروائي والمقاطع التي ستليه والتي ستظل واصفة وساردة لحفلة زفاف الجدة فــي إحدى المدن العريقة والتي تحاكي دمشق في تمدنها وتحضرها وهي مدينة نابلس وهو امتزاج ذو نظام شبه منطقي.. كما يرى والاس مارتن، خاصة وأنه يتضمن معنى الاخبار، حين تصف الساردة للمتلقي المتوهم ما حدث بكلماتها الخاصة، وقد تسرد ما تفكر به الشخصيات أيضـا أو تشعر به، ويحمل معنى الاخبار ويساويه، مثال ذلك: وصف اختلاط حمرة الخجل بالزينة فـوق وجه العروس مما زادها وهجا واشراقا، وكذلك وصف ما تفكر به الصبايا الراقصات بقامات تتمايل على إيقاع الموسيقى والأغاني من إمكانية لفت نظر الأمهات للظفر بعريس في تلـك الليلة، مما يجعل هذا الوصف الممتزج بالسرد محملا بدلالات ضمنية أخرى غير تلـــك الدلالات الخاصة بالإخبار، ومنها الدلالة والإشارة إلى حياة المدن التي ارتبط بها الفن الروائي بوصفه فنا مدينيا منمازا بأنماط التواصلات المجتمعية المدنية التي يمليها العيش في المدينـة التي ستصبح بوصفها مكانا بؤرة القيمة ومصدرها، ومصدر التحولات الواقعيـة ذات السمات الديمغرافية والمعمارية التي تسم علاقة فكرية وحضارية تجعل المدينة كما يقول ابراهيم خليفة طرازا مختلفا للحياة الاجتماعية والإنسانية.
ويكون حضور المدينة الذي يؤشر إلى نمط العيش والحياة فيها - وهو نمط مدينـــي متحضر - راشحا عن أن مجموعة الأنشطة الاقتصادية التي تقوم عليها المدن وهي أنشطـــة تجارية وصناعية تختلف عن تلك التي تكون في الأرياف والبوادي، وتساهم فـي ترسيم الأوضاع الاجتماعية وفي شكل حضورها وفي تراتبها أيضا، حضورا موضوعيا يتضمن كل ما في الواقع من واقع فأسماء الحارات والشوارع والأسواق والساحات، ماثلة بكل حمولاتها وامتدادها في الذاكرة والواقع المعيش لتوهم بأن ما حدث قابل للحدوث وفي تلك الامكنة على وجه الخصوص.
فهناك ساحة المنارة، وباب الساحة، وحمام الريش، وحارة القريون ومحلات الكنفنجي، وهناك البلدة القديمة التي يحتضنها جبلان تكسوهما الخضرة: جبل جرزيم من الجنــوب وعيبال من الشمال، فهذا الوصف المكاني هو ذاته الذي يتجلى في الصورة الكلاميـــة للتركيبة المدينية وما ذكر اسم المدينة واسم حاراتها وساحاتها ومحالها التجارية ومصانع صابونها وما يؤثر عن خصوصية هذه المدينة فيما يتعلق بصناعة الصابون حيث يقال: إذا لم تمتلك أو امتلك أباؤك القدامى مصبنة فأنت لست نابلسي الأصل «إلا من باب تأكيد خصوصيـة المدينة، علاوة على تأسيس حضور جديد لها كما يقول الناقد عبد الحميد المحادين.
إن حضور نابلس في هذا النص الروائي بكل سماتها وصفاتها المدينية من خلال حضورهـا الواقعي للإيهام بواقعية النص الروائي، هو دلالة ضمنية أيضا لحضورها الرمزي أيضــا بوصفها حلما قد تهشم بوقوعها تحت الاحتلال، هذا الواقع الاحتلالي المهشم لوجهها المديني الجميل والأصيل مهد له النص بدخول المعطى التاريخي مكونا رئيسيا من مكونات النص وثيمة من محفزات السرد فيه، وذلك ابتداء من نهايات الدولة العثمانية وسعي البلاد العربية للاستقــلال الإداري إلى دخول البلاد الحرب العالمية الأولى والثانية والتي أجهزت على الدولة العثمانيـة بوصفها رجلا مريضا عانى رعاياها من مشارقها حتى مغاربها من الفقر والمرض والجوع كمـا يقول النص الروائي، وهنا يتحرر المكان من شرطه الواقعي ليصبح مكانا مستجيبا للتغيرات التي تمليها عليه التحولات التاريخية الكبرى ضمن شروط واقع جديد، ولا تتم أيضا بمعزل عن شخوص الرواية الذين سيكونون أدوات التغير ومستجيبين لشروطه، فها هي الحاجــة سليمة تصف تلك الأيام الصعبة الكالحة السواد قائلة «عشنا وشفنا اللي ما بنشاف» وصولا إلى مؤتمر الصلح في باريس الذي فرض اتفاقية سايكس بيكو، وبسط سلطات الانتداب على بـلاد العرب، وانبثاق وعد بلفور الذي عنى بتعهد دولة لليهود في فلسطين وكما يقول النص «كان من السهل أن نقرأ في وجوه الحاضرين الاحساس بأن البلاد تسير في طريق انتداب يفضـي إلى عبودية واحتلال جديديـن».
يدثر التاريخ النص الروائي، ولا يفرض حضوره الطاغي والاقتحامي، بــل إن المحطات التاريخية المتعاقبة التي مرت على نابلس في النص الروائي تشكل إطارا تتفاعــل الأحداث تحت يافطته، ملتقطا تفاصيل صغيرة تؤثث المشهد الروائي ولا تنبو عنه بتناغـــم وانسجام، مثال ذلك ما ورد في النص «في أمسية اليوم العشرين من نوفمبر 1933 والرجال مجتمعون في المصبنة حيث اندفع أحد عمال المصبنة داخل الديوان وهو يهتف: هناك حوادث مهمـة وقعت للتو في جنين، لقد استشهد الشيخ عز الدين القسام وأربعة من إخوانه في اشتباك مــع الإنجليز» ثم يستكمل النص توضيح الحدث بالحديث الذي كان يدور في أرجاء البلاد ويتحدث عن اختفاء رئيس جمعية الشبان المسلمين في حيفا، وخطيب مسجد الاستقلال فيها، عــز الدين القسام، فثمة قراءة نصية لهذه المحطات المهمة من الوقائع التاريخية التي انبنى عليهـا النص الروائي، وصارت الرواية وليدة التاريخ، ولكن دون أن نسمها بالرواية التاريخية، ذلك أن هذه الوقائع المدعمة بالتاريخ الفعلي لحصولها لم تكن خارج النص، بل هي داخله وهي جزء من بنيته ومحتواه ومبناه الحكائي، بل وتتقدم من خلال إحساس الأبطال بحدوثها وتأثيرها عليهـــم.
والرواية وفق هذا المعطى تعنى بالتاريخ الكامن الذي يعكس الاجتماعي أو السيسيوتاريخـي الكاشف لتعاملات الناس وعلاقاتهم في ظل الحدث التاريخي العام والصادم والساحق أحيانـا كما ترى الناقدة ابتسام سعيد، إضافة إلى رصد ردود أفعال الناس حيال ما يستجد من ظروف سواء أكانت مواتية أم غير مواتية وصولا إلى ما يمكن أن نسميه بـ «الجماعة الشعبية» في الرواية التي تبـادر بفعل توحد ظروفها ومصالحها إلى خلق المبادرات واتخاذ القرارات في مواجهة مأزق الواقع والتاريخ حيث تصبح هذه الجماعة الشعبية الحارس الأمين لموروث المدينة باستلهام روح تاريخها كما تسميه الناقدة ابتسام سعيد أيضا، ومن أمثلة استلهام روح التاريخ في هــذه الرواية والتنظير لهذا الاستلهام ما يرد في النص: «وتبهت التفاصيل حتى تغيب في قاع ذاكرة الناس الذين عاشوا تلك الفترة إلى أن يتم استعادتها بين الحين والآخر، ولولا أحاديـث أول الليل عندما يتوهج القمر ويحل السكون لما رحلوا إلى الأزمان البعيدة وتذكروا تلك الأيـام».
وتستعاد روح التاريخ في النص من خلال ذكريات شخوصه، فها هي الأم تصير حكاءة وهي القادمة من مدينة أخرى هي يافا لما كمن في الذاكرة الحية التي تثبت التاريخ وتسمح باندراجه في سياق اليومي المعيش، تحكي هذه الأم عن إضراب الستة أشهر الذي أعقب استشهاد عز الدين القســـام والذي صهر الناس في جماعة واحدة، تقاوم الجوع والخوف والانتداب بأفران تعمل في الخفاء وشبان يخترقون منع التجول ويوزعون الخبز والطحين والسكر على الناس لتعزيز صمودهم، هذه الأحداث الجسام العامة التي عمت الناس في كل أرجاء البلاد تختلط بالخاص الــذي ستكون له انعكاساته على مشاعر وردود أفعال هذه الجماعات التي انصهرت في ظل الأحداث الجسام، وتوحدت في ظل أحداث وأيام يجر بعضها بعضا متضامنة مع من يموت كما هو حال «أبو أمين» الذي شعر بألم مفاجئ وسقط بجسده الثقيل على الأرض بلا حراك «فكانت رنـة الأسى عليه تتردد أصداؤها في بيته الكبير وفي أزقة حارات نابلس وبين ومرتـادي المصبنة من عمال وفلاحين، ولم يعن هذا الخاص الذي يصير عاما في تضامن شعبي خلاق مقتصرا على الأحداث والمناسبات المؤلمة، بل إنه يمتد إلى لحظات من الهناءة والصفـــاء والفرح، فها هو صوت أم كلثوم يصدح عاليا من أرجاء مقهى المنشية مختلطا بيقرقعه مياه الأراجيل وضربات لعبة طاولة الزهر ونداءات صبية القهوة، وها هي الرؤوس بالطرابيش الحمراء تتمايل بنشوة، خاصة وأن المدافع قد انطلقت معلنة ثبوت العيد.
وتحفل هذه الرواية بالتفاصيل التي تساهم في تشكيل وجه المدينة الحضاري، وفــي منحها خصوصية لم تكن مفروضة على النص، بل لعلها من محفزات السرد فيه، وهـــي خصوصية تكشف وتؤشر إلى منظومة القيم التي كانت تسير حياة سكان المدينة في المأكــل والمشرب والحكي والموروث الشفاهي، وخاصة حينما يتعلق الأمر بالعلاقة بين الرجــال والنساء، وهي بذلك تؤرخ لمسير المدينة الحضاري الذي ترتهن فيه تغيرات الواقع بتغيرات الزمان والمكان، الذي يخرج عن كونه ثابتا ومحايدا ليساهم في رسم المسير التطـــوري الحضاري للمدن وأعراف الحياة فيها، ومن الأمثلة على ذلك انحواء النساء وجمالياتهن وهن يرتيدن الملايات السوداء، وقد تلألأت شفاههن المكتنزة بالحمرة القانية من خلال غـــلالات المناديل السود الشفافة التي تشف عما تحتها، وكذلك الرصد السردي الجميل لخروج الأيادي الجميلة المزينة بالأساور الذهبية التي تخشخش بأصواتها موحية بعشرات التفاصيل المدهشـة والباعثة على الافتتان، إضافة إلى مبالغة أهل نابلس في أكل الكنافة والإبقاء على أعــراف صنعها، وتقديمها في السراء والضراء، إضافة إلى رصد النص للهجة النابلسية التي تجنــح نحو إمالة الكلام، وفي احتفائهم بالميل إلى المرح والانبساط والتزاور في كل الأحوال.
ولم تغفل الرواية أيضا رصدها الادوار الخاصة بالمرأة وخاصة في الثلاثينيات من القرن المنصرم والأربعينيــات وهي الأدوار المثقلة بأيديولوجيات الجنوسة، والتي تتصدى المرأة ذاتها لحمايتها والإبقاء عليها فها هي زوجة الابن أحمد تهيىء نفسها لخوض معركة مع زوجها وأمه وهي تعرض عليهمـا ترك المنديل «الجورجيت» الذي يغطي الوجه، لصالح وضع غطاء على الرأس فقط حين الذهاب إلى السوق، يرفض الزوج الموضوع ومناقشته ويستعين بأمه على زوجته التي بات يعتقد أن دعوة هدى شعراوي للسفور قد وصلت مسامعهـا.
إن رصد هذه الخصوصية لتفاصيل الحياة الاجتماعية في مدن عريقة تؤشر إلــى استبطان النص الروائي للجوانب الطقسية الغاطسة في بنية الذاكرة الجمعية الشعبية، والمسيجة بأواليات اليقين والتي أعيد إنتاجها في النص الراهن بحمولتها وتداوليتها المتحققـــة وذات الاستمرارية والممتدة عبر الزمان محملة بالأبعاد التاريخية، وعلى رقعة المكان محملـــة بالأبعاد الجغرافية، وعلى الخريطة الاجتماعية محملة بالأبعاد الاجتماعية وصولا إلى ما أسماه الباحث محمد الجوهري بالبعد النفسي الممتد في نفوس ممارسيه والمعبر عن شخصيتهـــم الجمعية، وعن تطلعاتهم وآمالهم ومشكلاتهم دون تدقيق أو تعقيد، خاصة إذا اتصل هذا البعد النفسي بالتراث، ومن أمثلته في النص حديث الجدة إلى الأم، وحديث الأم إلى ابنتها وهـــي تستعرض أشهر الشتاء الماطرة، سعد الدابح، وسعد السعود، وسعد الخبايا.. وعلاقة هـذه الأسماء بالأسطورة الشعبية التي تتحدث عن رجل اسمه سعد اضطر أثناء خروج قبيلته للغزو ذات شتاء ماطر بارد إلى ذبح ناقته والاختباء في جوفها من الأمطار والسيول فكان «سعــد الذابح»، ثم عندما لم يجد شيئا يقتات به بدأ ببلع لحم ناقته لمدة أسبوعين حتى هل «سعد بلـع» فكان هو «سعد بلع» ولما عاد إلى أهله وقد أيقنوا من وفاته ويأسوا من عودته أسموه سعـد الخبايا.
ولا تغفل الرواية في نصوصها التالية مزج التاريخ بالواقع في حديثها عن انعكــاس الأحداث التاريخية على الناس وعلاقاتهم التي تستجلي الحياة في نابلس، وفي مناطق الجوار، فيما نابلس تخضع للإحتلال الإسرائيلي ليصبح الحراك الروائي في قطر صار ثنائي القومية يعيش فيـه شعبان العربي واليهودي الذي تعاون الغرب وبريطانيا على وجه الخصوص لإنجاز دولة لهم في فلسطين، كشف مؤتمر بيلتمور في نيويورك مخططات ذلك، وكان نجم بريطانيا قد بدأ يخبو ونجم أميركا يعلو، وهي تندفع بقوة إلى موقع قيادة العالم، وهنا فإن الرواية تساجل ومن خلال حيوات شخوصها وامتداداتهم القضايا الوطنية المختلفة والمتعددة وأهمها الحرية والتحـــرر والعيش بسلام كما معظم شعوب الأرض، لتظل القضية الوطنية هي الخيط الناظم للخلفية التاريخية للرواية، وهي التي تمد النص بدلالاته التي ينهض على أساسها بوصفها مصدر قـوة وقيمة لكل حدث من أحداث الرواية، التي تجعل من الجسور ومناطق العبور حدودا تحكــم حصار الحياة في هذه البلاد التواقة إلى حياة محكومة بشروط الحياة الطبيعية، دونما بطولــة فردية، وإنما من خلال بطولة جماعية لأناس منتجين وتواقين للحياة وراغبين في عيشها، وقـد أتيحت لهم فرصة السفر إلى أي منطقة يريدونها بعيدا على إكراهات المعابر، ودمغات وثائـق السفر التي يصبح الناس العاديين البسطاء والراغبين في الحياة والتواصل ضحية عسفها...
ولعل من أجمل فصول الرواية ذلك الفصل الذي ترثي فيه الساردة مدينة نابلس لحظــة احتلالها، نابلس تلك المدينة التي تسرق دائما من أهلها ومرتاديها دمعة أو ابتسامة بجوامعها وأسواقها وأقواسها وفسيفسائها ومشربياتها، وحماماتها وصباناتها وعطرها وكنافتهــــا، أصبحت تحت رحمة قوة مطلقة وشعب أعزل، وتقترض الساردة مقطعا رثائيا من درامــا بروميثيوس طليقـا لبرسلي شلي، لترثي به نابلس: «ملاذك، حصنك قد انهار وانهزم
أيها البر، أيها البحر، اندبا وارفعا النحيب
يجبكما قلب الأرض الممزق، ولولي يا أرواح الأحياء والموتى»
تصبح نابلس مكانا مفتقدا يستعاد في كل حين، تصبح جزءا لا يتجزأ أو يغيب من لحظة العــيش الراهن التي تنتصر فيها بطلة الرواية الساردة على الواقع الراهن والبائس بالكتابة إلى الحبيـــب الغائب أيمن، ليكون التوسل بالتاريخ تعبيرا على ضيق الراهن وانسداد آفاقه ولتكون قصة نابلس هي قصة البطلة وآخرين عاشوا بجرعات قليلة من الفرح وأكبر منها بكثير من الخيبــات، تقول البطلة الساردة: إنها ليست قصتي وحدي، ولا قصتهم وحدهم، هي قصة الكتابة التي أوصى بها أيمن قبل غيابه، كي لا تضيع الحكاية ولا يضيع التاريخ ولا تضيع التضحيات، أمام تهمة اللهو تحت شجرة تفاح يحاصرها جيش من الأسود.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }