الشاعر الاردني د.خريس يرى ان هناك معاداة غير مبررة للتراث الأدبي - حاوره أحمد الخطيب

الشاعر الاردني د.خريس يرى ان هناك معاداة غير مبررة للتراث الأدبي - حاوره أحمد الخطيب

ظل الشاعر د. حسين خريس ملتزما بمبادئ الشعر العربي في جميع نتاجه الشعري، مزاوجا بين الأصالة والمعاصرة في توافق وانسجام من غير تضاد ولا تناقض، ليبرأ الشاعر نفسه من دعوى الانتماء الى أحد طرفي القضية الشعرية. يرى الشاعر خريس ضرورة تحرير أحكامنا الشعرية من التبعية المغرضة لأي موروث أو مكتسب.
ويؤكد بأن الشعر ليس نتيجة لعمليات سابقة ليؤخذ بالعلة، وليس هدفا خارجا عن حدود الشعرية ليعلق بالمبدأ، وليس وسيلة يجوز الحكم عليه بالصحة والخطأ، والسمو او التدني، إنما الشعر هو الشعر وحده قيمة وأثرا ومطلقا.
ويشير صاحب كتاب «حركة الشعر العباسي في مجال التقليد» الى ان كل ما يصدر عن الفن من جماليات يشكل بحد ذاته رسالة ما.
ولد الشاعر د. حسين خريس في مدينة اربد عام 1931، ودرس المرحلتين الابتدائية والثانوية المتوسطة في مدارسها، ثم تخرج في مدرسة السلط، وتابع دراسة العليا في القاهرة، فحصل على شهادة «ليسانس» ثم «ماجستير» و «دكتوراه» حول شعر أبي نواس بين التقليد والتجديد، عمل في جامعة الدول العربية، مديرا لشؤون مجلس الجامعة، ثم مديرا لادارة الشؤون والعلاقات الثقافية، فممثلا للجامعة في العديد من المؤتمرات العربية والدولية، ومستشارا اول فيها حتى تقاعده.
كتب نشيد الجامعة العربية حيث قام بتلحينه الموسيقار محمد سعادة، غنى له الفنان صابر الرباعي قصيدة «عهود الحب» ولحن له الموسيقار سيد مكاوي قصيدة «نغمة الحب» التي كان من المقرر ان تغنيها المطربة سعاد محمد.
كتب العديد من المجاميع الشعرية منها، حكاية وجدان، سفر الخروج، كفر أسد، الضحايا فوق سيناء، ذكريات العهود الجميلة، المهرجان، ذات ليلة، ليلى الأسيرة في بغداد، اربد مدينتي الجميلة، على وتر الاشواق، رسالة الى ليلى المريضة في بغداد.
وفي محاولة لقراء الذاكرة الشعرية وما ينتج عنها من مفاهيم عند الشاعر الذي قضى أكثر من خمسين عاما في الغربة كان هذا الحوار:

* متى بدأ الشاعر د. خريس في كتابة الشعر؟
- تكثر الاسئلة في مثل هذه الحالة، والأجوبة تكاد تكون متقاربة، إذ أن الطبيعة الاسانية تتحدد مهامها في ثلاثة أنشطة، نشاط شعوري، نشاط فكري تأملي، ونشاط علمي، وإن بعض الناس يلتزم بأحد هذه النشاطات ولا يلتزم بالاخرى، لذلك يكون شاعرا او مفكرا او رجلا صاحب أعمال، ومن الناحية الشعرية، الناحية الفنية، تعتمد على النظرة الفردية، يقال ان الحياة فن غير جميل، بمعنى ان الفن هو الذي يجملها وهو الذي يختار احسن مميزاتها، وهو الذي يضيف عليها، او يطلق اسرارها، وهكذا جاء ارسطو ليقول «ان الفن يخلص الانسان من أمراضه النفسية».
تعلقت بالقراءة من خلال الكتب التي كان يستعيرها والدي عن أبي زيد الهلالي وغيره، وبدأت حركة ما تستفزني للكتابة، ربما كانت في البداية، من قبيل مجاراة ما اقرأ، فكتبت اول قصيدة عام 1947 وهي بعنوان «ثورة» واذكر انني كتبتها في غرفة قديمة كنت اسميها «كوخ الندمان» وكانت هذه القصيدة في مرحلة ما قبل الجامعة ومنها:
«وأغضب ان ارى بشرا وخيرا
وافرح ان ارى بؤسا ومكرا
وأشمت بالورى حتى كأني
لهم قدر يميت الكل قهرا
فلا رفق يقصر حد عنفي
ولا عطف يريني الظلم نكرا
ثم جاءت مرحلة الجامعة في القاهرة، حيث اتصلت بالمنتديات الثقافية، وتعرفت الى شوقي ضيف الذي قال لي بعد ان سمع قصائدي: «في جلدك شاعر ولك حب مفقود، واظنك لن تجده، طبيعتك يظهر عليها الضياع».
ومرت سنوات عجاف من الحيرة والتردد والضياع واللاشعر، حتى خيل الي اني اجبلت او اصفيت، ثم كان يوم مشهود من أيام كانون اول 1965، لأجدني وقد عدت مرة اخرى الى الطريق السوي من حياتي، لأكون أشد ثقة بنفسي وإيمانا بالانسان، واستبسالا في سبيل المبدأ، فأصدرت ديواني الاول «حكاية وجدان».
* كيف نظرت قصائدك التي كتبتها في الغربة، حيث كنت تعمل في جامعة الدول العربية، الى الوطن، والى اي حد أثرت الغربة في تجربتك الشعرية؟
- المؤثرات متعددة شكلية مستمرة ومستوحاة او مكسوبة، لا تصدق أن الشعر ينزل من عالم رباني، الحطيئة يقول: «خير الشعر الحولي المحكك». الغربة تشحذ الحس، وتغذي وجدان الشاعر، ولكن الشاعر ربما يكون غريبا في وطنه، من هنا ربما تتوازى النظرة الشعرية الى الوطن، وأنت فيه او بعيدا عنه، ولكن الغربة ربما تضيف عنصرا جديدا هو عنصر المقارنة المستمدة من رؤى الاختلاف والمغايرة، وما تراه هنا ولا تراه هناك، فتلجأ الذاكرة الشعرية الى استحداث علائق جديدة يبنيها الشاعر في غربته مع وطنه، بالاضافة الى تعميق صلة الوجدان وبث روح الحركة، ليكون الوطن في متناول يدك، رغم بعد المسافات.
* المرأة تبقى مثار عاطفة الشعراء ومجلى قريحتهم، اين تقع المرأة في شعرك؟
- في الصميم، تسعدني وتتعسني، تقتلني وتحيني، تميتني وتبعثني من جديد، تحلق بي وتهبط فإذا رضيت عني، فلا شيء يهمني، على أن لا تقف بيني وبين الوطن والأمة والعقيدة، اذكر ان د. عبدالقادر القط قال لي ذات مرة «لماذا ترفع المرأة الى السماء في شعرك، وهي متعة: «فقلت له: هي متعة وأشياء أخرى كثيرة».
* مفهوم الشعر لا زال غامضا، كيف يعرف الشاعر خريس الشعر؟
الشعر هو كل شيء قابل ان يكون شعرا اذا تم تناوله بطريقة شعرية صحيحة، وهو التفرد وليس التكرار، الشعر ليس نتيجة لعمليات سابقة ليؤخذ بالعلة، وليس هدفا خارجا حدوده الشعرية ليعلق بالمبدأ، وليس وسيلة يجوز الحكم عليه بالصحة او الخطأ، والسمو او التدني، إنما الشعر هو الشعر وحده قيمة وأثرا ومطلقا.
* يحاول بعضهم ان يلصق بالشعر القديم تهمة التقصير باستيعاب التطور الهائل التي تشهده الحياة المعاصرة، وأنه لم يعد قادرا على مجاراة الواقع، كيف تنظر الى مثل هذا الاتهام؟
- انا لا اتعصب لشعر قديم أو جديد، فأدوات الشعر تتطور، ولكن يجب عدم التنكر للتراث الشعري وما قدم من رسالة انسانية خالدة، فالحاضر يؤثر في الماضي من حيث إعادة صياغته من جديد، هناك معاداة غير مبررة، ولا تقوم على أسس منهجية، علينا إكمال رسالة الشعر، فلكل جيل تقاليد ولا أقول «تقليد»، وهناك الكثير من الشعر المعاصر الذي يقوم على النمط القديم عالج قضايا الانسان المعاصر واحلامه الشعرية وكان مبدعا، واستوعب تطورات المرحلة وافرازاتها وقضاياها الساخنة.
يقال الشعر القديم سطحي وواضح، ولكنه وضوح القوة، لا يوجد شعر أو لا شعر، أنا مع الشعر في أي قالب كان، ما دام يمنحني هذه العاطفة الجميلة، وينقلني من موضع الذبول والاغتراب، ويخلق لي عالما جديدا، الشعر لا تستطيع ان تقبله او ترفضه، لأنه ليس لك وحدك.
* ما هي نظرتك لمستقبل الشعر العربي؟
- الأمة العربية ذات ثقافة عميقة متنوعة جامعة وشاملة، استطاعت ان تحقق المعجزات، تأخذ عن الآخرين وتعطي الآخرين، والأدب الاصيل يوضع في مصاف خيرة الآداب العالمية.
انا متفائل بهذه الأمة وبشعرها، لأن لها تراثا عظيما، وليس عيبا أننا ما زلنا نقرأ امرئ القيس، ما دام هناك لغة عربية حية تمضي قدما وتغذ السير ولا تتراجع عن رسالتها، فالشعر بخير.
الأمة العربية لها رسالة ذات شقين، شق إنساني عالمي بالقصد والارادة، وشق قومي في المحصلة والنتيجة، وهكذا استطاعت الأمة العربية ان توائم بين أطراف ثلاثة بين الأمم والشعوب، تبدو أنها متناقضة، وليس منسجمة، وهي عرب مسلمون، عرب غيرمسلمين، ومسلمون غير عرب.
* هل أنصف النقاد تجربتك الشعرية، وكيف تنظر الى العلاقة بين الناقد والشعر؟
- انا لا انظر الى الكم الذي تناول تجربتي الشعرية، بل الى النوعية وأثرها على مسيرتي، وما اضافته لي، فقد أعد طالب في الدراسات العليا في جامعة الأزهر رسالة ماجستير بعنوان «حسين خريس شاعرا» تحت اشراف الدكتور جودة مصطفى، وهناك رسالة أخرى لطالب آخر تحت عنوان «نزعة التأمل في شعر حسين خريس».
أرى ان العلاقة ما بين الناقد والشاعر يجب ان تقوم على المحبة والألفة، باعتبارهما طرفي قضية لا بد من تعايشهما في سلام، حتى تصل هذه القضية الى غايتها من البوح عن سر جمالها وروائع معطياتها وعظيم قدرتها الخلاقة في كينونتها.
* كانت أطروحتك لنيل درجة الدكتوراه حول «الثوابت والمستجدات في شعر أبي نواس» والتي صدرت فيما بعد في جزأين تحت عنوان «حركة الشعر العباسي في مجال التقليد بين أبي نواس ومعاصريه». لماذا اخترت شعر أبي نواس لاجراء هذه المقارنة؟
- الأسباب التي كانت وراء اختياري شعر أبي نواس وجعله ركيزة في دراسة شعر العصر، عصر أبي نواس، كثيرة، منها أن شعر أبي نواس يشكل في تاريخ الشعر العربية عامة، والشعر العباسي خاصة، ظاهرة متميزة بأبعادها الانسانية والفنية، عما سبقها من ظواهر شعرية وما كان يعاصرها من ظواهر اخرى، فأبو نواس إن لم يكن الشاعر الاول في كل فن زاوله، فإنه كان إما المجلي في بعضها، وإما المبتكر في بعضها الآخر، وهكذا أصبح شعر أبي نواس تقليدية وتجديدية بما بلغه من الاتساعوالشمول من جهة، وبما حققه من الابداع والتفوق من جهة أخرى، اصبح من الصعب بل من المحال ان يقاس به شعر شاعر آخر، فقد نجد الشاعر المقارب لأبي نواس في هذا الفن أو ذاك، ليكون قريعا له، ولكنا قد نفتقر الى الشاعر الذي يطيق الوقوف أمام أبي نواس في جميع فنون شعره، تقليدها وتجديدها، ليسد جميع الابواب التي كان ابو نواس ينفذ منها الى مدينة الشعر الفسيحة.
* من خلال قصائدك الملحمية، اعدت الوجه الايجابي لهذا النمط، وفتحت بابا، ربما يستطيع الشاعر من خلاله ان يؤرخ للمكان بشخوصه ومفرداته والزمان بانعكاساتها وتجلياته، بماذا تحدثنا من خلال ملحمتك الرائعة «كفر أسد»؟
- سأكتفي بما جاء في رسالة الناقد التونسي المنجي الكعبي الاستاذ بكلية الآداب بالجامعة التونسية، اذ يقول: «حمل الى بريد اليوم هديتك اللطيفة ديوان «كفر أسد»، فنزعت من يدي ـ وأنا التواق الى كل نبسة من شعرك الرائق الجميل ـ كل شيء وأسلمت روحي وقلبي وسمعي وبصري لتسابيحك الفنية التي انشدتها قرية المجد والخلود، قرية كفر أسد الآمنة المبرورة، قسما بشعرك العظيم لأنك اوردتني حياض كفر أسد الصافية الزلال كما خلقها الخالق تعالى وأبدعها الرحمن، واوردتني حياض كفر أسد كما كدرتها يد الظلم والظلام فالهمتني ـ جازاك الله ـ وأنا البعيد الدار الاجلال لموتاها وذكراها، لقد قربني شعرك من القرية الموجوعة حتى لكأنني أحد أبنائها الاوفياء، حتى لكأنني أحد أعضاء مجلسها البلدي الذي رفع قصيدتك الى السماء، حتى لكأنني، بل حتى عددتني من مجندة كفر أسد ـ الديوان أنشد وأستنشد:
ووسدوا الثرى
غداة يوم أغبرا
الحب والزيتون والجسد
وظل شامخا
من فوق كل غاشم وما حشد
رأسك
يا كفر أسد
* ما هي الاسماء الشعرية التي يقف عندها الشاعر حسين خريس؟
- هناك أسماء كثيرة، ولكنني كثيرا ما أقف عند أبي نواس والياس شبكة وعمر أبي ريشة.