دور المرأة فـي بعث التراث.. بنت الشاطئ مثالا.. بقلم : يوسف سليمان

دور المرأة فـي بعث التراث.. بنت الشاطئ مثالا.. بقلم : يوسف سليمان

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 6-1-2006
No Image
دور المرأة فـي بعث التراث.. بنت الشاطئ مثالا.. بقلم : يوسف سليمان

القائمون على تحقيق التراث ونشره من الرجال - عربا ومستشرقين - جمع عظيم، وجم غفير، ولو ذهبت تعدهم وتحصي اعمالهم لاحتجت، اذن، الى صفحات طوال طوال، هي بالعمل «البيبلوغرافي» اشبه، وبه الصق.. ومما يذكر ولا ينكر، في هذا الموطن، ان جماعة المستشرقين كانوا اسبق منا نحن العرب الى اذاعة تراثنا ونشره، ولم يبخلوا في سبيل ذلك بمال، ولم يضنوا بوقت.. وقد جعلوا لذلك قواعد وضوابط اخذوا بها انفسهم على جهة الحزامة، من حيث جمع النسخ، ومعارضتها بالاصل.. الخ، حتى انهم يثبتون في «الهامش» ما هو خطأ بين لا يصح على وجه من الوجوه، وانما هو جهل ناسخ، وافساد كاتب، ثم لا يعطونك رأيا يرجحون به لفظا على لفظ، بل انهم يثبتون الخطأ الصرف في صلب الكتاب، ويكون صوابه في الاستدراك «الهامش»، وحجتهم في ذلك انهم يعتمدون اقدم النسخ عندهم، يطبعونها كما هي، واما سائر فروق النسخ فهي من حق المستدرك، وان كانت هي الصواب الذي لا صواب غيره.
وهذا - على علاته - امانة صحيحة، اذا قايستها وقارنتها بمطبوعات طلاب المال.. حروف قد جمع بعضها الى بعض على غير نظام ولا تحرير ولا فن..
ويظن الظان - لاول النظر - ان بعث التراث ونشره علم مخصوص بالرجال مقصور عليهم، ذلك انك لا تكاد ترى للمرأة في تحقيق النصوص كبير اثر، الا من خلال بعض الرسائل الجامعية، والاصل في تلك الاطروحات الدراسية، ثم يأتي نشر النصوص فرعا عنها وذيلا لها. وهي الى ذلك ساعة ثم تنقضي.. ثم انك غير واجد عند واحدة من الدراسات اعمالا خارجة عن هذه الدائرة، الا ما كان من امر اللبنانية وداد القاضي، والعراقية خديجة الحديثي، والسورية سكينة الشهابي.
ولعل إحجام النساء عن خوض هذه اللجج انما يرجع الى جهد المؤونة وعنت المكابدة التي يلقاها من يتصدى لتحقيق النصوص ونشرها، لان العمل في هذا الميدان محوج الى مراجعات كثيرة في بطون الكتب، واستنطاق المظان، ومعرفة التعامل معها، ومفاتشتها، ثم هو عمل يحتاج الى صبر ومصابرة وحسن أناة، ومران على قراءة المخطوطات، وفك معمياتها، ثم ما يكون من التعليق على النص واضاءته وربطه بالكتب التي تسبح في فلكه، او تكون منه بسبب، ثم صنع الفهارس الفنية الكاشفة لدفائن الكتاب، وكل ذلك مما لا يقدر عليه ولا يقوم به الا اولو العزم.
اما وداد القاضي، التي زاحمت كبار المحققين من الرجال، فقد تلقت اصول هذا الفن على يد استاذها واستاذنا الدكتور احسان عباس، وقد اعانته في نشر معالم «موسوعات» تراثية، مثل: «وفيات الاعيان»، «وفوات الوفيات»، و«نفح الطيب».
ومن اجود وابرز تحقيقات وداد القاضي: «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي «في عشرة اجزاء»، وكان نشر هذا الكتاب عزمة من عزماتها، اذ كان احمد امين والسيد صقر، قد نشرا منه جزءا واحدا سنة 1953 ثم توقفا عن نشره «لم اشر الى نشرة الدكتور الكيلاني، لأن البون بينهما بعيد، فشتان ما هما»، ومن تحقيقاتها ايضا: «الاجوبة المسكتة»، لابن ابي عون، و«الاشارات الالهية» لأبي حيان، و«رسالة افتتاح الدعوة» للقاضي النعمان الاسماعيلي، كما شاركت في نشر كتاب «الوافي بالوفيات» للصفدي، بتحقيق الجزء السادس عشر ونشر عن جمعية المستشرقين الالمان.
واما خديجة الحديثي، فقد نشرت «ديوان ابي حيان الغرناطي»، ثم شاركت في تحقيق «البرهان في وجوه البيان» لابن وهب الذي نشر قديما على الخطأ باسم: «نقد النثر» لقدامة بن جعفر، و«البخلاء» للخطيب البغدادي.
واما سكينة الشهابي فهي التي حققت «تلخيص المتشابه» للخطيب البغدادي، وكتاب «وجوه القرآن» لاسماعيل بن احمد الضرير، والجزء الخاص بتراجم النساء من «تاريخ دمشق» للحافظ ابن عساكر، و«المنتخب من كتاب ازواج النبي صلى الله عليه وسلم» للزبير بن بكار.
وفي دائرة الدراسات الجامعية فانك تقرأ عددا محدودا من الاسماء. ففي العراق: ابتسام الصفار، وفاطمة الراضي، وناجية ابراهيم، وفي مصر: سيدة كاشف، وفوقية حسين محمود، التي نشرت من اثار امام الحرمين الجويني: «لمع الادلة في قواعد اهل السنة والجماعة» و«الكافية في الجدل»، وهدى قراعة، التي نشرت: «ما ينصرف وما لا ينصرف» للزجاج، و«معاني القرآن» للاخفش. وفي سوريا: اسماء الحمصي، ودرية الخطيب، وفي الكويت: سهام الفريح، وفاطمة الراجحي.
وفي دنيا الاستشراق برزت - ايضا - اسماء نساء عملن في مجال تحقيق النصوص ونشرها، منهن الفرنسية جاكلين سوبليه، التي نشرت الجزء العاشر من «الوافي بالوفيات» للصفدي، وجانين سورديل، التي نشرت «الاشارات الى معرفة الزيارات» للهروي والاسبانية مانويلا ماريني، التي نشرت «كنز الفوائد في تنويع الموائد» في علم الطبيخ، لمؤلف مجهول، والصينية هدى جنهويتشي، وهي مستشرقة جادة نشرت ديوان عامر بن الطفيل نشرة جيدة، والايطالية ماريا نلينو، وقد نشرت ديوان النابغة الجعدي وهي ابنة المستشرق الكبير نلينو، صاحب «تاريخ الفلك عند العرب»، وله دراسات في تاريخ اليمن والمعتزلة، وكان مدرسا في «جامعة فؤاد الاول» - جامعة القاهرة الان.
بنت الشاطئ
للعالمة الاديبة «عائشة عبدالرحمن» الملقبة بـ «بنت الشاطئ»، في تاريخ نشر النصوص مكان ومكانة، وقد دلفت الى ذلك المجال التراثي من باب الدراسات الجامعية ايضا، ولكنها دخلت ولم تبرح، فقد اقامت اطروحتها للدكتوراة بعنوان «الغفران دراسة نقدية، مع تحقيق رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري، و«الرسالة» هذه اشهر اثار ابي العلاء، واخلدها على الزمان فجمعت اصح النسخ المخطوطة وأوثقها، ثم عرضت للنشرات السابقة من الرسالة، وكشفت عن اوجه النقص فيها، ثم قدمت نصا محررا مضبوطا، مضاء ببعض التعليقات، وازالت عنه عوادي الناس والايام، ولئن كان بعض شيوخ التحقيق قد عرضوا لعملها فيما بعد بالنقد والتحيح «اعني الاستاذ العلامة احمد راتب النفاخ، رحمه الله، الذي نشر نقداته في (مجلة مجمع دمشق) ونحلها الاستاذ الشاعر العروضي الحساني عبدالله» فسيظل لهذا العمل مكانته في خدمة تراث ابي العلاء، ثم في تاريخ المكتبة العربية كلها.
وكان المشرف على هذه الاطروحة هو الدكتور طه حسين، وقد نوقشت في الخامس من نيسان 1950م، بكلية الاداب - جامعة فؤاد الاول، واجيزت بتقدير «ممتاز»، ثم حصلت بهذا التحقيق على جائزة مجمع اللغة العربية في تحقيق النصوص.
وها هنا امران لا بد من بيان القول فيهما، لما نراه الان من اضطراب وتخليط في امر تحقيق النصوص:
الامر الاول: ان بنت الشاطئ لم تقدم على تحقيق «رسالة الغفران» الا بعد ان لابست المعري، وخبرت حياته ونفسيته، وعرفت لغته وملاحن القول عنده، وقد اخبرتنا انها عرفت «رسالة الغفران» إبان الطلب والتحصيل حين قرأتها مع استاذها طه حسين بالجامعة، في طبعة «امين هندية» وهي طبعة غير محررة، ثم كانت ثمرة هذه المخالطة ثلاثة اعمال حول ابي العلاء: «الحياة الانسانية عند ابي العلاء» «مع ابي العلاء في رحلة حياته»، «ابو العلاء المعري» كتبتها باسلوب عذب ندي، يترقرق فصاحة وصفاء واشراقا.
الامر الثاني ان بنت الشاطئ خاضت لجة هذا البحر، وهي مؤمنة بقضية التراث العربي، وواجبنا نحو ابرازه وكشفه واضاءته، لتقوم عليه الدراسات الصحيحة، فلا تتصور دراسة صحيحة مع غياب النص المحرر المضبوط.
وهناك نفر ممن يشتغلون بنشر النصوص وهم لا يؤمنون بذلك الارث العظيم، بل يسخرون منه اذا انقلبوا الى اهليهم، واذا خلوا الى شياطينهم اذا هم يستهزئون وما كانوا ليخطوا سوادا في بياض لولا الضرورة الملجئة من مغنم او مغرم، ولولا مآرب اخرى لا يعلمها الا الله.. والراسخون في العلم.
ولقد عادت بنت الشاطئ مرة اخرى الى صاحبها ابي العلاء، فنشرت له اثرا غاليا من تراثه، وهو كتاب «الصاهل والشامج» ويتكلم فيه ابو العلاء، على لسان فرس وبغل، وقد قدمت بنت الشاطئ لتحقيق هذا النص بدراسة ماتعة، شملت مدخلا تاريخيا، واخر موضوعيا، ثم قارنت بين كليلة ودمنة والصاهل والشامج.
ثم انصرفت بهمتها الى قضية توثيق المرويات النقلية التي وصلت الينا في اول الامر شفاها الى عصر التدوين، فقد تعرضت هذه المنقولات لهزات من الشك عنيفة، وبخاصة ما يتصل بقضية الشعر الجاهلي، والقول بانتحاله ووضعه بعد ظهور الاسلام، وهي القضية التي ازعجت الجلة من علمائنا «الرافعي والخضر حسين، محمود شاكر»، وقد رأى هؤلاء الافاضل ان التسليم بالشك في الشعر الجاهلي مفض - لا محالة - الى الشك في مرويات اخرى جاءتنا مشافهة، كنصوص السنة والسير والمغازي، وعلوم الاسلام كلها.
وقد وجدت بنت الشاطئ ضالتها ومفزعها عند علماء الحديث، فيما اصلوه من قواعد منهج توثيق المرويات، والفحص عن اسانيدها، ونقد مصادرها، ثم وقفت عند كتاب واحد من كتب علوم الحديث، فرأته جديرا بالنظر والخدمة والتحقيق، ذلك هو «مقدمة ابن الصلاح»، المتوفى سنة «643 هـ» وقد رأت في هذا الكتاب مجلى ذلك العلم، فنهدت لنشره نشرة علمية، فجمعت منه اصولا خطية موثقة جيدة، ثم صدرته بمقدمة محكمة، ابانت فيها عن مناهج المحدثين ومسالكهم في البحث والنظر.
ومن اعمال بنت الشاطئ التراثية ايضا تحقيق الجزء الثالث من «المحكم في اللغة» لابن سيده.. فهذه نصوص اربعة من اصول علومنا، نهضت بها بنت الشاطئ، تحقيقا وضبطا، مع تأليفها لكتاب نافع، هو «تراثنا بين ماض وحاضر»، ولولا اشتغالها بالتدريس والتأليف لكان لها في ميدان تحقيق النصوص اثر كبير.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }