القول إن «بابلو بيكاسو» قد هيمن على عالم الفن الغربي في القرن العشرين أصبح الآن من المسلمات التي لا يطرحها أحد للنقاش.
قبل عيد ميلاده الخمسين كان الإسباني من مدينة ملقة قد أصبح نموذجا يحتذى كرمز للفن الحديث، حيث لم يحظ رسام بمثل هذه الشعبية في حياته. فلم تتجاوز شعبية كل من «تيتيان» أو «بلزاك» مثلا بضعة ألاف من ضمنهم الملوك،الأمراء، النبلاء والطبقة المثقفة في أوروبا؛ بينما تجاوز عدد من سمع عن أعمال «بيكاسو» وشاهدها العشرات إن لم يكن مئات الملايين.كما كانت شخصيته وأعماله وما تزال مثار تحليل وإشاعات وكره وإعجاب لا متناه.
كان «بيكاسو» رجلا موسوسا وساخرا، تعامل مع أبنائه بلا أبالية، بينما كان متوحشا في التعامل مع النساء في حياته وكان يحتقر الفنانات من النساء على وجه الخصوص عبارته الشهيرة «النساء إما الهة أو خادمات» أكسبته عداوة التيار النسوي،ولكن شخصيته الساحرة جعلت النساء ينجذبن إليه.
يعتبر «بيكاسو» محظوظا في الإطار السياسي، وبالرغم أن النازيين اعتبروا أعماله قمة الانحطاط،إلا أن شهرته وفرت له الحماية إبان الاحتلال الألماني لباريس التي كان يقيم بها في ذلك الوقت، وبعد الحرب عندما سادت موجة من احتقار الناس للكتاب والفنانين نتيجة لتأثير النازية أهدى «بيكاسو» إحدى لوحاته لجوزف ستالين، الأكثر دموية من هتلر نفسه ولم يتم نقده بجدية حتى في أميركا زمن الحرب الباردة.
لم يحظ أي رسام أو نحات، حتى «مايكل أنجلو»، بمثل شعبية «بيكاسو» في فترة حياته، وربما لن يقاربها أحد على الإطلاق في زمن انتقل فيه إنتاج الصورة من الرسم والنحت إلى وسائل اتصال أخرى مثل التصوير والأفلام والتلفاز.
بالرغم من أن «مارسيل ديشامب» الذي يعد مقلدا في إطار الفن الساخر قد دام تأثيره على الفن أكثر بثلاثين عاما من بيكاسو إلا أن «بيكاسو» كان الرابح الأخير من الاعتقاد أن لغة الرسم والنحت كانت مهمة للناس أكثر من المتخصصين، وقد كان الفنان الأول الذي استمتع بالاهتمام الكثيف بشخصه من مختلف وسائل الإعلام ؛ وربما وقوفه بين عالمي الإعلام والفن، وتغييره المستمر لأسلوبه ومخاطرته المستمرة؛ لما كان تلك الشخصية الجدلية الشهيرة.
في عالم فن اليوم الخالي من الشخصيات الثقافية البطولية، يصعب تخيل ظهور مثل هذه الشخصية متعددة المواهب، فقد كان نتاج «بيكاسو» ضخما. ولا تعتبر هذه ميزة بحد ذاتها، فالقليل من أعمال الفنان الألماني «جوهانس فيميير» والروسي «فان ايزك» ما زالت موجودة ولكنها دخلت التاريخ بنفس قوة أعمال «بيكاسو»، بالرغم من ذلك فقد ملأت أعمال «بيكاسو» العالم، وترك هذا الفنان علامة فارقة في كل المجالات التي دخلها ، وقد توسعت أعماله بشكل مطرد حتى وفاته.
كان «بيكاسو» يعتبر مرجعا لغيره من الفنانين، وقد ألهم وشارك في معظم الحركات الفنية في القرن العشرين، والتكعيبية من المدارس التي شارك في تأسيسها بالتعاون مع «جورج بريخت» والتي أثر من خلالها على الأعمال الأولى للرسامين التعبيريين الأميريكيين من أمثال «أرشيل جوركي»، «جاكسون بولاك» و«ويليم ديكوننج».
النحت الحديث يرتبط بإذابة وتركيب الرقائق المعدنية لتشكيل الصور،التشكيل في البرونز أو النحت في الخشب،بدون استخدام الطين. والتقليد المتعلق بالتشكيل الفني المفتوح ظهر عندما قام «بيكاسو» بتكسير وإعادة ربط جيتار بواسطة خيوط معدنية عام 1912.
إذا أصبح تجميع الأشياء غير المترابطة باستخدام الصمغ اتجاها أساسيا في الفن الحديث، فإن الفضل في ذلك يعود إلى التعاون بين تكعبية «بيكاسو» و«براخ».
لم يكن «بيكاسو» يوما عضوا في المجموعة السريالية،ولكن في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي صمم بعض الأعمال السريالية الخارجة عن المألوف في رسم الجسد وكانت تلك الأعمال غير منطقية بشكل عنيف، صور إباحية تجسد الحب الجنسي وغريزة الموت المرتبطة بالفن التشكيلي.
لم يكن «بيكاسو» رساما واقعيا، ولا يمكن اعتباره بمثابة مرشد أخلاقي، ولكن بالرغم من ذلك لا زالت لوحة «غورينكا» من أقوى اللوحات تأثيرا في الفن الحديث على الصعيد السياسي بالتنافس مع بعض أعمال الفنان المكسيكي «ديجو ريفيرا».
لم يكن «بيكاسو» فيلسوفا أو عالم رياضيات، ولكن أعماله المشتركة مع «براخ» بين أعوام 1911-1918 ساهمت بشكل واضح في جعل مفكرين مثل «إينستيان» و«ألفرد نورث» يتبنون فكرة أن الحقيقة لا تتعلق بالشكل والمضمون، بل بالعلاقات المتداخلة بين الأشياء.
قبل أن يولد أي من فناني البوب، أدرك «بيكاسو» جاذبية تعدد الثقافات، وكيف يمكن تجديد الفن من خلال اللغة اليومية المستخدمة من قبل الناس العاديين، التكعبية كانت صعبة القراءة وغامضة ولكنها بقيت اللغة الأكثر تأثيرا في بدايات القرن العشرين،ولأن «بيكاسو» أرد أن يميز نفسه عن معاصريه، فقد اتجه إلى النقيض من الماضي الكلاسيكي من خلال لوحاته التي رسم فيها النساء الضخمات والمتوسطات الحجم بدلا من النساء النحيفات والقصيرات.
مزاجه الكلاسيكي، والذي سيعود إليه طوال أربعة عقود، يمكن اعتباره مؤشرا على لاستقلالية أيضا، وبعد انتهاء شراكته مع «براخ» قال عبارته الشهيرة «أرى براخ مثل زوجتي» تلك العبارة التي كانت مدمرة لبراخ كما للنساء بعدها ظل «بيكاسو» وحيدا باقي حياته العملية، ولكن اخترق هذه الوحدة مجموعة من أتباعه المخلصين، حتى أنه لم يصادق الفنان «ماتيس » إلا في مرحلة متأخرة من عمره وكانت علاقته الحميمة مع الشعراء والكتاب.
بالرغم من اعتباره مثالا للفنان المعاصر، إلا أنه كان «بيكاسو» منفصلا عن الكثير من الفنون المعاصرة، فبعض الفنانين المعاصرين العظام مثل «كانديسكي» أو «موندريان» وصفت أعمالهم كمعزوفة للتطور والرقي البشري، ولكن بيكاسو لم يكن له لون طوباوي محدد مثله مثل نظيره الأسباني «غويا».
«كل ما فعلته هو من أجل الحاضر، وأتمنى أن يبقى للزمن الحاضر،عندما وجدت شيئا لأعبر عنه قمت بذلك من دون التفكير في الماضي والمستقبل».كانت هي هذه إحدى عباراته في هذا السياق،ومن المثير للاهتمام أنه وقف ضد اعتقاد الفنانين التعبيريين الذين يرون أن العمل الفني يكتسب قيمته من خلال كشف الحقيقة وخفايا الشخصية.
«كيف يستطيع أي كان أن يدخل أحلامي وغرائزي ورغباتي ويستنتج من خلالها حقيقتي رغما عني»! قالها «بيكاسو» متعجبا.
الهدف من الفن كما يرى «بيكاسو» هو تحقيق الحرية المطلقة من تفسير الذات،بالنسبة لبيكاسو كانت فكرة أن الرسم هو الذي يستخدم الرسام تعني أن الفن لا يخضع للمحددات الاجتماعية؛ مثل هذا الشعور القوي لم يكن واضحا عند الفنانين المعاصرين ؛ لا «ماتيس» ولا «موندريان» وبالتأكيد ليس «باروخ».
استندت أعمال «بيكاسو» على الرغبة والأحاسيس، لم يكن هدفه تحقيق الانسجام ولكن الوصول إلى ذروة التعبير عن المشاعر، التي عبر عنها من خلال الاستخدام المكثف لقوة الفن التشكيلي مشعرا المتلقي بحساسية العلاقة بين الأشياء من خلال تناغم الرسم بشكل إيقاعي.
لم يكن «بيكاسو» متميزا في استخدام الألوان مثل «ماتيس» و«بيير بونارد»، ولكن من خلال التشبيه كثف الكثير من الطبقات لإحداث ومضات من الرؤى، في إطار هذه العملية عاكس إحدى خصائص الفن المعاصر؛ حيث رفضت حركة الفن المعاصر السرد من خلال الأعمال الفنية وأعطت الأهمية للنسق العام للعمل وتراتبيته فيما أعاد «بيكاسو» خاصية السرد بشكل متنكر من خلال السرد الخيالي الذي يتم من خلال الاستعارة والتشبيهات واستخدام المعاني المتناقضة.
العنصر الأقوى بعد ظهور التكعيبية هو الجنس، حيث استحوذ ظهور المرأة العارية على عالم لوحات «بيكاسو» خصوصا بعد العام 1920 الذي بدا مرتبطا بأجسام النساء العاريات، حيث أسقط عليهن مشاعر مختلفة من الإباحية الحالمة إلى الشهوانية الممجوجة بشكل لم يسبقه إليه أي من الفنانين الغربيين. وقد قام بذلك من خلال إعادة تشكيل الجسد بما يتلاءم مع عقليته الاستحواذية ورهبته تجاه الجنس.
ليس هناك اختلاف كبير بين النقاد بأن أروع أعمال «بيكاسو» جاءت عبر الثلاثين عاما التي امتدت بين 1907-1937 ولكنه لم يفقد أهميته بعد ذلك ؛ فعبر سنوات الحرب والخمسينيات وفي فترات في عقدي الستينيات والسبعينيات أنتج لوحات ومطبوعات لها اعتبارها.
في سنين حياته الأخيرة اتسمت أعماله بالإساءة والاستحواذ، وكأن الإبداع الفني قادر على أن يمنع الموت وهو ما لم يحصل، وقد تركت وفاته الناس بمشاعر مختلطة من الحزن والأسى والشوق لهذا الفنان المتفرد الذي لا تستطيع اليوم موهبة في عالم الفن أن تجاريه.
المصدر Time Magazine