7. التناص.. ونظرية الانتحال
اعتمد طه حسين في كتابه (في الشعر الجاهلي، 1926)، وهو أشهر تطبيقاته وثمرة تأثره بالمنهج التاريخي التفسيري الذي تعلمه في السوربون، عند لانسون وسينيوبوس، مثلما استخدم فكرة الشك العامة عند ديكارت، لكنه يبالغ في الحديث عن وجود منهج واضح المعالم لديه، إلا بمقدار اختلافه الفعلي عن الحالة الأزهرية في قراءة الشعر الجاهلي، تلك القراءة (الأزهرية) التي تجمع ولا تحلل، تستسلم لآراء القدامى، فتنقلها كما هي دون جدل معها. هنا يتميز طه حسين، حين يتجرأ على تجريب الرأي الآخر المناقض للحالة الأزهرية السائدة في كتابات أوائل القرن العشرين. هكذا يرمي طه حسين بشكل مفاجئ هذه النتيجة التي توصل إليها في الكتاب، منذ الباب الأول في كتابه (في الشعر الجاهلي) وهذه النتيجة هي: (أول شيء أفجؤك به، هو أني شككت في قيمة الشعر الجاهلي وألححت في الشك، حتى انتهى بي هذا كله إلى شيء، إلا يكن يقينا، فهو قريب من اليقين. ذلك أن الكثرة المطلقة، مما نسميه شعرا جاهليا، ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم، أكثر مما تمثل حياة الجاهليين. وأكاد لا أشك في أن ما بقي من الشعر الجاهلي الصحيح، قليل جدا، لا يمثل شيئا، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة للعصر الجاهلي) (60).
وبالتالي فإن طه حسين يرى أن أشعار: امرئ القيس، طرفه، عمرو بن كلثوم، عنترة، مثلا، ليست في معظمها لهؤلاء الشعراء، وإنما هي من انتحال الرواة أو اختلاف الأعراب، أو صنعة النحاة، أو تكلف القصاص، أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين. هذا هو جوهر نظرية انتحال الشعر الجاهلي عند طه حسين. وقد سبق طه حسين، إلى نظرية الانتحال، محمد بن سلام الجمحي في كتابه (طبقات الشعراء)، كما سبق إليها من المحدثين، المستشرقون، ومنهم «كليمان هوار» في المجلة الآسيوية سنة 4081م، الذي اكتشف شعر أمية بن أبي الصلت، كما أشار طه حسين نفسه إلى ذلك. كذلك أشار إلى نظرية الانتحال قبل طه حسين، زميله في السوربون، أحمد ضيف. ونحن نرى أن فكرة الشك في الشعر القديم، موجودة بوضوح في الموروث النقدي المكتوب عن (السرقات الأدبية). فنظرية الانتحال إذن، ليست من اختراع طه حسين، لكنه يتميز بتوسيع مناقشة وتحليل الفكرة في كتاب كامل، في مقابل أن من سبقوه، قدموا إشارات عابرة. كما يتميز عنهم باستفادته من المنهج التاريخي بطرائقه المعهودة في القراءة والربط والتحليل والتأويل.
ثم يلقي طه حسين بفكرته الجديدة الثانية، وهي أن الحياة الجاهلية، لا نجدها في الشعر الجاهلي، بل نجد صورة هذه الحياة الجاهلية، متوافرة في القرآن من جهة، والتاريخ والأساطير من ناحية أخرى. وهو يرى أن المسلمين القدامى المخلصين في حب الإسلام، أخضعوا الأدب والفن في نقدهم، بما يتلاءم مع عدم التناقض مع الإسلام: (لا أنكر الحياة الجاهلية، وإنما أنكر أن يمثلها هذا الشعر الذي يسمونه الشعر الجاهلي ... فإذا أردت أن أدرس الحياة الجاهلية، فلست أسلك إليها طريق الشعر الجاهلي، وإنما أسلك إليها طريقا أخرى، وأدرسها في نص، لا سبيل إلى الشك في صحته، أدرسها في القرآن. فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي) (61).
ثم يشرح طه حسين فكرته عن الشك في اللغة الجاهلية، حيث كانت العرب القحطانية في اليمن، تتكلم اللغة العربية، بينما كانت العرب العدنانية في الحجاز، قد اكتسبت العربية اكتسابا، وأن الشعر الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية، ولا يمكن أن يكون صحيحا، وأن هذا الشعر الذي يضاف إلى القحطانية قبل الإسلام، ليس من القحطانية في شيء، لم يقله شعراؤها، وإنما حمل عليهم بعد الإسلام.
ثم يواصل طه حسين، التشكك من زاوية اللهجات العربية، فهو يرى أنه كان للقبائل العدنانية لهجات ولغات مختلفة، وهو يفترض أن اختلاف اللهجات، كان يمكن أن يظهر في الشعر الجاهلي، لكن المعلقات السبع تبدو موحدة اللغة، لهذا يتساءل: (نحن بين اثنين: إما أن نؤمن بأنه لم يكن هناك اختلاف بين القبائل العربية من عدنان وقحطان، وإما أن نعترف بأن هذا الشعر، لم يصدر عن هذه القبائل، وإنما حمل عليهما حملا بعد الإسلام، ونحن إلى الثانية، أميل منا إلى الأولى) (62). أي أن الإسلام كما يرى طه حسين، قد فرض على العرب جميعا لغة عامة واحدة، هي لغة قريش. لهذا التزمت هذه القبائل بهذه اللغة الجديدة في شعرها ونثرها. وبالتالي فإن الشعر الجاهلي الذي جاء موحد اللغة، كتب بعد الإسلام وليس في الجاهلية، حيث اختلاف اللغات واللهجات.
ثم ينتقل طه حسين إلى شرح (أسباب انتحال الشعر)، ونلخص هذه الأسباب، بما يلي:
1. السبب السياسي: يرى طه حسين أن المسلمين ظلوا بعد الإسلام، أهل عصبية وأصحاب مطامع ومنافع، فهم مضطرون إلى أن يرعوا هذه العصبية، ويلائموا بينها وبين منافعهم ومطامعهم، والإسلام الذي يعتزون به. وهو يشير إلى الخصام بين مكة والمدينة بعد الهجرة، حيث وقف شعراء الأنصار وشعراء قريش، يتهاجون ويتجادلون، يدافع كل فريق عن أحسابه وأنسابه. وبالتالي تمت عملية الحذف والإضافة والانتحال، لأن العرب لم تكن تكتب شعرها، وإنما كانت ترويه.
2. السبب الديني: يرى طه حسين أن السبب الديني أيضا، ترك أثرا في تكلف الشعر وانتحاله، وإضافته إلى الجاهليين، وهو يقول إن عصر الانتحال المتأثر بالدين، ربما ارتقى إلى أيام الخلفاء الراشدين أيضا، إضافة للانتحال في العصر الأموي. فالرواة أضافوا شعرا كثيرا إلى تفسير ما يجدونه في القرآن من أخبار الأمم البائدة. كذلك يشير طه حسين إلى الخصومات بين النقاد، بسبب محاولتهم استعراض مدى معرفتهم بالشعر والقرآن، كذلك الجدل في الدين بين المسلمين وغير المسلمين. وهو يناقش المستشرق كليمان هوار حول شعر أمية بن أبي الصلت، ويعلن شكه في صحة هذا الشعر، لأنه جاء من طريق الرواية. كما يصرح بشكه في شعر السموأل بن عادياء، وعدي بن زيد، وينفي صحة قصة السموأل مع امرئ القيس.
3. السبب القصصي: يرى طه حسين أن تأثير القصص، كان سببا في انتحال الشعر وإضافته للقدماء، وأن هذا القصص كان يستمد قوته من مصادر مختلفة، هي: مصدر عربي هو القرآن، ومصدر يهودي ذ نصراني، ومصدر فارسي، ومصدر مختلط، هو هذا الذي يمثل نفسية العامة غير العربية من أهل العراق والجزيرة والشام من الأنباط والسريان. هذه القصص ذ يقول طه حسين ذ مليئة بالأشعار المنحولة: (إن مؤرخ الآداب العربية، خليق أن يقف موقف الإنكار الصريح ذ أمام هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين، والذي هو في حقيقة الأمر، تفسير أو تزيين لقصة من القصص، أو توضيح لاسم من الأسماء، أو شرح لمثل من الأمثال) (63).
4. الشعوبية: يرى طه حسين أن الشعوبية، حملت الفرس على انتحال الأشعار والأخبار،وأكرهت العرب على أن يقابلوا الانتحال بمثله. ويستشهد بما ورد في كتاب الجاحظ (البيان والتبيين)، ويضيف طه حسين: (ولعلك تلاحظ أن الكثرة المطلقة من العلماء الذين انصرفوا إلى الأدب واللغة والكلام والفلسفة، كانوا من العجم الموالي)(64).
5. الرواة: يرى طه حسين أن _ حماد الراوية، وخلف الأحمر، وأبا عمرو الشيباني، قد اشتهروا بانتحال الأشعار، بل إن عمرو بن العلاء والأصمعي، اعترفا بوضعهما الأشعار. أما حماد الراوية (الكوفة) وخلف الأحمر (البصرة)، فيقول طه حسين: (كان كلا الرجلين، مسرفا على نفسه، ليس له حظ من دين ولا خلق ولا احتشام ولا وقار. وكان كلا الرجلين، سكيرا فاسقا مستهترا بالخمر والفسق) (65). وشهد الناس على أكاذيبهما.
- ويختتم طه حسين أسباب الانتحال، بالإشارة إلى أن الانتحال، كان حقيقة موجودة لدى القدامى، ولا يسلم منه المعاصرون: (فأنا لا أقدس أحدا من الذين يعاصرونني، ولا أبرئه من الكذب والانتحال، ولا أعصمه من الخطأ والاضطراب) (66). ثم يقدم طه حسين تطبيقات على الانتحال: (امرؤ القيس ذ عبيد بن الأبرص ذ علقمة الفحل ذ وعمرو بن قميئة ذ مهلهل بن ربيعة ذ جليلة- عمرو بن كلثوم ذ الحارث بن حلزة ذ طرفة بن العبد ذ المتلمس).
- وفي خاتمة كتابه (الشعر الجاهلي)، يقدم طه حسين ملاحظتين:
أولا: يرى طه حسين أن أقدم الشعراء، يمنيون أو ربعيون، وأن وما يروى من أخبارهم، يدل على أن قبائلهم، كانت تعيش في نجد والعراق والجزيرة، أي في البلاد التي تتصل بالفرس، والتي كان يهاجر إليها العرب من عدنان وقحطان على السواء. وإذا ذ يضيف طه حسينذ فهو يرجح أن هذه الحركات، دفعت أهل اليمن وأهل الحجاز إلى العراق والجزيرة ونجد، في عصور مختلفة، لكنها لا تكاد تتجاوز القرن الرابع الميلادي، حتى نشأت نهضة أدبية وعقلية، نتيجة اختلاط هذين الجنسين العربيين (عدنان وقحطان)، فيما بينهما، ونشأت من اتصالهم مع الفرس. ومن هذه النهضة نشأ الشعر. وقد ذهب هذا الشعر، ولم يبق منه شيئا. ولكن مع مجيء القرن السادس الميلادي، وصلت هذه النهضة إلى الحجاز. ومن هنا ظهر الشعر في - مضر وبلاد الشمال. وقد أدرك شعراء مضر، الإسلام.
ثانيا: إن هذا الشك في صحة الشعر الجاهلي، لا ضرر منه، كما يرى طه حسين، وخير للأدب العربي أن يزال منه في غير رفق ولا لين، ما لا يستطيع الحياة ولا يصلح لها. وهو ليس يخشى على القرآن من هذا النوع من الشك والهدم، فهو يخالف أشد الخلاف، أولئك الذين يعتقدون أن القرآن في حاجة إلى الشعر الجاهلي، لتصح عربيته، وتصح ألفاظه. لهذا يطالب طه حسين بالاستدلال بنصوص القرآن على عربية هذا الشعر، لا بهذا الشعر على عربية القرآن (67).
وفيما يلي نقدم بعض الملاحظات:
أولا: الانتحال هو نوع من أنواع السرقة الأدبية، وهو أن يأخذ الشاعر، أبياتا أو قصيدة لشاعر آخر وينسبها لنفسه. أو أن يكتب الشاعر أبياتا أو قصيدة له، ثم ينسبها لشاعر مشهور لكي تنتشر بين الناس، وقد يستعيدها. ويصل الانتحال إلى درجة الاغتصاب، فعندما عاتب معاوية، عبد الله بن الزبير على سرقته أبياتا لمعن بن أوس، قال ابن الزبير: إنه أخي من الرضاعة، وأنا أحق بشعره. فالانتحال نوع من أنواع (التلاص)، وهو أحيانا يقل عن ذلك بسرقة المعنى فقط، أو سرقة اللفظ فقط، عندئذ يصبح ذ تناصا. وكانت القبائل تسرق شعر شعراء غيرها من القبائل، لتستقوي به، وقد أشار إلى الانتحال محمد بن سلام الجمحي، الذي ذكر سببين للانتحال، هما: السبب السياسي (العصبية)، وسبب الرواة الذي كانوا يضيفون ويحذفون وينسبون القصائد والأبيات لغير صاحبها. كما قد يكون الانتحال أعلى درجة من درجات التقليد.
ثانيا: بتأثير المنهج التاريخي التفسيري الذي تعلمه طه حسين في فرنسا، إضافة لفكرة الشك الديكارتية العامة، مارس طه حسين هذا المنهج بأعلى تجلياته في كتابه (في الشعر الجاهلي)، وهو يضيف إلى هذا المنهج اللانسوني، الجانب الذوقي الشخصي: (أنا أعلم أن من العسير جدا أن يخلص المؤرخ ومؤرخ الأدب بنوع خاص من عواطفه وشهواته، ومن ميوله وأهوائه، ومن ذوقه في الأدب والفن، فهو خليق أن يخضع لهذا كله، قليلا أو كثيرا) (68)، وهو هنا يكرر نفس كلام لانسون.
ثالثا: قام طه حسين بتوسيع نظرية الانتحال، بنقلها من مجرد إشارات إلى نظرية. وهذه النظرية بالنسبة للشعر الجاهلي عند طه حسين، قد تكون صحيحة تماما، وقد تكون خاطئة تماما، وهي تشبه إلى حد كبير نظرية كمال الصليبي في كتابه (التوراة جاءت من جزيرة العرب). فقلة المعلومات التاريخية واللغوية والجغرافية، تعيد أي طموح نظري، نحو نقطة الصفر، أي ذ في حالة طه حسين ذ نحو نظرية (السرقات) في الموروث النقدي، ونحو مفهوم الانتحال عند الجمحي، ونحو تشكيك بعض المستشرقين في بعض القضايا المرتبطة بالثقافة العربية القديمة، مع توسيع طه حسين لهذه الأفكار توسيعا منهجيا. فنحن لا نستطيع أن ننفي ظاهرة الانتحال وأسبابها كوجود واقعي في الموروث، لكن الشك يبقى قائما في نظرية طه حسين، في شكه بصحة (الشعر الجاهلي). ومع هذا كله، فقد فتح طه حسين طريقا جديدا جريئا في معالجة الموروث.
8. خلاصة
بدأ طه حسين من التراث، فاهتم بنظرية الصراع بين القديم والجديد التي كانت شائعة في مرحلته الأزهرية. ثم انتقل إلى باريس، ليتعلم المنهج التاريخي التفسيري الذي كان شائعا في التعليم الجامعي الفرنسي، ثم أخذ فكرة الشك الديكارتي التي لم تصل إلى مستوى المنهج التطبيقي، فولد التناص امنهجي لديه الذي كان يعني آنذاك، أنه كان يطمح إلى تجاوز التعليم الأزهري للأدب، فأجرى مقارنات أدبية بين أعمال أدبية عربية وأدباء عرب وبين بعض الأدباء الأوروبيين والكتابات الأوربية، ارتكزت على المفهوم التقليدي الفرنسي في مقارنة الموضوعات وسير الأدباء. وساند الأدب الفرانكوفوني النسوي العربي. وأعلن عشقه لباريس والثقافة الفرنسية، إضافة للثقافة اليونانية، باعتبارها جذرا للثقافة الأوروبية.
ومن هذه الفكرة تولدت لديه معتقدات فكرية جديدة مثل: فكرة المتوسطية، وفكرة مركزية الدولة المصرية التي نشأت ربما من إعجابه بالمركزية الأوروبية، لكنه لم يكن مركزيا في الأدب، لأنه كان يعرف أن عنصر الفردية، يحكم الأدب أحيانا. كذلك آمن بالتعددية اللغوية وضرورة تطبيقها في التعليم المصري، لكن طه حسين، وظف التناص المعرفي في أشهر كتبه، أي (في الشعر الجاهلي).
وإذا نظرنا إلى زمن كتابات طه حسين في النصف الأول من القرن العشرين، فقد خلخلت هذه الكتابات، الفكر النقدي في مصر والبلدان العربية، بسبب حداثتها وجرأتها الفكرية المتأثرة بكتابات المستشرقين. ومن هنا أعطى طه حسين، شرعية للتفاعل الثقافي مع الآخر، بشتى أشكاله، حتى في مجال قراءة الأدب العربي في الجامعات الأوروبية بمنهجية أوروبية. وهذا ما أعطى أيضا شرعية لتدريس الآداب الأجنبية، وتدريس الأدب المقارن، وتعلم اللغات الأجنبية في الجامعات المصرية. وإضافة إلى ذلك، أعطى طه حسين، شرعية للتجديد والتحديث، من خلال مقولته حول ضرورة قراءة (الثابت والمتحول) في الثقافة العربية. ويمكن بوضوح أن ندرج طه حسين في إطار (النقد الثقافي المقارن).