جعفر العقيلي - يقارب الشاعر والناقد د.عز الدين المناصرة بين مصطلحَي النقد الأدبي المقارن, والنقد الثقافي المقارن, بجعلهما حقلين متكاملين, موضحاً في مقدمة كتابه النقد الثقافي المقارن.. منظور جدلي تفكيكي الذي صدر مؤخراً بدعم من وزارة الثقافة, عن دار مجدلاوي للنشر والتوزيع, أن مصطلح النقد الثقافي المقارن يشمل النقد الأدبي المقارن والمثاقفة, وذلك بقراءة النصوص الأدبية والنصوص الثقافية, وفق آليات: التناص, والتلاص, والتعددية, والحوار, والاختلاف, والتفاعل, والعنكبوتية, والتشعب, بالاستفادة من مناهج العلوم الإنسانية والفنية, على أن يتم تحديد دائرة النص ومحيط النص الممكن, وتحديد الإشعاعات التي ينتجها النص دون التوسع في تداعيات خارجية, أي بضبط الحدّ الثقافي للنص, سواء أكان أدبياً أم ثقافياً, حتى لا يفقد هويته.
ويقترح المناصرة مصطلحَ علم التناصّ المقارن بديلاً لمصطلح علم الأدب المقارن, رغم سطوة المصطلح الأخير وشيوعه. منطلقاً في ذلك من أن فكرَتَيّ التناص والتلاص هما المدخل المناسب للنقد المقارن, حيث يشتمل علم التناص المقارن في داخله على مصطلح التلاصّ الذي قام المناصرة بنحته عام ,1989 وثبّته في كتابه الشعريات, 1992, ثم قام لاحقاً بمعالجة علاقة التناص بالتلاص, وبتطوير مفهوم التلاص, بعد أن وجد أن مفهوم السرقات الأدبية في الموروث, كان مفهوماً خاطئاً, لأن الواقع النقدي في الموروث, كان يعني: التناصّ والتلاصّ معاً.
ويرى المناصرة في الفصل الأول من الكتاب الضخم (750 صفحة من القطع الكبير), والذي جاء بعنوان تفاعل المراكز والأطراف.. المثاقفة: الإحساس بالعالم والتلذذ بالتبعية, أن المثاقفة, من وجهة نظر عالمية التحديث الموجّه, تحمل في داخلها مخاطر التغريب, وفرض النمط الواحد والرأي الواحد, ليبقى النص الأدبي والنقد الأدبي والنقد الثقافي وغيرها, بعيدة عن أي شرط مثالي لانفتاح مثالي خيالي. وأن البنى الأيديولوجية المسيطرة هي التي تفرض وجهة نظرها النقدية الواحدة بقوتها الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية, والنص الأدبي ليس بعيداً عن هذا التغريب, مثلما أن سيطرة لغة ما, تؤثر إلى حد كبير, في انتشار أدبها وجعله هو النموذج.
وبعد أن يستعرض آراء عدد من المفكرين والأدباء حول رؤية العالم, يرى أنها آراء متناقضة, حيث الفهم الشكلي والفهم الجدلي يتجاوران ويتصارعان ويتصالحان, مشيراً إلى أننا في العالم العربي أمام نموذجين لرؤية العالم; الأول تقني, والثاني سلفي, وفي النهاية يلتقي التحديثي مع السلفي في الوظيفة من حيث نفي الذات. فهما يختلفان في طرق وأساليب تأويل العالم فقط, لكنهما يخدمان هدفاً واحداً, هو تكريس سلطة الدولة القطرية التابعة لمراكز القوى الرأسمالية العالمية.
فالسلفي, حسب المناصرة, يرفض التعرف إلى الآخر أو حتى الاعتراف بوجوده كواقع موضوعي, ينبغي مواجهته أو محاورته, والسلفي يصر على تأطير الماضي كنموذج ثابت, وهو بهذا يساهم في التقوقع حول الذات الماضوية المغلقة, وهو في ذات الوقت, يعتمد أحد عناصر الوعي الغرائزي مستغلاً الأمية الطافحة في العالم العربي, لتكريس العناصر الميتافيزيقية في الفكر باعتبارها مقدسة غير قابلة للمناقشة, وهو مع ذلك يلتقط قشور الشكل التحديثي, إذا كان غير مناقض للدين, وقد انعكس هذا الفهم على النص الأدبي والثقافي, إذ لا يمكن عزل السياسي عن الثقافي ما دام هذا السياسي جوهر ذلك الثقافي.
أما التيار التقني, كما يشير المناصرة, فهو يغتصب الحداثة وينسبها لنفسه, لأنه يقدم مجرد ترجمة حرفية للنموذج الأورو-أميركي, مع إضفاء صفة (الحداثة والجدة) عليه, فالتيار التقني يرى أن المسألة هي مسألة شكل, ولهذا فهو يلجأ إلى التجريد هرباً من أمثلة الواقع لكي لا يتناقض مع سلطة الدولة التابعة القطرية التي ينتمي لها, ويقيم صلة مع هذه السلطة لتبرير التبعية بوسائل جديدة جداً, ولكنها وسائل تكريس التبعية, لأن التيار التقني لا ينتجها, بل هو أحد عبيدها, ومن هنا كان البحث لديه عن بنيات مطلقة تحكم رؤية العالم من أجل توحيد نظرة العالم قسراً.
ويؤكد المناصرة على أن مفهوم المثاقفة ما يزال مفهوماً أورو-أميركياً, يعمل لصالح طرف واحد هو المركزية الأورو-أميركية الأدبية والفكرية, وهو مفهوم يتمحور حول مفاهيم فرعية تدور حول مقولات تحضير المتوحش, نهب الأرض المتخلفة,... ورغم ظهور عدد من الأصوات الأوروبية التي طالبت نظرياً بالانفتاح على الثقافات الأخرى من وجهة نظر تجميل العالمية, إلا أنها حصرت هذه الثقافات الأخرى في مجال موحد: (الشرقية, السلافية, الإفريقية, الصينية), بحيث تبقى صفة )الأخرى) لاصقة بها.
وفي الفصل الثاني التفاعل المتبادل بين اللغات, يرى المناصرة أن اللغات تمارس مبدأ الاستقراض المتبادل, وتتشابه في كثير من أصواتها, لكن الإشكالية في هذا المبدأ تقع في المراحل الانتقالية الصعبة للشعوب, فالفصحى الوسطى (العربية المعاصرة), تستقرض الكثير من الألفاظ التقنية من الإنجليزية, وتستقرض بعض المصطلحات الأدبية من الفرنسية, وهو أمر طبيعي, غير أنها تكسل في التوطين, أي لا تبذل جهداً في الترجمة. كما أن حراس العربية ينقسمون إلى قسمين; الأول محافظ تقليدي يرغب في سجن العربية في حقيبة الأستاذية معتقداً بمبدأ النقاء اللغوي; والثاني, تيار التحديث والتجديد والتفاعل والمواجهة والعمل الفعلي من أجل تطوير اللغة بالتفاعل مع حركة الحياة.
ويشير المناصرة في الفصل الثالث بيان الأدب المقارن: عالم بلا حدود... ولكن إلى أن مسألة التفاعل الثقافي العالمي ما تزال مرهونة بشروط الآخر العالمي, انطلاقاً من هيمنة النظام العالمي الثنائي, رغم أن المقارنة والمثاقفة في الأدب المقارن, لا تفترض بأن الدولة القوية سياسياً هي قوية أدبياً, ويقول: لقد بدأت اللغة الإنجليزية وآدابها في مدارسنا قوية منذ العشرينيات, أي بعد (سايكس بيكو), ثم في جامعاتنا, ضمن مفهوم الانفتاح الإنساني الإجباري, وكان هذا أمراً طبيعياً, لكن الانتقال إلى مرحلة (التنجلز), وهي مرحلة حرق مراحل باتجاه (رطانة صناعية), جعل اللغة وسيلة طبقية لاستعراض (الحداثوية), حيث يتلاشى جوهر ومفهوم الانفتاح الإنساني, وهذا التنجلز, حسب المناصرة, لم يساهم في ترقية المعرفة باللغة الإنجليزية وآدابها, لأنه تحوّل إلى سطح قشرة الظاهرة اللغوية ليتفاعل معها بسطحية استعراضية حداثوية بعيدة عن الحداثة الحقيقية.
ويخلص المناصرة في هذا الفصل إلى القول إن مفهوم التناص أكثر ملاءمة في الدراسات المقارنة من مفهوم التأثير والتأثر الفرنسي التقليدي, وأكثر ملاءمة من مفهوم السرقات الأدبية التلاص العربي. كما يفترض المناصرة أن تبتعد الدراسات المقارنة عن النرجسية القومية (المبالغة) وعن التبعية والتلذذ بالتبعية, فالمقارنة لا تفرق بين آداب اللغات, بل تتعامل معها كلغات إنسانية متفاعلة, بعيداً عن الهيمنة السياسية, لهذا يمكن لدولة صغيرة أن تنتج أدباً أكثر أهمية من أدب دولة كبرى, بسبب فردية واستقلالية الأدب النسبية عن التطور الميكاني للمجتمعات.
ويهدف الفصل الرابع الأدب المقارن في النصف الثاني من القرن العشرين: الإطار النظري في الأبحاث المترجمة إلى اللغة العربية.. قراءة مونتاجية نقدية, إلى فهم الخطوط الرئيسة لنظريات الأدب المقارن, كما تجلت في الكتب الأجنبية المترجمة إلى العربية في النصف الثاني من القرن العشرين, لأن مثل هذه القراءة, كما يرى المناصرة, تفيد في تدقيق الأفكار الرئيسة كما وردت في هذه الكتب بصفتها أصولاً حقيقية عالمية, هاجرت في معظم بلدان العالم, ولأنها ذات أهمية في معرفة مدى وأشكال التناص والتلاص (التقليد الأعمى) إن وُجد في الأفكار العربية, باستخدام منهجية المقارنة نفسها, من أجل تمييز الحقوق النقدية من جهة, وكشف ما تبقى من هذه الأفكار في النظرية العربية للنقد المقارن لاحقاً من جهة ثانية. ولذلك اختار المناصرة عينة رئيسة من الأبحاث والكتب التي شملت اتجاهات عديدة منها: فرنسا, أميركا, ألمانيا, إنجلترا, الصين, روسيا, وأوروبا الشرقية. وهي أبحاث وكتب لعدد من الباحثين هم: بول فان تيغم (الأدب المقارن), رينيه ويليك (الأدب العام والمقارن القومي), ماريوس غويار (الأدب المقارن), رينيه تيامبل (أزمة الأدب المقارن), رينيه ويليك (أزمة الأدب المقارن), هاري ليفين (انكسارات), برونيل بيشوا روسو (ما الأدب المقارن), ألكسندر ديما (مبادئ علم الأدب المقارن), هانس ياوس (جمالية التلقي), يؤوان هاويي )الأدب المقارن في الصين), فايسثتاين )التأثير والتقليد), جون فلتشر (نقد المقارنة), دوي فوكيما (الوضع المعرفي للأدب المقارن), سوزان باسنيت (الأدب المقارن), ودانييل باجو (الأدب العام والمقارن).
ويشير المناصرة في الفصل الخامس النقد المقارن في ألمانيا إلى أن الألمان يعتزون باصطلاح الأدب العالمي الذي وضعه غوته, ويحاولون شرح هذا الاصطلاح في محاولاتهم الحديثة, وأن مورهوف هو أول من تنبه إلى أهمية الأدب المقارن في الدراسات الجامعية والأكاديمية, بفضل ماكس كوخ, كما دعا دافس إلى إنشاء كرسي الأدب المقارن, وكان كل من كلمبرر وفون يان, أول من توليا هذا الكرسي في العشرينيات من القرن الماضي.
ويرى المناصرة أنه, ومنذ الستينيات, كان هناك انفتاح ألماني على وجهة النظر الأميركية, حيث يشكل جيل السبعينيات نوعاً من المصالحة بين المدرسة الألمانية من جهة, والفرنسية والأميركية من جهة أخرى, خصوصاً في مجال دراسات التأثير والاستقبال, وفي مسألة تبادل الفنون. ويشير المناصرة إلى أنه رغم انفتاح الألمان الكلاسيكيين على الشرق العربي, إلا أن الموجة الحديثة الألمانية في الأدب المقارن دعت للانفتاح, لكنها لم تطبق هذا الانفتاح النظري بصورة عملية.
ويضيف المناصرة أنه بالرغم من أن الألمان يصرون على التمسك باصطلاح (علم الأدب المقارن) إلا أنهم ما يزالون يستعملون كلمة (تاريخ). ففي المدرسة الألمانية, أصبح هناك انصهار بين وجهات النظر الأميركية والفرنسية بشرح ألماني, حيث مزج الألمان بين نظرية النص المغلق الأميركية, واجتماعية النص الفرنسية, لكن الألمان حسب المناصرة, يدورون في إطار المركزية الأورو-أميركية باعتبار أن آداب هذه المركزية هي الأساس في المقارنة العملية, لكن الاختلاف بينهم وبين المدرسة الفرنسية يدور حول: من هو المركزي في أوروبا? ولهذا دعوا إلى تحالف ألماني-أميركي, بدلاً من فرنسي-أميركي.
في الفصل السادس ما بعد (نظرية الأدب): النص..والسياق: تعدية الانساق المتعارضة يقدم المناصرة مراجعة لكتاب آرثر إيزابرغر النقد الثقافي, لافتاً إلى أن إيزابرغر يرى أن النقد الثقافي نشاط, وليس مجالاً معرفياً خاصاً, بحد ذاته. فنقاد الثقافة يطبقون المفاهيم والنظريات على الفنون الراقية والثقافة الشعبية, ومهمة النقد الثقافي مهمة متداخلة, متجاوزة, ومتعددة, كما أن نقاد الثقافة, يأتون من مجالات مختلفة, ويستخدمون مفاهيم وأفكاراً متنوعة, وبمقدور النقد الثقافي أن يشمل: نظرية الأدب, وعلم الجمال, والنقد, والتفكير الفلسفي, وتحليل الوسائط, والنقد الثقافي الشعبي, وبمقدوره أيضاً, تفسير نظريات ومجالات: علم العلامات, ونظرية التحليل النفسي, والنظرية الماركسية, والنظرية الاجتماعية والأنثربولوجية, ودراسات الاتصال, والبحث في وسائل الإعلام, والوسائل الأخرى التي تميز المجتمع والثقافة المعاصرة وغير المعاصرة.
ويناقش المناصرة في هذا الفصل قضية مجلة حوار اللبنانية (1962 1967), من خلال كتاب الباحث الفلسطيني محمود شريح المعنون بتوفيق الصايغ: سيرة شاعر ومنفى, حيث قام شريح بتوثيق تفاصيل علاقة مجلة حوار بالمنظمة الأميركية لحرية الثقافة, التي تأكد ارتباطها بالمخابرات المركزية الأميركية, بشكل موضوعي, معتمداً على الوثائق والصحف. ويرى المناصرة أنه مثلما خططت إنكاونتر لنفسها بتنفيذ توصيات منظمة حرية الثقافة, بعدم إظهار هويتها الحقيقية, كذلك فعلت حوار عن طريق عدم الاصطدام مع التيار الاشتراكي والقومي اليساري الصاعد في الستينيات, بقيادة جمال عبد الناصر, وبناء عمارة جديدة مضادة للفكر القومي الاشتراكي, تنسف هذا الفكر دون أن تصطدم معه, ومحو مركزية قضية فلسطين من أذهان المثقفين العرب, وعدم إظهار أي ولاء للولايات المتحدة الأميركية وأفكارها, حتى لا ينكشف أمر المجلة, والترويج للأدب العربي الذي يؤيد التفاهم مع الغرب, وعدم نشر مقالات مضادة للاتحاد السوفياتي...
ويشير المناصرة إلى أنه بما أن حقيقة مجلة حوار كانت معروفة حتى قبل صدور العدد الأول, والحال نفسه بالنسبة لمجلة شعر, وذلك من خلال الهجمات عليهما الصحافية في بيروت والقاهرة, فإن كل الذين كتبوا في حوار وشعر كانوا يعرفون أن هناك أسئلة استفهام كبيرة مطروحة أمام الرأي العام, حولهما, منذ صدورهما وطيلة صدورهما. ويلفت المناصرة إلى أن حوار وشعر كانتا تناديان بضرورة فصل السياسي عن الثقافي والأدبي, لكنهما لم تنجحا إلا في مسألة واحدة, هي الترويج لقصيدة النثر, واعتقال الحداثة وربطها بها.
ويرى المناصرة أن مفهوم ما بعد الحداثة اكتسب في الأدب ارتباطاً جديداً, بدخوله عالم الثورة الرقمية الديجيتال, وهو البعد الرقمي الذي كان موجوداً في الموروث العربي من خلال كتب السحر والشعوذة, وكتب الصوفية وكتب الفلك, لكن الثورة الرقمية الأميركية جعلت الأدب يتفاعل معها من خلال الرواية الافتراضية, والنقد الافتراضي.
ويتحدث الفصل السابع عن بدايات الأدب المقارن في البلدان العربية من خلال استعراض المناصرة كتب كل من: روحي الخالدي (تاريخ علم الأدب عند الإفرنج والعرب), سليمان البستاني (مقدمة ترجمة الإلياذة), قسطاكي الحمصي (الموازنة بين رسالة الغفران والكوميديا الإلهية), ومحمد غنيمي هلال (الأدب المقارن).
ويوضح المناصرة أن كتاب الخالدي يشتمل, بالإضافة إلى النقد المقارن, على نظرية الأدب, فالعنوان الرئيس للكتاب والعنوان الفرعي يختصران كل شروط المقارنة كمصطلح وكتعريف, ويرى المناصرة أن الخالدي الذي كان يجيد خمس لغات ملمّاً بأدبها, استخدم المنهج التاريخي في ربطه للأدب بالأحداث التاريخية, وفق المنهج الفرنسي في الوطن العربي, وقد اتخذ موقفاً نقدياً من العديد من القضايا, ولم يقف عند حدود الوصف الخارجي, كما أنه قدم مقارنات في أدب الرحلات ومقارنات لغوية, وعلم العروض المقارن, مركّزاً على دور الترجمة في التواصل بين الشعوب, كما قدم نصوصاً ترجمها بنفسه لكي تكون المقارنة صحيحة, كما قام بتعريب المصطلحات النقدية, ولم يكتف بمقارنة الآداب بعضها ببعض, بل تجاوزها إلى مقارنة الآداب بالفنون, ولذا فقد أطلق المناصرة عليه تسمية الرائد التاريخي للأدب المقارن.
أما البستاني, بحسب المناصرة, فقد قدم مقابلة تطبيقية بين الإلياذة والشعر العربي, معتمداً على التشابه والتوازي وليس على التأثير والتأثر. فيما استخدم القسطاكي اصطلاح الموازنة, وطبق دراسته على عملين أدبيين مختلفين في اللغة: رسالة الغفران العربية, ولكوميديا الإلهية, دون أن يشير نظرياً إلى مفهوم الأدب المقارن وإلى الاصطلاح, متشابهاً في تطبيقه مع المنهج الفرنسي التاريخي, وهو في تطبيقاته لم يستطع تقديم التشابهات القوية المحتملة, رغم أنه حاول الإيحاء بكل الوسائل أنها تشابهات مؤكدة.
أما غنيمي هلال, كما يرى المناصرة, فقد ظل الممثل الفعلي للمدرسة التاريخية الفرنسية التقليدية, سواء باستخدام المنهج التاريخي اللانسوي, أو بالإصرار الدائم على إثبات صلة التأثير والتأثر, أو بالإصرار على الحدود اللغوية بين الآداب, أو برفضه المقارنة في داخل الأدب القومي الواحد.
وفي الفصل الثامن الأدب المقارن في الجامعات العربية (1946 2005), يقدم المناصرة دراسة ميدانية تطبيقية على عدد من الجامعات العربية, مركزاً على السياسات التي تنتهجها في تدريس مادة الأدب المقارن, ومن هذه الجامعات: القاهرة, اللبنانية, المستنصرية, الملك سعود, قسنطينة, عنابة.
ويقدم المناصرة في الفصل التاسع تطبيقات في النقد المقارن, من خلال أثر وليم في رواية نجمة لكاتب ياسين, فيرى أن الروايتين تطرحان قضية الصراع الثنائي بين شمال مستغِل, وبين جنوب بكر انتهكه الشماليون. ففي رواية فوكنر هناك صراع بين شمال أميركا الراقي صناعياً, وبين الجنوب الأميركي الفقير البكر ببراءته, ويحكم الاستغلالُ هذه العلاقة إلى درجة الاغتصاب, وكذلك يطرح ياسين قضية الصراع الثنائي, وهو الاغتصاب السائد بين شمال فرنسا, وجنوب الجزائر, وتتمركز فكرة الروايتين حول محو العار بالثأر, كما يستخدم المؤلفان نمطاً لغوياً واحداً, وإيقاعاً حركياً يحكم الأحداث, وأسلوب التداعي الذي يقطّع الأزمنة, ويوزعها على مساحات مكانية هي الأخرى غير مرتبة منطقياً.
ويتوقف المناصرة في دراسته لأثر رواية الصخب والعنف لوليم فوكنر, في رواية ما تبقى لكم لغسان كنفاني, عند التشابهات العميقة التي تتعلق بسلوك أبطال الروايتين, فقد استخدم فوكنر تقنية طباعية تعتمد على الحرف المائل لتمييز زمن عن آخر, وهو ما طبقه كنفاني في روايته, كما استخدم فوكنر أسلوب التداعي الحر للتعبير عن الزمن غير المنطقي, واستخدم كنفاني الأسلوب نفسه. وحدد المناصرة نقاط التأثير السلبية لدى كنفاني ب: التقنية الشكلية, الزمن, فكرة الحرام, مشيراً إلى نقاط أخرى تعتبر نقاطاً مشتركة في التراث الروائي هي: التداعي, المعادل الرمزي, الثنائية, اللغة, التشتت.
وفي دراسته حول بيجماليون بين برنارد شو, وتوفيق الحكيم يحاول المناصرة تبين مدى قرب أو بعد توفيق الحكيم عن بيجماليون الأسطورة, وبيجماليون شو, فيرى أن الحكيم تأثر بمسرحية شو, فالمسرحيتان تتناولان أسطورة واحدة, لكن الملامح الأسطورية تترك بصماتها على مسرحية الحكيم, سواء أكانت ملامح الأسطورة الأصلية, أم ملامح الشخصيات الجديدة التي أضافتها كنرسيس وأيسمين, فهي رموز أسطورية أضيفت إلى هيكل المسرحية لكي تخدم الفكرة التي تدور حول الفن والحياة وما بينهما من الصراع, بينما يمكن أن تُفسَّر مسرحية شو عدة تفسيرات, وتصبح قضية الفن والحياة إحدى هذه التفسيرات, وذلك كله في إطار عصري, سواء في الشخصيات أو في البناء الدرامي, وهناك صراع عفوي ونمو طبيعي في الشخصيات والأحداث في مسرحية شو, بينما نجد مسرحية الحكيم تجعل من الفن المسرحي وسيلة لتقديم أفكاره.
ويرى المناصرة في دراسته حول نيكولا فابتساروف.. في البلدان العربية أن 15 قصيدة فقط من شعر البلغاري فابتساروف ترجمت إلى العربية, رغم أن أحمد سليمان الأحمد ترجم 14 قصيدة تحت عنوان أغاني المحرك, دون أن تشمل كل قصائد ديوان أغاني الموتور. وقد ظهرت عدة ترجمات مختلفة لقصيدة واحدة, وظهر الفارق بين هذه الترجمات أولاً, واختلافها عن الأصل البلغاري ثانياً, ويشير المناصرة, إلى أن معظم هذه الترجمات تمت دائماً عبر وسيط, ولهذا وقعت في عدم الدقة, مؤكداً على أن الكتابة عن فابتساروف في المصادر العربية, تميزت بالانطباعات العاطفية التي تمجد فابتساروف البطل الشهيد وتنقل شواهد من شعره, دون التطرق إلى قصائده الأخرى, ودون أن تنشر أي مقالة تدرس شعر فابتساروف من حيث بنيته الجمالية.
وتناول المناصرة في الفصل العاشر النص.. والآخر الموشحات الأندلسية, وشعر التروبادور. واستعرض في القسم الأول ثلاثة آراء رئيسة حول الموشحات هي: أولاً, رأي ابن سناء الملك الذي عرّف الموشح على أنه كلام منظوم على وزن مخصوص, وهو يتألف في الأكثر من ستة أقفال, ويقال له التام, وفي الأقل من خمسة أقفال وخمسة أبيات, ويقال له الأقرع, فالتام ما ابتدئ فيه بالأقفال, والأقرع ما ابتدئ فيه بالأبيات, وثانياً رأي صلاح الدين الصفدي الذي يرى أن الموشح: فن تفرد به أهل المغرب, وامتازوا به على أهل المشرق, وهو كلام منظوم على قدر مخصوص, بقوافٍ مختلفة, وثالثاً, رأي ابن خلدون الذي فصَّل في مقدمته الموشحات والأزجال. ثم يناقش المناصرة وجهات نظر عدد من المعاصرين حول الموشحات, وهم: مصطفى عوض كريم, أحمد هيكل, إبراهيم أنيس, عمر فروخ, محمد زكريا عناني, وصلاح فضل.
فيما تناول في القسم الخاص بشعر التروبادور آراء كل من محمد غنيمي هلال, الطاهر أحمد مكي, محمد إسماعيل موافي, ميسوم عبد الإله, في الموشحات. ثم قدّم المناصرة قراءة تفكيكية للبنية اللغوية والبنية الإيقاعية, والبنية البصرية, والبنية الموسيقية, وبنية التفاعل مع الآخر للموشحات, مشيراً إلى أن الموشحات قد تفاعلت مع ماضيها بحيوية, فلم تتوقف عند الاندهاش, بل أضافت المبادرات الفردية والجماعية الصغيرة والمقدمات التجديدية في كسر عمود الشعر.. وطوّرتها وحوّلتها إلى ظواهر شعبية واسعة الانتشار لقرون عديدة, كما طورت القافية والأوزان.
ويستعرض المناصرة في الفصل الأخير من الكتاب قوانين جمعيات وروابط الأدب المقارن العربية والعالمية, ومؤتمرات الأدب المقارن العربية والدولية (1982 1989), وأعداد خاصة من مجلات تعنى بالأدب المقارن (1966 1983), وعينات من أسماء بحوث في الأدب المقارن, أنجزت لنيل شهادة الليسانس في اللغة العربية وآدابها من جامعة قسنطينة في الجزائر بين عامَي 1983 و.1987
كما يستعرض المناصرة خطة منهاج الأدب المقارن رقم (5440), الذي يُدرَّس في الجامعات, حيث يتناول هذا المقرر الذي خصص له ثلاث ساعات معتمدة, ولادة علم الأدب المقارن وتطوره التاريخي في فرنسا بشكل خاص, وفي الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وأوروبا الشرقية وفي الوطن العربي. ويهدف هذا المقرر إلى التعريف بنشأة وتطور الأدب المقارن تاريخياً ومعرفياً, والصعوبات التي عاناها المختصون في هذا الحقل, وتمكين الدارس من التمييز بين المفاهيم الإشكالية التي خلقت تعددية مفاهيمية, وتحديد المصطلحات المستخدمة في التطبيقات المقارنة, عند مقارنة النصوص الأدبية, وبيان المناهج الشائعة في العالم, والتعرف إلى الفوارق بينها في مجال المقارنة, وتحليل المنظور الاستشراقي, وتبين ملامحه وصلته بالأدب المقارن, والتعرف إلى علاقات الأدب العربي القديم والحديث بالآداب الأخرى, والتعرف إلى علاقات الأدب العربي القديم والحديث بالآداب الأخرى, وتحديد الطرق المختلفة في كيفية تنفيذ التطبيقات النصية المقارنة. وقد ختم المناصرة هذا الفصل بوضع يبلوغرافيا عربية للأدب المقارن تعين الباحث والدارس في بحوثه في مجال الأدب المقارن.