البنية الممتدة .. قراءة فـي «كزهر اللوز أو أبعد» لمحمود درويش.. بقلم : د. خالد عبد الرؤوف الجبر

البنية الممتدة .. قراءة فـي «كزهر اللوز أو أبعد» لمحمود درويش.. بقلم : د. خالد عبد الرؤوف الجبر

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 28-10-2005
No Image
البنية الممتدة .. قراءة فـي «كزهر اللوز أو أبعد» لمحمود درويش.. بقلم : د. خالد عبد الرؤوف الجبر

د. خالد عبد الرؤوف الجبر - كنت توقعت في مقال مطول عنوانه (مدخل إلى البنية والتناص في ديوان درويش «لا تعتذر عما فعلت» - نشر في العدد (201) من مجلة «أفكار» - أن يكون شعر درويش الجديد شفافا طازجا شبيها بزهر اللوز؛ وأعترف الآن أن توقعي قد جانب الحقيقة قليلا، وأنني لم أتنبه حينها إلى غلبة الصدى على المحاولات الجادة لدرويش لكي يؤسس للغة شعرية جديدة. صحيح أنه في فاتحة هذا الديوان يقتبس أبا حيان التوحيدي في كون خير الكلام ما كان شعرا كأنه نثر، أو نثرا كأنه شعر؛ وصحيح أنه في ديوانه المتقدم (لا تعتذر عما فعلت) كان ينظر فنيا لقصيدة جديدة، لكن ديوانه الأخير لم يكن على ما أراد، ولا على ما توقعت أيضا! ولعل أولى الملاحظات التي يخرج بها قارئ ديوانه الجديد (كزهر اللوز، أو أبعد) هي أن هذا الديوان امتداد في جوانب كثيرة منه لديوانه السابق «لا تعتذر عما فعلت»: امتداد له في البنية الشعرية؛ وفي الثنائيات، وفي البناء، وفي اللغة «إلا في ثلاثة نصوص»، وفي التناصات ودلالاتها، وفي الفزع إلى الشعراء (الحكماء) الذين حملوا شعرهم، وحملت تجاربهم، مواقف من الحياة والإنسان والوطن والذات الفردية والجمعية؛ وهذا نظير عزوفه عن الفزع إلى تجارب الشعوب المضطهدة «الهندي الأحمر مثلا» التي تشتبك في تجربتها الوجودية مع تجربة الفلسطيني الذي كان درويش يمثله ـ فنيا وإنسانيا ووجوديا - في ما مضى، ثم تنازل هو عن عرش هذا التمثيل على حد تعبيره الخاص.


بناء الديوان
جاء ديوان درويش الجديد في بنائه شبيها بأبنية دواوينه السابقة منذ «لماذا تركت الحصان وحيدا؟ 1995» سوى «الجدارية»، و«حالة حصار» أيضا، فهما مختلفان من حيث بناؤهما لأن كلا منهما كان قصيدة ممتدة، والجدارية على حد تعبير درويش نفسه هي معلقته التي كان يريد بها اختتام مهرجان حياته الشعرية تحت وطأة الخوف من الموت بعد تجربة المرض التي خاضها. جاء الديوان هنا مقسما في مقاطع نصية ثمانية: أربعة منها وسمت عناوين ملبسة هي: (أنت)، (هو)، (أنا)، (هي)؛ واشتمل كل من هذه المقاطع على مجموعة من النصوص؛ ثم جاءت الأربعة الأخرى منها موسومة بعنوان واحد هو )منفى) وتدرجت (المنافي) بين الرقم (1) والرقم (4).
أما العناوين الفرعية للمنافي الأربعة فكانت على التوالي: نهار الثلاثاء والجو صاف؛ ضباب كثيف على الجسر؛ كوشم يد في معلقة الشاعر الجاهلي؛ طباق (إلى إدوارد سعيد). ولعل القارئ يلحظ فور القراءة في هذه العناوين الثنائية القائمة في صفاء الجو / كثافة الضباب، وتلك الكامنة بين الزمان والمكان في نهار الثلاثاء / على الجسر، وهناك ثنائية مكانية أخرى ظاهرة في )المنفى3)؛ ذلك لأن الذي يقرأ النص يجد الثنائية بارزة بين المكان الذي كان يعرفه الشاعر قديما والمكان الجديد الذي ارتحل فيه مع (ظله ـ آخره الشخصي) إلى بيته القديم هناك في حيفا، والعنوان يحمل هذه الثنائية التي تظهر في مقدمة معلقة طرفة بن العبد حينا (تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد) وحينا آخر في مقدمة معلقة زهير ابن أبي سلمى (مراجيع وشم في نواشر معصم)، من حيث إن بروز الأطلال في مقدمات أشعار أولئك القوم إنما يكون عن تذكر لها قبل أن تحول أطلالا بفعل الرياح السوافي؛ لكن الديار هنا في قصيدة درويش لم تحل أطلالا بفعل تلك الرياح، إنما بفعل الثالث (الآخر غير الشخصي) الذي يظهر في القصيدة يدوزن بجرافته خارطة المكان من جديد حتى لكأنه صار جديدا تماما، وهو هنا يذكرنا بقوله في قصيدته (طريق الساحل) من ديوانه (لا تعتذر عما فعلت): «طريق إلى طلل البيت جتحت حديقة مستوطنة]»:
«تلك آثارنا، مثل وشم يد في
معلقة الشاعر الجاهلي، تمر بنا
ونمر بها ـ قال من كنته يوم لم
أعرف المفردات لأعرف أسماء أشجارنا...
وأسمي الطيور التي تتجمع في بأسمائها.
لم أكن أحفظ الكلمات لأحمي المكان
من الانتقال إلى اسم غريب يسيجه
الأكاليبتوس. واللافتات تقول لنا:
لم تكونوا هنا.
...
يحس الغريبان أن هنالك، بينهما،
ثالثا يتدخل في ما يقولان أو لا
يقولان...
...
أقول له: من هو؟
يقول صدى من بعيد: هو الواقعي
هنا. صوت أقدارنا هو. سائق
جرافة عدلت عفوية هذا المكان،
وقصت جدائل زيتوننا لتناسب قصة
شعر الجنود، وتفتح شعبا لبغل
نبي قديم. هو الواقعي، مروض
أسطورة. ثالث الجالسين على صخرتين
سماويتين، ولكنه لا يرانا كما نحن:
شيخا تأبط طفلا، وطفلا تورط
في حكمة الشيخ»
إن نهايات القبس المتقدم تحيلنا مباشرة على تلك الثنائية التي جسدها شعر درويش في «لا تعتذر عما فعلت»، لا سيما في قوله من قصيدة (كحادثة غامضة، ص153):
«...، وحيث إلكترا الفتاة
تناجي إلكترا العجوز وتسألها: هل
أنا أنت حقا؟»
وقوله الأوضح في إبراز ثنائية الشيخ العجوز الحكيم والطفل اليافع، وهي ذاتها كما يظهر القبس ثنائية الداخل ـ الخارج، من القصيدة نفسها يقول )ص155):
«- وأين وجدت الطفولة؟
- في داخلي العاطفي. أنا الطفل
والشيخ. طفلي يعلم شيخي المجاز.
وشيخي يعلم طفلي التأمل في خارجي.
خارجي داخلي
كلما ضاق سجني توزعت في الكل»
وعلى طول القبس المتقدم من قصيدته (منفى 3(، فإنه يجمع الخيوط الأساسية في هذا الديوان، وهي خيوط غير جديدة أو طارئة على قصيدة درويش، بل هي امتداد للخيوط الأساسية التي بدأها منذ قصيدته (آن للشاعر أن يقتل نفسه). وسنعالج هذه الخيوط الأساسية في مقطع البنية.
أما المقاطع النصية الأربعة الأولى، تلك التي حملت ضمائر أربعة عناوين لها، وهي (أنت، هو، أنا، هي)، فهي من أكثر المقاطع التباسا في العنونة والتقسيمات النصية في شعر درويش على الإطلاق؛ أقول هذا لأن ثلاثتها الأول إنما هي درويش نفسه، ثلاثة دوال لمدلول واحد في النهاية. أما الرابع فهو منقسم على قسمين ممتزجين: أحدهما المكان/ الوطن/ فلسطين، والآخر هو الذات الفردية الرعوية للشاعر/ المغني؛ تلك التي كانت لصيقة بالمكان، بل التي شكلها المكان وصاغها بلباقة حتى غلب بها على الذات الإنسانية للشاعر؛ ولعلي أشير هنا إلى قوله من قصيدته (هي لا تحبك أنت، ص89):
«هي لا تحبك أنت
يعجبها مجازك
أنت شاعرها
وهذا كل ما في الأمر»
ويتابع في القصيدة نفسها بما يدل على أثر المكان في صياغة الذات أولا، وتأثيره في تغييرها آخرا (ص91):
«كن ملاكا، لا ليعجبها مجازك
بل لتقتلك انتقاما من أنوثتها
ومن شرك المجاز... لعلها
صارت تحبك أنت مذ أدخلتها
في اللازورد، وصرت أنت سواك
في أعلى أعاليها هناك...
هناك صار الأمر ملتبسا»

بنية الديوان
النص في هذا الديوان امتداد من جانب لديوانه «لا تعتذر عما فعلت»، من حيث إن البنية فيه قائمة على ثنائية (الذات ـ المكان)، وتعميق من الجانب الآخر لثنائية الذات التي بدأت تطغى على شعره منذ «لماذا تركت الحصان وحيدا؟».
تتجلى ثنائية (الذات ـ المكان) في هذا الديوان في مقاطع كثيرة منه، ولعلي أقتبس بعضها من دون تعليق كثير لكي يقول الشعر نفسه ما يريد قوله. في قصيدته (منفى1) التي حملت عنوان(نهار الثلاثاء والجو صاف) يقول في حوار بينه وبين الغريبة (ص115):
«وتسأل: ماذا تقول؟
أقول لها: لم يغن الكناري لي
هل تذكرتني يا غريبة؟ هل أشبه
الشاعر الرعوي القديم الذي توجته
النجوم مليكا على الليل، ثم تنازل
عن عرشه حين أرسلته راعيا
للغيوم؟ تقول: وهل يشبه اليوم أمس،
كأنك أنت...»
ولعلي أذكر القارئ هنا بما يقوله درويش في الكناري في هذا الديوان لما له من أهمية مقابل العندليب، وكذلك بما يقوله في شأن الغيوم من ديوانه «لا تعتذر عما فعلت»، فهذان المقطعان يوضحان تماما أن الغريبة إنما هي رمز للمكان/ فلسطين. يقول في قصيدته (هنالك عرس، ص39):
«وإن صمت العندليب المريض أعار الكناري
حصته في الغناء»
واقع الأمر أن العندليب هو الشاعر المغني الذي يحاول درويش وأده حيا فيه، وذلك لأن دماءه جفت لشدة ما نزفت لتسقي الوردة البيضاء التي حالت حمراء بعد أن نضبت دماء (البلبل)، وهو في هذا متأثر بقصيدة البلبل والوردة لأوسكار وايلد، وفي ديوانه السابق اعترف بأن دماء العندليب قد نضبت، وأن جرحه قد أصبح (وردة بيضاء إنجيلية)؛ أما الكناري الذي لم يغن له حتى الآن فهو درويش الإنسان الجديد الذي تغير أو غيرته التجربة التي كان فيها شاعرا يصف الغيوم، ويبني بها المنازل ويرسم الوجوه، ثم ما تلبث أن تمحي تاركة وراءها أحلام الحالمين وأوهام الواهمين. يقول في قصيدته (وصف الغيوم، ص90-91) من ديوانه السابق:
«والشعراء يبنون المنازل بالغيوم
ويذهبون...
لكل حس صورة،
ولكل وقت غيمة،
لكن أعمار الغيوم قصيرة في الريح،
كالأبد المؤقت في القصائد،
لا يزول ولا يدوم...
من حسن حظي أنني أمشي على جبل
وأنظر من عل
نحو الغيوم...»
وفي القصيدة نفسها (منفى1) ترى الثنائية ذاتها تتراءى في مجلى آخر؛ فهو ما يزال مصرا على افتراع فسحة لغوية جديدة لشعره، فسحة قائمة بين النثر والشعر، فسحة تهتم بالتفاصيل الصغيرة والأوجاع الصغيرة والحكايات الصغيرة التي بدأت تظهر جليا في شعره منذ ديوانه «سرير الغريبة»، ونص عليها في ديوانه «لا تعتذر عما فعلت» حين قال: (فأين أنا؟ وأين حكايتي الصغرى وأوجاعي الصغيرة؟). لكن هذه الفسحة التي يحاول درويش اشتراعها لشعره/ نثره تغيب عن المتلقي المعنى الذي يحاوله، فيخطئ في فهم الرسالة الجديدة للشعر التي يحاولها درويش منذ زمن، وهي تغيير الطريق والطريقة، وأن هناك طرقا كثيرة لتخليص الأرض والإنسان من آلام الاحتلال، ولا يكفي القول إن سياسة عض الأصابع وحدها هي الطريق والطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك. درويش لا يتخلص من المكان/ الوطن تخلصا نهائيا، ولا يتملص منهما أيضا؛ ففي ديوانه (لا تعتذر عما فعلت) يقول في قصيدة (لا كما يفعل السائح الأجنبي، ص136):
«... أمسك هذا الهواء الشهي،
هواء الجليل، بكلتا يدي
وأمضغه مثلما يمضغ الماعز الجبلي
أعالي الشجيرات،
أمشي، أعرف نفسي إلى نفسها:
أنت، يا نفس، إحدى صفات المكان»
وفي ديوانه الأخير تجد التصاقا، بل امتزاجا، بالأرض يذكرنا بقوله في الرد على فدوى طوقان: )نحن في حل من التذكار/ فالكرمل فينا/ وعلى أهدابنا عشب الجليل/ لا تقولي ليتنا نركض كالنهر إليها/ لا تقولي/ نحن في لحم بلادي، هي فينا)؛ وهذا ما لعلك تراه بصورة أعمق وأظهر في قوله من قصيدة (منفى2) الموسومة (ضباب كثيف على الجسر، ص137):
«سأمشي خفيفا، خطاي على الريح
قوس تدغدغ أرض الكمان
سأسمع نبض دمي في الحصى
وعروق المكان»
وترى ثنائية (الذات ـ المكان) في صفحات أخرى كثيرة من هذا الديوان، ولعلي أكتفي هنا بإيراد قبس آخر يجسد هذه الثنائية، وهو من قصيدته الأخيرة (منفى4: طباق) التي أهداها إلى إدوارد سعيد. واستحضار إدوارد سعيد هنا ليس عبثيا، ولا هو مجرد محاولة لرثاء من نوع جديد على الرثاء، فرثائيات درويش في أغلبها مختلفة عن ما شاع في الشعر العربي من رثاء: قديمه وحديثه على سواء، ولكن استحضاره هنا يتأتى من الجهود الجبارة التي حاول إدوارد سعيد بها أن ينتقد الطريق والطريقة التي قام عليها النضال الفلسطيني، وهي مما يتفق مع النهج الجمالي للنضال الذي يحاول درويش ترسيخه منذ مدة من الزمن، فنيا على أقل تقدير.
كان إدوارد سعيد واقعا تحت وطأة الثنائية ذاتها التي وقع تحت وطأتها درويش في السنوات الأخيرة، وهي ثنائية (الوطن ـ المنفى)، أو (هنا ـ هناك) كما تتجلى في كلام إدوارد سعيد في القصيدة، وكما يجليها كتابه (خارج المكان) أيضا. وإذا طال القبس الذي أنقله هنا فلأنه حافل بدلالات مهمة في هذا السياق. يقول (ص182-184(:
«على الريح يمشي. وفي الريح
يعرف من هو. لا سقف للريح.
لا بيت للريح. والريح بوصلة
لشمال الغريب.
يقول: أنا من هناك. أنا من هنا
ولست هناك، ولست هنا
لي اسمان يلتقيان ويفترقان
ولي لغتان، نسيت بأيهما
كنت أحلم،
لي لغة إنجليزية للكتابة،
طيعة المفردات،
ولي لغة من حوار السماء مع
القدس، فضية النبر، لكنها
لا تطيع مخيلتي!
والهوية؟ قلت
فقال: دفاع عن الذات...
إن الهوية بنت الولادة، لكنها
في النهاية إبداع صاحبها، لا
وراثة ماض. أنا المتعدد. في
داخلي خارجي المتجدد... لكنني
أنتمي لسؤال الضحية. لو لم
أكن من هناك لدربت قلبي
على أن يربي هناك غزال الكناية.
فاحمل بلادك أنى ذهبت...
وكن نرجسيا إذا لزم الأمر»
وأختم هذا المقطع النصي بما أراد درويش اقتباسه حقا من إدوارد سعيد، وهو الغاية النهائية من هذا النص ـ كما أرى على الأقل ـ إنه البحث عن الجوهر البشري، عن الإنسان الكامن/ الماثل خلف كل الصراعات البشرية قديمها وحديثها (ص185):
«يحب بلادا، ويرحل عنها
جهل المستحيل بعيد؟]
يحب الرحيل إلى أي شيء
ففي السفر الحر بين الثقافات
قد يجد الباحثون عن الجوهر البشري
مقاعد كافية للجميع.
هنا هامش يتقدم. أو مركز يتراجع
لا الشرق شرق تماما
ولا الغرب غرب تماما
لأن الهوية مفتوحة للتعدد
لا قلعة أو خنادق»
أما ثنائية الذات التي يعمقها هذا الديوان حتى ليبلغ بها درجة من التعقيد في غايته القصوى، فهي ثنائية جسدها درويش في ديوانه (لماذا تركت الحصان وحيدا؟)، لا سيما في قصيدته (تقاسيم أولى على جيتارة أندلسية)، تلك التي ظهر فيها صوتان يتنازعان الشاعر، صوت المغني الشاعر الذي التصق اسمه باسم فلسطين فغنى لها، وغنى بها، وغنى معها، والآخر صوت الذات التي بدأت تلمح غيابها عن مسرح الحياة الحقيقية، الذات التي تقطعت أوصالها على صدى اليأس كما قال: )وتقطعان/ بحرير يأسهما رخام غيابنا/ عن بابنا/ وترقصان السنديان). ثم برزت تلك الثنائية واضحة في سرير الغريبة، لكنها كانت جلية تماما في ديوانه «لا تعتذر عما فعلت»، وذلك حين قال: (ينقصني لأعرف فارق بين المسافر والطريق، وفارق بين المغني والأغاني)، وحين قال: (أنا رجع الكمان، ولست عازفه)، وحين تكلم مع (آخره الشخصي) في بيت أمه، وحين تناص مع أبي تمام في قوله: (لا أنت أنت، ولا الديار هي الديار).
المهم في هذا كله أن التحولات التي أصابت الذات كانت نتيجة للتحولات التي أصابت المكان، وهي تحولات نتجت بصورة مباشرة عن الآخر (غير الشخصي) الذي حول المكان بقوة الحديد والنار أولا، وبفعل الإخوة الذئاب الذين ألقوه في غيابة الجب، وبفعل الملائكة الذين أحبهم ثم سرقوا الربيع من المكان (زيتونتان، ص54):
«كل الملائكة الذين أحبهم
أخذوا الربيع من المكان صباح
أمس، وأورثوني قمة البركان»
هناك تعلم درويش القراءة والكتابة من دروس خطيئته، وصمم أن يبدأ غدا جديدا يبدأ من (هنا، والآن)، ويتابع:
«إن شئت أن أنسى... تذكرت
انتقيت بداية، وولدت كيف أردت
لا بطلا ... ولا قربان»
وفي هذا الديوان تمتد هذه البنية، وتتعمق أكثر، حتى لتحول بعض عباراته قريبة من نمط كلام المتصوفة في نزوع ذواتهم نحو التوحد مع الأنا الكلية، سوى أن درويشا لا يبحث عن التوحد مع تلك الذات، إنما يبحث عن نوع من التصالح بين ذاته الجديدة وذاته القديمة، وعن ما يخلصه من ربقة الانقسام والفصام الواعي الذي أدخله في تيه لم يجد بعد منه مخرجا. من قصيدته الأخيرة في الديوان )منفى4: طباق، ص184) يقول:
«منفى هو العالم الخارجي
ومنفى هو العالم الداخلي
فمن أنت بينهما؟
ـ لا أعرف نفسي تماما
لئلا أضيعها. وأنا ما أنا
وأنا آخري في ثنائية
تتناغم بين الكلام وبين الإشارة
ولو كنت أكتب شعرا لقلت:
أنا اثنان في واحد
كجناحي سنونوة،
إن تأخر فصل الربيع
اكتفيت بحمل البشارة»
وقد يقف القارئ في الديوان على مقاطع نصية كثيرة تشبه هذا المقطع. لكن الأعمق، والأبعد غورا في هذه الثنائية أن درويشا قد امتد بها ليجعلها ثلاثية ضدية تظهر من بداية الديوان، وذلك حين جعل المقاطع النصية الثلاثة الأولى تحمل عناوين (أنت؛ هو؛ أنا)، ومن يقرأ في هذه المقاطع سوف يتكشف له أن المقطع الأول خطاب موجه من الشاعر المغني (درويش القديم/ العندليب الذي نضبت عروقه) إلى درويش الجديد (الكناري)، وأن المقطع الثاني (هو) إنما يحمل رؤية الشاعر الجديد للشاعر القديم باستخدام (ضمير الغائب)، أو بعبارة أخرى: درويش الآن كما يرى نفسه في ما مضى؛ وأما المقطع الثالث (أنا) فهو حديث الذات عن نفسها الآن، ولذلك تكثر في هذا المقطع التفاصيل الصغيرة التي تهتم بها الذات الجديدة، وتظهر سمات فسحته اللغوية الجديدة التي يحاول اجتراحها من العربية، متخلصا بها من الصدى الذي ما يزال إلى الآن متغلبا عليه وعلى لغته وبنية قصيدته، ومن تعدد الأصوات التي تتنازعه بين قصيدة وأخرى، وبالغا حدا من شفافية العبارة لم يبلغه أحد قبله؛ ولا سيما قصيدته (لوصف اللوز)، وهي ما نقف عنده الآن، ونتركه لحديث قادم.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }