حيث تأخذني الدروب - بقلم هدية حسين
ما عمرها؟
أتساءل مع نفسي ولا أسأل احدا... ومن اسأل؟ ليس من أحد في الشارع الذي يحتويني بقيافة مملة.
ألاحظ أثر قطع على جزء من جسدها، يبدو الأثر حديثا... هل تألمت؟
أتساءل ولا اجد اجابة... واذا كان لا بد من جواب لكل سؤال فسأقول:
بلا ريب شعرت بقسوة الآلة التي حزت جذعها، لكنها كظمت شعورها بالألم وتماسكت.
أنظر اليها باحساس من وجد له شريكا بعد طول غربة... أقترب منها... يكاد قلبها يلفظ آخر نبضاته، لكن أعلى الرأس يقول عكس ذلك، فهو يحاول قدر ما يستطيع أن يغطي اليباس باخضرار بهيج.
أسمعني أهمس لنفسي: كيف تلتقي المتضادات، اليأس والأمل.. الموت والحياة... النضارة والذبول؟... تستند إلى جدار لارتفاع ما، كان جبلا في يوم ما قبل أن تتناهشه البيوت... أنا لا أتكئ على شيء... أسمعني ثانية: إنها تستريح... لا بد لها من ذلك بعد طول سنين.
ما اسمها؟
لست خبيرة بالأشجار... لا أعرف من اسمائها سوى النخيل والتين والتوت والكالبتوس والزيتون والبرتقال والليمون والرمان والخروع والدفلى والسيسبان... وهذه الشجرة الهرمة التي تتشابك أغصانها وتتقاطع وتلتف بمئات الأغصان لا اسم لها... مثلي تماما.
تقول الاوراق الرسمية ان اسمي «عصمت ناصر كاظم» ولكن لا عاصم لي ولا من احد ينصرني او يكظم غيظي... وعندما وعيت على الدنيا لم ار «ناصر» ولا «كاظم»... حسنا فعلا حين رحلا مبكرا... ولم انطق اسمي المفترض لأن الاخرين هم الذين يستخدمونه عندما ينادون علي - كان ذلك في زمن الطفولة... أما الآن فلا احد يتذكر اسمي - أما أوراقي الخاصة فتقول غير ذلك... وما دام الأمر يعنيني ولا يخص احدا فسأبقي على اسمي في ادراج رأسي... أنا وحدي من الوك حروفه.. وحدي من امضغ معناه... وحدي من الفظه حين يستبد بي السأم، واعيره إن شئت الى حجارة الطريق.
ليس هذا مهما... اليست هذه الشجرة بلا اسم ولا تحمل اوراقا رسمية وليس لها سجل في دائرة الأحوال المدنية؟ ... ومع ذلك فهي متشبثة بالحياة، متصالبة، وربما متطامنة مع وقفتها الغريبة منذ سنين على جانب شارع تنفث سياراته فتائل الدخان، وتلقيها على جذعها اليابس واغصانها المتعانقة، فتحيلها الى لون الخراب... لكنها تتحدى باخضرار الرأس... اما انا فليس ثمة اخضرار، لا في رأسي ولا في قلبي... امشي في الشوارع التي أجهل أسماءها واتجاهاتها، واشعر انها تلفظني، مع أنني خفيفة الوطء إذ أسير ، ولا اضمر شرا بترابها ولا بإسفلتها.
- لماذا غادرتك العصافير؟
أسألها بصوت متكسر يشبه تكسر الحطب الجاف في النار.
تسألني:
- ولماذا غادرتك المدن؟
تبرق في رأسي الذي ليس له اخضرار مدن «غابرة قرأت عنها في الأساطير وفي «سوالف» عابري السبيل... ولم اتذكر أنني كنت جزءا منها، كأنني انقذفت الى هذا العالم من رحم يابس لم يسعفني الوقت لرؤية الاشياء من حولي... ارى في تلك المدن خيولا وجمالا وهوادج وصنوجا ودفوفا ولغوا ونساء مبرقعات في النهار وما جنات حين يرخي الليل سدوله... ارى عجبا وغرائب واغرابا... ولا اراني... كان ذلك قبل اكتشاف المرآة ... وعندما اكتشفت لم اجدني.
ما يجعلني احس بوجودي هو هذا الاحساس الذي يربطني بها... حيث اقف جوارها كل يوم ... اما ذلك الرجل الذي ينظر لي بريبة كما لو أنني احاول كتم انفاسه، فلا شأن لي به... واذا ما حاول الاتيان بأية حركة مريبة سأحتمي بها.
انه يقترب مني، وانا ا خطو صوبها.. يقترب... ادنو منها وامد يدي الى احد اغصانها اليابسة ... سأكسره ان اقتضى الامر.. انه يتمتم... انصت... يقول كلاما يضيع في ضجيج السيارات... تصبح المسافة بيننا اقرب من حبل المشنقة الى الرقبة.. يجتازني دون ان يلتفت الي... ياللخيبة... ظننته يغازلني.
اتذكر اول عبارة قالها رجل كنت احبه:
- ما اجملك.
وبعدها هطل عسل الكلام... كان ذلك قبل ان تعلن الحرب على الحب في بلاد ما بين النارين... وكادت الارض تميد بي من شدة الفرح، ولم تستطع نفسي صبرا... فلما جاء المساء انطلقت الى نهر دجلة وسيرت على مائة ثلاث شمعات مثبتات على كربة نخيل، اخذها الموج... ولم يتحقق الرجاء.
يباغتني صوتها:
- اما تتعبين من الذكريات؟
أسألها:
- اما تتعبين من الوقوف؟
تجيبني:
- أعيش واموت واقفة ، هذا قدري ، اما انت فتعيشين بأحلام مبتورة ، وتموتين تحت الارض مطمورة.
أجفل، وأرتعب، وأبتعد عنها، فيتبعني صدى صوتها:
مطمورة...
مطمورة...
مطمورة...
وأنا أمضي مسرعة الى مكان آخر... سيلفظني الى آخر...
وآخر.. واخر.
رجل رشيد - بقلم سحر ملص
صوت الجسد يناديها بكل عذاباته وتنهداته اينما تسير ، يلحق بها مثل ظل... مدويا عاليا... صوته يصم اذنيها... يشبه في ايقاعه نقيق الضفادع الشبقي ، تسمعه في نومها ويقظتها، حلها وترحالها حتى يكاد يفضح خفاياها، عبثا تحاول اسكاته بطيات صفحات سنين عمرها التي قاربت على الخمسين، حيث بات السرير الذي يضمها وزوجها مجرد تكرار مهمل لا جديد فيه، بل هو لهاث اسحم بلا معنى.
تطل على وجه الزوج المتغضن فتنكمش على ذاتها، ثم تشيح برأسها حين تصادف انفاسه غير المحتملة، لتغرق في تفكيرها: فهي لا تريد ان تسلك درب الحرام، ثم اليس من حقها الشرعي ان تختار من تشاء؟ اليست المدينة تنادي بالحرية والديمقراطية، فلماذا لا تمارس حقها؟
جلست تضرب اخماسا باسداس وسط لهيبها السرابي، ثم فجأة اشعلت فتيل الحرب بينها وبين زوجها، فبعد شجار عنيف بينهما، وحردها لايام عن البيت وقفت امامه بكل جرأة وصارحته قائلة:
- اسمع اريد الزواج من غيرك...!
@ «ماذا...؟» فتح فمه... وتهدلت شفتيه ثم اردف: «ما الذي تقولينه».
- اعتبرها نزوة جسد... او مراهقة متأخرة تتلبسني...
اعتبرها ما شئت... فأنا اريد الزواج..
- وماذا عن الحب الذي بيننا وسنوات العشرة؟
- لا اريد حبا..
اذا ماذا تريدين؟
صمتت.. تركته مذهولا غير مصدق ثم سارت في دربها وقد اسقط في يده... سألها عن الطفلة ابنتهما... وعن مصيرها...؟
اجابته «لا ادري... سأدعها لك...».
لملمت اغراضها من البيت ورحلت ... تركته ذاهلا حزينا...
بدأت تفكر في الرجل المنشود وكيف ستجده... قلبت وجوه الرجال واحدا فآخر... فلم يعجبها أيا منهم... ذاك قد تجاوز الخمسين فهو حصان عجوز.. وذاك في الاربعين كهل يتنفس بصعوبة.. هرولت في الشارع تسأل المارة عن رجل مناسب تخطبه لنفسها.. سألت صديقاتها .. ثم اهتدت الى فكرة رائعة: خادم فلبيني يصغرها باحدى وعشرين سنة، يا لها من فكرة رائعة جهنمية... وللفلبينيين من حرارة اللقاء ما يغني عن رجال العالم، لا بل انهم يستمدون حرارتهم من خط الاستواء... وغليان مائه... وحريق توابله القادمة عبر طريق الحرير!.
اسرعت تخطبه لنفسها... اخرجته من عند مخدومته ... ثم اقتادته الى القاضي الذي اعادها لصوابها بأنها امرأة مسلمة وهو على غير دينها، وفكرت بأن تهديه للاسلام فتدخل الجنة رخاء سخاء باسلام رجل سوف يصبح بعلها...!
اعجبت الفكرة القاضي الذي لم يسألها ان كانت متزوجة ام لا.. وماذا حل بزوجها... وهل لديها اطفال يبكون غيابها...!
اسلم الخادم الفلبيني الذي ظن نفسه يعيش ليلة من ليالي الف ليلة وليلة بكل سحرها اذ كيف يتحول ما بين عشية وضحاها من خادم ذليل الى زوج امرأة عزيز، لا سيما ان المرأة من نساء المجتمع الراقي...!
سألته: اوتطيعني بكل ما آمرك به؟
اجاب : نعم
- وهل ان تركتك في البيت واقفلت الباب عليك لا تخرج ابدا ولا تكون ناشزا؟
- اقسم لك سيدتي...
«اذن اعلنك بعلا لي...» اسرعت للقاضي الذي عقد زواجها على مقدم قدره دينار ومؤجل قدرة ثلاثمائة دينار، كان القضاة في صالة المحكمة يهللون ويرقصون على انغام التانغو فرحا بدخول فرد في الدين الاسلامي فقد زاد عدد الامة الاسلامية، واحدا..
وبعد عقد القران حمل صبي المحكمة نسخة من صك الزواج وهرول الى الزوج المنكوب واعلن له ان زوجته قد طلقته وتزوجت برجل آخر وطلب منه الدخول في العدة: «اذ كان من عادته كلما سلم مطلقة كتابها يذكرها بضرورة الدخول في العدة!».
لم يصدق زوجها نفسه... بكى ولطم خده وسار في الشارع يحدث المارة عن اعجوبة الزمان، لكن المارة سخروا منه... وسألوه: ماذا في ذلك ايها السيد.
- لكنها امرأة شريفة ونبيلة ، فكيف تتزوج من خادم؟
هذا حقها الشرعي، ولا يوجد زواج بالاكراه...
- وماذا عن اسرتها ... كيف دمرتها بنزوة طائشة؟
لماذا تحمل السلم بالعرض ايها الرجل، مئات الاسر تدمر يوميا دون ان يشتكي احد...!
هرول الى القاضي لعله ينصفه، لكن القاضي سخر منه، بكى الرجل وراح يصيح بأن امرأته قد تركته وتزوجت من خادم فلبيني! نهره القاضي بشدة وهو يردد: لماذا تفضح المرأة يا رجل... فهذا حقها الشرعي!
مسح الرجل دمعته وهو يردد: لكني ضحيت بكل حياتي من اجلها.
- وماذا في ذلك... تستطيع ان تتابع دربك في الحياة وتتزوج من غيرها!
اسقط في يده وخرج يضرب كفا بكف... سار في الشارع ينظر لوحات المدينة التي تحمل اسماء بلا معنى... حدق في لوحة تشير الى مؤسسة رعاية الاسرة، ظن بأنه قد وجد ضالته، ثم دخل يشكو همه للمرشدة الاجتماعية التي اخبرته بأن ما حصل امر عادي جدا.
- وماذا عن الطفلة وما لحق بها من عار جراء فعلة امها؟ ثم اين مبدأ التكافؤ في الزواج؟
هدأت من ثورة غضبه ثم اخبرته بعنف قائلة: «ارجوك ان تصمت وتطوي قصتك والا دانك المجتمع، وربما اتهموك بخيانة زوجتك مما دفعها للبحث عن غيرك... انصحك بأن تلملم جراحك وقصتك قبل ان تصبح اضحوكة للناس، كن شجاعا فالحياة لا تتوقف»، وادارت وجهها وهي تمضغ اللبان بصوت عال.
لملم اذيال خيبته وخرج حزينا تائها اصطدم بأحد جهابذة المدينة من المثقفين الذي كان يستمع لشكواه فنهره قائلا:
- اصح يا رجل ربما وجدت زوجتك في الخادم ما لم تجده فيك!
ثم اليس الخادم انسانا، فما الذي يعيب زواجها؟!
نساء المدينة لم يستنكرن ما حصل، بل هللن وقلن عنها امرأة شجاعة لبت رغباتها، وتمنين لو انهن امتلكن جرأتها وخضن مثل هذه المغامرة . الجميلة...!
اما هي فبعدما طافت ليالي دونكشوتية الايقاع اكتشفت بأن ما سمعته من صوت جسدها لم يكن سوى نعيب بدم غرائزها التي تذوي وهي تطلق اخر صيحاتها مودعة خراب الجسد!
واما الزوج المنكوب فقد جلس حزينا يبكي ضياع عمره، يعانق طفلته ويتألم حزينا على فراقها، تساءل بينه وبين نفسه: ترى ماذا تكون ردة فعل الاخرين لو كنت انا مكانها ، تركت اسرتي وتزوجت من خادمة؟ لا بد بأن المدينة سترجمني وتقول عني رجل فاجر... او مجنون وربما تحجر علي!
لكنه عندما اعاد التفكير وتذكر ردة فعل الناس وما صادفه من فرح وتهليل لما جرى... حدق في الفراغ ثم هتف بصوت عال: اكيد اننا قد وصلنا قمة الديمقراطية.
شهقة المرتقى - شعر زليخة ابو ريشة
لم تساعدني المدينة
المدينة التي كفتاة طائشة
تلقي بأذيال تنورتها في كل الانحاء
وتتمدد دون حشمة
فاتحة ذراعيها
لتعانق بشبق سريع
وفاتحة اثداءها
لترتاح...
لم تصف المدينة كلامي
لم تتحدد - حتى - في السياق
ولم تعد تكلمني الكلام الذي
يلمع
والكلام الذي
يسيل
اكلت المدينة كبدي
التي كانت متهيئة كافتتاحية صباح
ونثرت على اقصى التلال ابتهاجها
بمقتلي
لم اصح بعد من تلك اليد التي تعدت ضلوع
قفصي الصدري لستاره
وامسكت بالملمس الزلق للرئة اليسرى
وافترستها
كيف اصف قلوعي في مهوى محيط؟؟
جالت الشهقة التي ادخرتها في
الجفنين
في ارنبة الانف
وحتى إلية راحتي
ثم قذفت ما تبقى على تراب لم يضم
رفاتي
ليت اني لم اخط الى
الطواء
ليت اني ما تسمرت على
مصيري
ها هي المدينة التي لم تكن اولى الهندات
ولا اخرهن
تتلذذ على المذاق الحريق لكبدي
بعدما رمته الاسفار عليها من
توابل
بعد ما منحيتنه الامصار من
نواسيين
زيــارة صباحيــة إلى حديقة الموت - شعر نضال القاسم
وكان يقطع الشارع
وكان عوده نحيل
طوله فارع
ومر من أمام خيمة الصباح
متعبا
ومر من امام خيمة الصباح
مضرجا تلوكه الجراح
وقبل ان يباغتوه فجأة
وينطفىء
مجللا بالمجد والفخار
ضج، وحين غاب
بين المطارات والسابلة
ذرفت دمعتين
تساءلت في لحظة الحزن اين رفيقي
وهيهات
هيهات
هيهات
يمد لي من قبره يده
لكنني انتظرته بالأمس ان يعود
رأيته كما السراب
رمقته بنظرة تفوح بالأسى العتيق
رأيته
مبللا بالدمع واختلاجات المواويل الجريحة
وارتعاشات المساء
تهدج صوتي
وضج بصدري السؤال
صرخت وقد جف ريقي:
يا أيها المسافر الغريب
لم نزل
تفتات من غبار الطلع
في فضاءات النشيج القاحلة
ونمضغ الحنظل
اينك
لست اطالك
تقاصيت
نجما تعلق بين السموات والارض
على ايكة البدر صرت
تنأى وأمتد
لم أجد سلما لاعتلاء السماء
تبعثرت
يا غيمة دترتنا
انتظرني سآتي
تريث قليلا
تركتني وحدي
انتشلني
فاني
لم اجد في الرفاق سواك
ولم افش سري لغيرك
سأصحو من الحم
حتى أرش الحديقة
أعزق اشجارها
ثم آتي لألثم قبرك المنبت
مستأنسا
بالضباب الكثيف على عرش روحك
والخضرة الخائنة
آتي
لأذرف الدموع باستحياء
نم يا صديقي
إني إليك بحق الشعر أنتسب
نم يا صديقي نم
ان هذا القبر تحرسه السماء