«عكا والملوك» لأحمد رفيق عوض قراءة التاريخ بعيون الحاضر

«عكا والملوك» لأحمد رفيق عوض قراءة التاريخ بعيون الحاضر

عبد الفتاح القلقيلي - «عكا والملوك» هي سادس روايات احمد رفيق عوض، واهمها، وهي ثاني رواياته التاريخية حيث سبقتها «القرمطي» في طبعتيها الاولى عام 2001 والثانية عام 2003.
ورغم ان «القرمطي» رواية جيدة وحازت على جائزة الملك عبدالله الثاني للابداع الا انني اخترت «عكا والملوك» لانها تعالج وقائع فلسطينية، وتبحث في فترة مليئة بالمتناقضات، وتلقي الضوء على هزيمة القائد الموسوم بالنصر لتمس مقدمات الهزيمة واشاراتها، كما انها تغوص في اعماق الناس وقت الحرب، وبها اسقاطات غير مباشرة على الوضع العربي عموما، والفلسطيني خصوصا.
يقسم الكاتب روايته (التي صدرت عن بيت المقدس للنشر والتوزيع 2004، وطبعت ثانية ضمن منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2005) الى تسعة فصول: ابن جبير، قراقوش، ابن شداد، جوانا، سيف الدين علي بن احمد المشطوب، عمر الزين، راشد الدين سنان، الملك ريتشارد، ومتجددات القاضي الفاضل. وتتواصل الفصول وتترابط لا بفعل الفترة الواحدة التي تقع بها احداثها فقط، بل بترابط شخصياتها ايضا. لم يأخذ الكاتب موقع الراوي الا في ثلاثة فصول: قراقوش وسيف الدين والملك ريتشارد، اما الفصول الستة الاخرى فقد جعل اصحابها يروونها. وحينما يتحدث على لسان احدى الشخصيات كان يتقمص اسلوبها ومفرداتها، فهو في «ابن جبير» و«القاضي الفاضل» يتقعر في اللغة، وفي روايته هو يعصرنها.
وتعطي الرواية الشخصيات حقوقها، ما لها وما عليها. في (ص7) يؤكد على لسان ابن جبير(1145-1217( ان الامام حامد الغزالي (المتوفى 1111م) كان قد اسس لعلم الاخلاق في كتابه «احياء علوم الدين» الذي كان يحمله ابن جبير معه على السفينة ويجدر الاشارة هنا الى ان محمد عابد الجابري قد اكد على ذلك مؤخرا في كتابه «العقل العربي الاخلاقي». وفي فصل «قراقوش»، ذلك الخصي الرومي الذي رماه خصومه بكل الموبقات ووسموه بالسخف. عينه صلاح الدين واليا على عكا، فوصل اهلها نوادر «عن واليهم الجديد، جعلتهم يتوقعون الاسوأ من وال ابيض رومي وخصي، ولكنهم فوجئوا بوقاره وصمته الواثق، وهدوئه العجيب، ورغبته في الدفاع عن البلد، وتجديد اسوارها المهدمة» (ص49). ورغم اسطورة صلاح الدين القائد المنتصر الا ان عكا المحاصرة سقطت وهو يحاصر حصارها، واقتحمها الصليبيون وعاثو بها فسادا ومعسكره لا يبعد عنها الا بضعة فراسخ. ورغم ان المؤرخين والادباء يتجاهلون كردية صلاح الدين، ويكتفون بالاشارة لاسلاميته بل يحاول بعضهم اضفاء صفة العروبة عليه، الا ان احمد رفيق عوض يعطي كرديته حقها ابتداء من التنشئة وصولا الى العادات والتقاليد الكردية (ص81)، ولم يكن القواد كلهم معجبين بصلاح الدين فبعضهم كـ «المشطوب» مثلا كان يرى في صلاح الدين، رغم احترامه الشديد له والالتزام بامره، ترددا يغري الفرنجة به(ص135).
يحافظ الكاتب على واقعيته في نظرته للقيم، فرغم ان الحرب تعلمنا الاسوأ فينا، وترغمنا على الاسوأ فينا، الا انه لا يجوز الضعف في الحرب. ورغم ان الحرب استثنائية الا انها معيار حياتنا العادية (ص64). ويضيء الكاتب جانبا من شخصية صلاح الدين الذي يرفض توريط الاطفال في القتال عمليا ونفسيا، فيذكر انه عندما جيء بالاسرى الفرنجة وقام لهم بعض ابناء صلاح الدين الصغار لقتلهم منعهم صلاح الدين لانه لم يرد للاطفال «ان يستهينوا بالدم»، وقد تنازل صلاح الدين عن حصار قلعة «إعزاز» لان طفلة من آل نور الدين طلبت اليه ذلك يوم العيد (ص 82).
وكأن الكاتب يستحضر «ابن جبير» و«جوانا زوجة ملك صقلية واخت ملك انجلترا» ليؤكدا على مقولة ان العرب كانوا اهل علم وزراعة وصناعة(ص33 و102)، كما يستحضر ابن شداد (1145-1234) لينقل عنه (ص74) ان «اهل فلسطين المحروسة اهل زراعة وفلاحة،وهم اسرع الناس واقدرهم على تصيير الجبال الوعرة جنات غناء، هذا امر لم اشاهد مثله حيث ولدت في الموصل، وحيث درست في بغداد، وحيث ذهبت الى حواضر كثيرة»، ولعله يرد ردا استباقيا على اقوال الحركة الصهيونية ان فلسطين قبل الغزو الصهيوني كانت جرداء وان اهل فلسطين كانوا بدوا رحلا.
اما بخصوص الاسقاطات فهي تشبه الى حد كبير اسقاطات رضوى عاشور في ثلاثية «غرناطة»، من حيث انها اسقاطات ملحوظة ومؤثرة وان كانت غير مباشرة.
فهذا صلاح الدين المعروف يإعطاء الاولوية للتفاوض، ولا ينازل العدو الا اذا وصلت المفاوضات الى نهايتها، يقول (حسب رواية المؤرخ ابن شداد): «إن الفرنجة هؤلاء يريدون الارض من دون اصحابها، ويتوهمون انهم الاحق والاقوى...ان الحوار والتفاوض لا يكون مع من لا يراك، ولا يعترف بك، ولا يعطيك حق الحياة» (ص91). وكذلك يقول الكاتب على لسان ابن احمد المشطوب (ص146): «جاء الفرنجة ليستوطنوا هذه البلاد، لا ليخرجوا منها،هنا يتوالدون، وهنا يدفنون موتاهم ايضا، وهم يعتقدون انهم الاحق بهذه البلاد».
وحصار عكا صيف عام 1191م لا يختلف كثيرا عن حصار بيروت في صيف عام 1982م. فالاولى حوصرت «من قبل تسعة وثلاثين ملكا واميرا اوروبيا جاءوا لانقاذ قبر المسيح» والثانية حوصرت بالجيش الاسرائيلي المكون من مهجرين من اكثر من تسعة وثلاثين بلدا جاءوا لانقاذ جليل المسيح. وكما تشابه الحصار ، يكاد يتشابه المقاومون، حيث « ابناء البلاد، من عكا، وشفاعمرو، وصفورية، والزيب، اولئك الذين اكتووا بحكم الاجنبي عدة عقود من الزمن، كانوا على استعداد لان يقدموا آخر قطرة من عرقهم ودمهم لكيلا تسقط المدينة في يد الافرنجي» (ص152). ويروي ابن شداد عن الامراء حول صلاح الدين اثناء الحصار انهم كانوا «كثيري الطلبات، كثيري التذمر، فمنهم من يريد إقطاعا اكبر، ومنهم من يريد ان يزاحم اميرا آخر في إقطاعه، ومنهم من يريد ان يغادر ارض المعركة، ومنهم من كان يطلب مصانعة الفرنجة»، كل ذلك والقائد صلاح الدين «صابر محتسب يلقى الجميع بوجه بشوش، وقلب ثابت» (ص98)... بينما «الناس العاديون، الذين تجدهم في كل مدينة، كانوا على استعداد للصمود الى الابد، ما دام ذلك لله، وللنخوة، وللشهامة، ورفض الاستسلام للاجنبي» (ص152).
وسقوط بيروت لا يختلف كثيرا عن سقوط عكا قبل حوالي ثمانية قرون، فيروي القاضي الفاضل عن الملك العادل أخي صلاح الدين ومسؤول مخابراته انه قال له:
«ما دام القتال قد توقف، وما دام الجيش سيتحرك الى شفرعم بعيدا عن عكا، فإن من الممكن ان نبدأ حربا اخرى من نوع مختلف» (ص261). وما حصل في ضاحيتي بيروت (صبرا وشاتيلا) بعد ايام من سقوطها (17/9/1982) شبيه بما حصل في عكا بعد بضعة ايام من سقوطها (20/8/1191) ، حيث وصل ملك الانجليز الى تل العياضية (الضاحية التي كان بها مقر قيادة صلاح الدين) يجر جنوده ثلاثة آلاف اسير مسلم. وعلى قرع الطبول ونعير الابواق امر فـ«هوت السيوف على رقاب الاسرى...نظر الى الدماء التي غطت تل العياضية، شد هواء عكا الى صدره، وقال: الآن استطيع القول اننا انتصرنا!!!!!».
والرواية حوار بين مجتمعين، حوار ساخن حينا وفاتر حينا آخر، ويقول الشاعر المتوكل طه، عنها: انها «رواية المواجهة الحضارية بين عالمين لا يتشابهان ولا يلتقيان»، واثني على قوله بان «الدين هو مظلوم آخر من مظلومي الحرب التي شنها الفرنجة في القرون الوسطى على عالمنا العربي والاسلامي». بل يمكن القول ان موقع الدين في حرب الفرنجة في ذلك الوقت لا يختلف كثيرا عن موقعه في الحرب التي تشنها علينا الحركة الصهيونية منذ اوائل القرن العشرين. فالحروب، كما يقول المتوكل، «تحتاج الى سبب لقيامها...ولكن مع الوقت يتم البحث عن ذريعة مناسبة حتى ينسى السبب الذي ادى الى قيامها، هكذا هي الحروب».