يوسف بكار - كان ثمة آصرة صداقة بين الرجلين، يقول العودات في «رشحات قلم»/ مقدمة كتابه الآتي ذكره: «ربطتني بفقيد الادب العربي المرحوم ابراهيم طوقان صداقة عميقة الجذور تعود اصولها الى عهد اشرافه على البرامج العربية في محطة الاذاعة الفلسطينية، وظلت تلك الصداقة تقوى وتشتد الى ان لقيت ابراهيم يوما في عمان معتمرا بغداد، فاقبل علي معانقا، وكان زنداه يطبقان على عنقي لسبب خفي اجهله ولم ادر ان البين سيضرب بيننا ابد الدهر». «ص13».
بعد اسابيع من ذلك اللقاء جاء نعي ابراهيم الى صديقه من القدس «12/5/1941» فخبا «وهج ذلك الشعاع الساطع» كما يقول «ص14».
***
لقد تمخضت تلك الصداقة، بعد وفاة ابراهيم، عما في العنوان من «كتاب وخطاب».
فاما الكتاب، فهو «ابراهيم طوقان في وطنياته ووجدانياته»، «المكتبة الاهلية- بيروت 1964»، الفه العودات «وفاء لابراهيم.. ليقف على وطنياته تلك الصرخات التي فجرها.. حمما في الوطن المغصوب، وعلى وجدانياته وهي جانب هام من جوانب عبقريته الفسيحة». «ص15».
الكتاب، كما يبدو وكما يرى الباحث «العوداتي» كايد هاشم ايضا في: «يعقوب العودات.. ملامح من سيرته في آثاره وما كتب عنه» المنشور في كتاب «ادب السيرة والمذكرات في الاردن»، «جامعة آل البيت 1999، ص327»، تجميع لكتابيه السابقين: «الغواني في شعر ابراهيم طوقان»، «دار ريحاني- بيروت 1957»، و«الوطن في شعر ابراهيم طوقان»، «المطبعة الوطنية ومكتبها- عمان 1960».
يتناول الكتاب سيرة ابراهيم الشخصية ونتاجه الشعري تاريخا وتطورا في موضوعيه كليهما. وقد بذل فيه المؤلف جهدا كبيرا اذا ما اخذت بالاعتبار المناخات الثقافية والوعي العلمي والاهتمامات البحثية حينئذ، والاهم انه ثالث كتاب منفرد يؤلف عن ابراهيم بعد كتاب صديقه الحميم عمر فروخ «شاعران معاصران: ابراهيم طوقان وابو القاسم الشابي»، «المكتبة العلمية- بيروت 1954»، وكتاب زكي المحاسني «ابراهيم طوقان شاعر الوطن المغصوب»، «دار الفكر- القاهرة د.ت»، اللذين افاد البدوي الملثم منهما كليهما، ناهيك بانه كان مصدرا من مصادر ماجد الحكواتي معد ما سماه «الاعمال الشعرية الكاملة»، لابراهيم طوقان، الذي نشرته مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للابداع الشعري «الكويت 2002» وما هو بذلك -على اهميته لانه اوفى نشرة الى الان من نشرات ديوان ابراهيم الخمس السابقة- كما بينت في دراستي عن هذه النشرة «جريدة الدستور 15 نيسان 2005»، فقد جمع الحكواتي سبعة نصوص جديدة غير معنونة: ثلاث قصائد قصيرة «ص87 و266 و267»، واربع مقطوعات «ص268 و323 و329»، وهي جميعا من الاضافات الحقيقية لشعر ابراهيم الذي لما يكتمل جمعه ولم متفرقه.
الكتاب يحوي، كذلك، معلومات وآراء لبعض ادباء تلك الحقبة في شعر ابراهيم من مثل: محمد علي الطاهر صاحب جريدة «الشورى» التي كان يصدرها بمصر، وامير البيان شكيب ارسلان، واكرم زعيتر «ص48 - 49»، وفيه نقد لاحمد طوقان شقيق ابراهيم، لانه اسقط من الديوان في نشرته الاولى «دار الشرق الجديد- بيروت 1955» قصيدة «تحية مصر»، التي نشرت اول مرة في جريدة «البرق» اللبنانية «24/12/1931»، بسبب مطلعها:
«تحية لك يا مصر «الفراعين»
ذوي المآثر من حي ومدفون»
الذي قد ت؟؟؟؟ منه «فرعونية» في ابياتها، يقول العودات: «ولعمر الحق انه اخطأ فيما ذهب اليه اذ القصيدة تنضح بالروح القومية». «ص50».
غير انه دلفت الى الكتاب هفوات قليلة لا مندوحة من ان ينبه عليها كي تتلافى اذا ما فيض له ان يطبع من جديد، وهي:
1- يقول العودات في قصيدة «موسم النبي موسى: وفي موسم تال اخذ ابراهيم يخاطب ذلك الموسم برباعيات مختلفة القافية»، «ص63»، مثل:
«ايها الموسم، هل انت سوى
صورة المجد الذي كان لنا؟!
قد مشى الدهر عليه وطوى
صحفا كن سناء وسنى!»
ان هذا الضرب من القوالب الشعرية ليس من «الرباعيات»، بل هو «مثنيات» جمع «مثناة»، وهي قصيدة او مقطوعة «3 - 6 ابيات» او نتفة «بيتان» تبنى صدور ابياتها على قافية واحدة واعجازه على قافية اخرى مختلفة كما في البيتين اعلاه، وهو نمط شاع وانتشر في شعر شعراء المهجر وغيرهم من الشعراء المعاصرين، كما انه كثير جدا في «الشعر النبطي» الذي يطلق على القصيدة منه «القصيدة المثناية»، او «المثنية»، «راجع التفاصيل في بحثي «مثنيات خالد الفيصل بين المحافظة والتجديد» في كتاب: الامير خالد الفيصل، وعي مفكر وابداع فنان، اشراف الدكتورة لويزا بولبرس. دار القرويين، الدار البيضاء- المغرب. ط1: 2003، ص247 - 255».
2- ضبطت لفظة «صيارفة» في بيت ابراهيم:
«اعداؤنا، منذ ان كانوا، (صيارفة)
ونحن، منذ هبطنا الارض، (زراع)»
بتنوين الفتح على انها خبر «كان»، وقد شاع هذا الوهم عند كثيرين ممن قرأوا البيت او استشهدوا به حتى في بعض نشرات ديوان الشاعر لا سيما الاخيرة منها، في حين ان الصحيح ان تضبط بتنوين الضم لانها خبر المبتدأ «اعداؤنا».
3- يقول المؤلف: «في مجالسنا الخاصة كان ابراهيم يتحدث حديث الزهو والاعتزاز عن معاركه الدامية الحمراء.. وكأني به عامدا متعمدا، قد تأسى خطى صريع الغواني «عمر ابن ابي ربيعة»..، وجره هذا الى ان يستطرد ويتحدث عن بعض مغامرات عمر من خلال نموذجين من شعره «ص109 - 110».
الحقيقة ان «صريع الغواني» هو لقب الشاعر مسلم بن الوليد من شعراء العصر العباسي الاول، وهو اللقب الذي تلقب به عمر فروخ صديق ابراهيم في حين تسمى هو «العباس بن الاحنف»، كما تسمى عضوا «دار الندوة» الاخران حافظ جميل العراقي ووجيه البارودي السوري الحموي بشاعرين عباسيين اخرين، اذ تكنى الاول بـ«ابي نواس» وتسمى الاخر بـ«ديك الجن الحمصي».
بيد انه يحمد للبدوي الملثم في نصه السابق انه لم يحذف الف «ابن» في اسم عمر خلافا لما هو شائع خطأ حتى في عنوان ديوانه، اذ الف «ابن» لا تحذف عند معاشر النحويين الا اذا كان الاسم الذي بعدها هو «الوالد»، نفسه، والاسم الذي قبله هو «الابن»، و«ابو ربيعة»، هنا، ليس «والد»، عمر، بل «جده»، اما ابوه فاسمه عبدالله.
4- يقول البدوي الملثم: «وبعض مقطوعات الغزل المؤنث قيلت في «نفر» من طالبات الجامعة الاميركية في بيروت وخارجها». «ص172».
مؤلفو معاجم اللغة القدامى ينصون على ان لفظ «نفر» لا يستعمل الا لجماعة من «الرجال» خاصة ما بين الثلاثة الى العشرة كما في «لسان العرب» لابن منظور مثلا «مادة نفر».
***
اما «الخطاب»، فهو «الكلمة» المقال الذي بعث به البدوي الملثم الى لجنة الاحتفال باربعين ابراهيم طوقان في نابلس بعنوان «الى روح ابراهيم طوقان»، وقد يكون من وثائق صاحبه المنسية، الا انني وجدته مع «كلمات» ومقالات اخرى في كتاب المتوكل طه «الكنوز: ما لم يعرف عن ابراهيم طوقان»، «مؤسسة الاسوار- عكا 1998، ص388 - 392». المهم في هذه «الكلمة» كشف صاحبها عن بداية اطلاعه على شعر ابراهيم من خلال قصيدة «ملائكة الرحمة» منشورة في مجلة «التمدن» التي كان يصدرها حبيب اسطفان في الارجنتين. وقد اعجبته اعجابا حمله على تتبع روائع «ابي جعفر» وملاحقتها، وجعل يطبق عليه تعريف ميخائيل نعيمة للشاعر بانه «نبي وفيلسوف ومصور وموسيقي وكاهن» معززا بنماذج موائمة من شعره كما في النص.
من الطريف ان في بعض هذه النماذج، التي نشرت في ذلك الوقت، ما يختلف عما في ديوان الشاعر، وهذا تأكيد لمبدأ «المعاودة» النقدي عنده الذي درسته في كتابي «ابراهيم طوقان: اضواء جديدة، ص 55 - 63، المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت 2004». فقول ابراهيم من النموذج الاول:
«برح بي الشوق فلما طغى
«هرعت» الى الرسم فكبرته
فلم اجد في الرسم اخلاقها
حيرني حينا وحيرته»
هو من قصيدة «صورتها المكبرة»، «الديوان، ص256، نشرة البابطين»، حيث جاء فيها «فزعت» بدلا من «هرعت»، وهي اقوى دلالة، كما جاء «جربتها حينا وجربته» محل ما في النموذج، وهو ادق واكثر ادء للمعنى.
اما قوله من النموذج الثاني:
«بشراك يا «قلب» فقد اصبحت
تغدو الى ملعبها ثانية»
وهو من قصيدة «ناشدتك الاسلام»، «الديوان، ص260»، فقد استبدل «يا قلبي» بضمير المتكلم» بـ«يا قلب» العام الذي ليس له دلالة «يا قلبي» الخاصة.
اللافت في «الكلمة»، كذلك، صدق عاطفة صاحبها وتوقدها توقدا ممزوجا بالمرارة والاسى والحسرة لا على ابراهيم حسب، انما على ما كان يعتور العالم آنذاك من شرور وآثام لاخالها تداني ما هي عليه في زماننا الاردأ هذا، وقد عبر عن ذلك كله بصور استعارية غريبة مؤداة بالفاظ «شعبية» كان ابراهيم نفسه من الحراص على ان يفزع اليها حين يجد ان الاستعمال «الفصيح» لا ينوء بقوة ثقل المعنى الذي يرغب في ان يعبر عنه ويوصله الى المتلقين من خاصة وعامة على حد سواء، من هذه الصورة القاسية الساخرة التي شبه فيها البدوي الملثم «العالم» بـ«المخاط» اذ قال: «هكذا انطلق شاعر فلسطين الملهم ابراهيم طوقان «ماخطا» من انفه «عالما» طائشا جانيا تغيض «معاطسه» بارودا وشرورا!».
الخطاب، قبل كل شيء وبعده، وثيقة ادبية من وثائق البدوي الملثم التي تستحق ان يعاد نشرها لتضاف الى وثائقه الاخرى التي يطلع علينا بها، بين الحين والحين، بعنوان «من اوراق يعقوب العودات «البدوي الملثم» منشورة في «الرأي» الباحث الشاب كايد هاشم اكبر المختصين بتراث البدوي الملثم والحريص جدا على ملاحقة آثاره ولم شيتها بمؤازرة جادة من نجل العودات الصيدلاني الدمث الدكتور خالد.
ولقد لمست هذا بنفسي في «عشاء ادب» -على غرار عشاء او غداء عمل- دعاني اليه الدكتور خالد بصحبة الباحث كايد هاشم ونفرض اصدقاء والده القدامى ومحبيه وعارفي فضله ممن دعوا للمشاركة في ندوة صديقهم الاخر الراحل روكس بن زائد العزيزي التي نظمتها وزارة الثقافة في المركز الثقافي الملكي «7 - 8/8/2005» وهم: الاستاذ وديع فلسطين من مصر، والاستاذ رياض عبدالله حلاق صاحب مجلة «الضاد» الحلبية ونجله الدكتور عبدالله رئيس تحريرها.
ولشد ما ادهشني في هذا اللقاء، الذي لا ينسى، تدفق ذكريات رياض حلاق ووديع فلسطين عن يعقوب العودات بمعلومات جديرة بالتقييد والتوثيق تردفها معلومات خالد وشقيقته التي كانت ما ان تلتقط خيط المعلومة من رياض او وديع حتى تعضدها وتثريها من مخزون معلوماتها وذكرياتها الكبير عن والدها الراحل كأنها، وهي كذلك، كانت «كاتمة اسراره» او «سكرتيرة» وفية مخلصة له، ناهيك بحديثها الشائق عن مآثره وكرمه مع اصدقائه وعن مواقفه الوطنية والقومية والانسانية، وبحافظتها الشعرية الباهرة وجودة القائها.
نص الخطاب/ المقال
الشاعر الذي قضى
«الى روح ابراهيم طوقان»
كما تمر النسمة الغادية العاطرة! او نغمة الغناء العذبة! وكما ينطلق لحن الموسيقى الجميل! هكذا انطلق شاعر فلسطين الملهم ابراهيم طوقان الى جنة الخلد، ماخطا من انفه عالما طائشا جانيا تفيض معاطسه بارودا وشرورا! هازجا بالشعر لغة السماء! مرددا في عروجه الى الملأ العلوي على مسمع كل عابر نشيد صنوه شاعر الخلود المرحوم «فوزي المعلوف» امسية امتطى طيارة حملته فوق اجواء البرازيل مخاطبا جماعة الطير بقوله:
«لا تخافي يا طير ما انا الا
شاعر تطرب الطيور لشعره
زارك اليوم متعبا ينشد الراحة
في هدأة السكون وسحره
فرعن ارضه فرارك عنها
من اذى اهلها وتنكيل دهره»
كان اول من نقل الى مسمعي اسم الشاعر المعطار الذي نجتمع اليوم لاحياء اربعينه عدد من مجلة «التمدن» الارجنتينية لمنشئها الخطيب اللبيب حبيب اسطفان، وقد نشر في صدره قصيدة نظمها شاعرنا الفقيد في المستشفى عنوانها «ملائكة الرحمة!» ضممنها عبير امتنانه للمرضات اللواتي قمن على خدمته خلال مرضه وقد وشحها الاستاذ اسطفان بتوطئة رائعة قال فيها:
«والقصيدة في رأينا من الطف ما وصلت اليه قرائح الشعراء في هذا الباب، فهي من السهل الممتنع في رقة معانيها ولطف قافيتها وسمو خيالها وجمال ما فيه من الوصف، ولو كان كل ما ينظمه شعراؤنا في هذا الباب من هذا النوع لكان الشعر العربي في درجة عالية من القوة والفتوة».
قرأت كلمة العلامة العربي حبيب اسطفان فأيقنت ان العربي الالمعي اسطفانا لا يصرف مثل هذا القول جزافا الا لشاعر توسم فيه النجابة والنبوغ، فتطلعت نفسي منذ ذلك اليوم الى هذا الشاعر الموهوب ورحت من توي الحظ روائعه بعين الاهتمام. فكنت ازداد اعجابا بما تتفتق عنه المخيلة الطوقانية الممرعة من نفثات مجنحة ما زالت انفاسها مرفة فوق خمائل بيروت وندوات ادبها المعطرة التي كانت شغوفة بما ينتج خيال هذا الشاعر المبدع من دعابات وطرائف كان من شأنها ان رفعت اسهما! وانزلت اسهما، فأقبلت صحافة بيروت على نشر روائع «ابي جعفر»، وراحت صحف المجموعة العربية تنقل عنها كل ما تحمله ريشة ابراهيم القديرة من اصباغ وصور حية.
من الناس -كما يقرر ذلك نقادة الادب العربي الاستاذ مخائيل نعيمة- من اذا جالستهم ساعة مللتهم وضرعت الى ربك الا يجمعك بهم ثانية، ومنهم من تجالسهم دقيقة فتود لو تجالسهم دهرا.
«والشاعر» كما يحلو لمخائيل نعيمة ان يعرفه في موضوع اخر:
نبي وفيلسوف ومصور وموسيقي وكاهن
نبي، لانه يرى بعينه الروحية ما لا يراه بشر!
ومصور، لانه يقدر ان يسكب ما يراه ويسمعه في قوالب جميلة من صور الكلام.
وموسيقي، لانه يسمع اصواتا موزونة حيث لا نسمع نحن سوى هدير وجعجعة! والعالم عنده كله ليس سوى آلة موسيقية تنقر على اوتارها اصابع الجمال.
وكاهن، لانه يخدم الها هو الحقيقة والجمال ويظهر له هذا الاله في ازياء مختلفة لكنه يعرفه اينما رأه ويقدم له تسابيح حيثما احست روحه بوجوده.
وانك لواجد هذه الخصائص شائعة بارزة في شعر فقيد الادب العربي المرحوم ابراهيم طوقان الذي جاءت وفاته خسارة فادحة لدولة الشعر، ولو رحت تلتمس هذه الخصائص في شعر ابراهيم لوجدتها شائعة في سائر منظومه، ودونك الابيات التالية التي تشير الى براعة ابراهيم «المصور»:
برح بي الشوق فلما طغى
هرعت للرسم فكبرته
فما شفى داء ولكنما
قلبي شكا البعد فعللته
فلم اجد في الرسم اخلاقها
حيرني حينا وحيرته
ونفس عنك بوارح هذه الحياة المستهترة في نظرك الى هذه اللوحة الشعرية الرائعة ذات الطيوف والاظلال:
يا -فوز- ويلي منك يا قاسية
عذبتني ظلما كفي ما بيه
اراك في اليوم ثلاثا ولا
انال الا النظرة الجافية
والله لو تدرين ما قصتي
ما كنت عن حالي اذن راضية
بل كنت لي عونا على غربتي
وكنت لي راحمة آسية
مرضت اياما ولم تطلعي
ظللت فيها مهجتي دامية
اسأل عنك الناس مستخبرا
ولهان ادعو لك بالعافية
حتى اذا ابللت يا منيتي
خفف عني الله بلوائية
بشراك يا قلب فقد اصبحت
تغدو الى ملعبها ثانية
ودونك ابراهيم «الفيلسوف» في ابياته الرائعة:
يلذ لي يا عين ان تسهدي
وتشتري الصفو بطيب الكرى
لي رقدة طويلة في غد
لله ما اعمقها في الثرى!
الم تري طير الصبى في يدي؟
اخشى مع الغفلة ان ينفرا
طال جناحاه وقد يهتدي
الى اعالي دوحه مبكرا
واما ابراهيم «الكاهن» فتراه متزملا بمسوح العابد المتبتل في موشحه «نشيد الحجاز!» وقد استهله بقوله:
بلاد الحجاز اليك هفا
فؤادي وهام بحب النبي
ويا حبذا زمزم والصفا ويا طيب ذاك الثرى الطيب
والصورة التالية تطالعك بابراهيم الموسيقي:
حسبت ان الشبابا
ولى حميدا وغابا
وما ظننت فؤادي
الا اهتدى وانابا
هيهات لم يرض قلبي
من الهوى ما اصابا
يا نظرة لم اردها
ساقت الي عذابا
لم ادر ان الزوايا
يا قلب فيها خبايا..
يا اخوان ابراهيم الملهوفين:
بربكم المتعالي القدير لا تقولوا ان «ابراهيم» قد مات! بل ثقوا ان الشاعر هو آية من آيات الالوهية حل في العالم فلم يسعه هذا العالم ولم تملأ فراغ نفسه النبيلة امجاد هذا الكون الزائل فطار الى عالم سام حيث يرتل تناغيم الخلود التي طالما اسمعنا قوافيها العذبة على قيثارة شعره الحالم.
إن ذكرى هذا الشاعر الالمعي الذي فقدناه لتظل محلقة فوق «نابلس».