محمد محمود البشتاوي - يحار الباحث حين يريد تناول آثار المبدع الموسوعي جبرا ابراهيم جبرا، ففي اي اتجاه نذهب نجد جبرا ماثلا امامنا، في القصة والرواية والشعر والنقد والفن التشكيلي والترجمة وفي المقالة (التي تتناول الموضوع الثقافي بدرجة عالية من الوعي).
فمن أين نبدأ؟! سؤال يفرض نفسه بشكل تلقائي على المتابع لآثار جبرا، او لنقل - بشكل أكثر وضوح - سؤال يفرض نفسه على من يريد ان يأخذ على عاتقه تناول جبرا كموسوعة، وليس بالشرط ان يفرض السؤال نفسه على الباحث الذي يريد قراءة وتفكيك احد اعمال جبرا في ميادين الثقافة المختلفة.
نقطة بداية
لن أتناول جبرا هنا كبحث شامل لآثاره، فتناول جبرا كموسوعة يقتضي ان ننتقل من البحث الى المشروع الثقافي، لما لهذا المبدع من تنوع، وسعة افق ومعرفة عالية - في الثقافتين العربية والغربية - وهذا يحتاج الى باحث ملم بـ جبرا الموسوعة، ومثل هكذا مشروع بلا ادنى شك يشكل مرتكزا اساسيا ورافدا حيويا في الحياة الثقافية العربية والفلسطينية، بل ويتعدى المشروع ذلك الى الحياة الثقافية الانسانية التي منحها جبرا من ابداعاته وطاقاته الشيء الكثير، ومثل هكذا مشروع يحتاج الى التقصي والبحث الدؤوب والتفرغ التام لإنجاز ما تستحقه آثار جبرا من دراسة وتحليل.
لذا فما سيكون عليه الحال في تناولي لآثار جبرا سيكون جزئيا حيث سأتناول احد الروايات التي كتبها المبدع الراحل، وهي رواية بلا شك تعد من الروايات الرائدة على الساحة الثقافية.. انها «الغرف الاخرى» التي ادخلتنا في دهاليز اللامكان، او بالاحرى المكان اللامعروف للراوي، وهو الفائض بتفاصيل المكان الجزئية، حيث الوصف الدقيق.. الوصف المتكىء على عمق التأمل لدى جبرا، يشير الى عكس ما توحي اليه دهاليز «الغرف الاخرى»!
دهاليز الغرف
يشير جبرا في مقدمة الرواية - التي لا تتعدى الصفحتين - الى حكاية شعبية تتحدث عن اميرة منحها الامير عددا من غرف قصره، وحذرها من دخول غرف اخرى، الا ان الفضول دفع الاميرة الى المجازفة وخرق الحذر الذي وجهه الامير لها، وتم ذلك بعدما اخلي القصر من الأمير الذي اخذ الخدم والحشم الى رحلة صيد في الغابة، ويكمل جبرا - حسبما ورد في الحكاية الشعبية: «وكان خرقها للتحذير ودخولها الى الغرف هو بداية الدخول الى دهاليز «الغرف الاخرى، فما ان تفتح بابا لغرفة حتى يغلق خلفها وهكذا تظل اسيرة للغرف التي لا تنتهي..
والسؤال الذي يتبادر الى الذهن هو: لما يبدأ جبرا بهكذا مقدمة تشير الى هذه الحكاية؟ كان بامكان جبرا الدخول بعملية الروي بلا هذه الاشارة..! لعل جبرا اراد التلميح الى دور هذه الحكاية في تشكيل الفكرة الاساسية للرواية.. وربما اراد من ذلك ان ينبه القارىء والمبدع والناقد الى الدور الذي تلعبه الحكايات الشعبية في عملية البناء وتطوير القدرة على الخلق الادبي.. وهذا وارد كون الكثير من المبدعين شكلت لديهم مثلا «حكايات كليلة ودمنة» و«الف ليلة وليلة» وعيا منذ الطفولة..
طريق بلا معالم
يضع جبرا القارىء امام حقيقة موجودة على ارض الواقع: الا وهي ضياع الهوية! فما ان يبدأ القارىء بتتبع خيوط الرواية ويمسك باطرافها حتى يتساءل: كيف يكون الراوي عالما بمدينته شارعا شارعا - بل شبرا فـ شبرا - ثم يجهل المكان الذي هو داخل مدينته؟! أتكون المدينة تعرضت لعملية التغيير؟! ربما! والشق الثاني من السؤال: من ذا الذي جر قدميه الى هكذا مكان؟!، ايكون الراوي قد جاء الى المكان مجبرا ام مختارا؟ خصوصا وان الراوي يضعنا امام حدث المكان بلا مقدمات، فلم يخبرنا مثلا بانه دخل المكان اثناء عودته من العمل او اثناء ذهابه الى العمل او السوق.. وعليه يكون الراوي قد مر بالمكان الذي تدور به احداث الرواية، الا اننا نجد الراوي يقص لنا عملية وقوفه في هذا المكان «الغريب» عنه، كما يصفه ويصف الاشخاص الذين قابلهم في ذلك المكان.
والأرجح بان الراوي اجبر على دخول المكان، ونزح اليه قسرا، لانه لم يكن يثق بأحد، وكان دائم التفحص والتدقيق في وجوه الناس، عله يعثر على وجه معروف له، وكان يقوم بمسح المكان بعينيه عله يجد معلما يساعده على معرفة الارض التي تطأها قدميه.
ويأتي جبرا ليطرح الاشكالية الثانية: دهاليز المكان! فهو يساق او يخطف الى مكان آخر يجهله جهلا تاما، حينما يدخل مبنى ضخم مكون من: عدد كبير من الغرف، الممرات، القاعات.. وكأن جبرا يصف المكان بما هو اشبه بالمعتقل، لعدد من الاسباب: أولا: طريقة جلب الراوي الى هذا المبنى: حيث رفض في المرة الاولى ان يركب الشاحنة المكتظة بالبشر (اكتظاظا يشبه الى حد كبير الشاحنات العسكرية التي يزج بها الناس اعتباطا)، وقد احبط الراوي كل المحاولات الهادفة لدخوله في هذه الشاحنة، وكانت عملية ادخاله الى المكان (المبنى) هي عملية قسرية لم يجد منها فرارا، خصوصا مع فقدان الأمل في قدوم اي مواصلات تذكر، مما اجبر الراوي على ان يركب السيارة التي تقودها فتاة يجهلها، وبعدئذ يتحقق من هويتها ويعلم بأنها ذات الفتاة التي حاولت اغراءه لدخول الشاحنة.
ثانيا: التحقيق مع الراوي وطرح عدد من الاسئلة عليه.
ثالثا: محاولة لصق اسم «الدكتور عدوان نمر» بالراوي، والذي بدوره يصر على انكاره وعدم التعرف على الاسم.
رابعا: عقد محكمة للراوي - تظهر جليا بانها صورية ومدعاة للسخرية - فالتهمة الموجهة الى الراوي هي باطلة - حسبما هو يقول، وحسبما يظهر بعد المحكمة مباشرة، محامية الادعاء والدفاع وجمهور الصالة والقاضي - او ما يسد مكانه في عملية ترتيب وتوزيع الادوار.
خامسا: عدم معرفة الراوي سبب وجوده في المبنى الضخم، ومماطلة وتسويف القائمين في المبنى عن تقديم اي سبب يذكر لوجوده، ومنعه من الخروج.
سادسا: المحاولات العديدة لعملية غسل الدماغ وطمس ذاكرة الراوي من خلال تعريضه لمؤثرات تقنية توهمه باشخاص هو على سابق معرفة بهم، كذلك الايحاء بعملية «قراءة الافكار»، والتي توحي بان القائمين يعلمون بـ كل شيء يدور في ذهن الراوي لمجر النظر اليه. وتصل الدرجة بان القارىء يشكل في هوية الراوي الذي يدخل في مرحلة ضياع الهوية ومأزق السؤال: «من أنا»؟! سابعا: كان يمكن ان نقول ان الراوي في فندق (كونه يشترك مع المعتقل بـ الغرف والممرات والقاعات، خصوصا وان المكان الذي يصفه الراوي هو شبيه بـ الفنادق مع فارق في المعاملة..) الا ان الصورة تظهر غير ذلك: فليس هكذا يعامل نزلاء الفندق: لا يتم التشكيك والتحقيق معهم ولا عقد محاكم صورية ولا يعرضون لمحاولات غسل دماغ.
من هنا يضعنا جبرا امام المكان او جحيم المكان الذي فيه الكثير من الصور الغرائبية. والقائمين على ادارة المبنى - المكان - هم اشبه بـ المدعين والمحتالين - رغم الاوصاف التي يتمتعون بها في الرواية، ولدينا ايضا المجتمع - الجمهور الذي تم حشده من كل مكان، وهو مجتمع ابله كثير التصديق والتصفيق ولا يحسن غير ذلك - ايكون بذلك قريبا الى المجتمع العربي! ولدينا المرأة: التي صورها جبرا هنا وكأنها فخ لاستدراج الراوي، حيث لم تفلح عدة محاولات اولها كان في الشاحنة.. واخرى تمثلت في الغرفة الزرقاء.. وايضا اخذت صورة الابهام لادخال الراوي في دائرة الشك الداخلي وهز ثقته بذاته.. وفي ذات الوقت كانت المرأة في ذاكرة الراوي عبقة بالصدق حينما يتذكر الراوي حبيبته او خطيبته.
ويتضح كابوس المكان جليا من خلال وجود وسائط الكترونية عالية الدقة والقدرة على رصد دبيب النمل على الارض، فكل ما يقوم به الراوي في المبنى هو مقيد ومصور ومسجل، وتصل الامور ذروتها حين يكون تفكيره خاضعا للمراقبة! فمجرد ما ينظر الى الستائر يعرف المرافق له رغبته في فتح الستائر!! وعليه فان القارىء يجد نفسه في عالم لا يقل غرابة عن عوالم «الف ليلة وليلة» بما فيها من غرائبية وخيال واسع.
لقد نجح جبرا في بناء المكان، بناء كابوسيا غرائبيا.. وبناء طبيعيا ينبثق من رحم الواقع، فكان المكان لوحة تتداخل بها الألوان، ألوان الطبيعة وألوان التمازج التي بدورها تفرز الونا جديدة، فكان البناء المكاني في الرواية يضم الاجزاء التالية: الشارع، المباني والسيارات والاشجار، قاعة الانتظار، المكتب، المكتبة، المقاعد، المسرح، الممرات، الساحة، الغرف والغرفة الزرقاء والغرفة «الزنزانة» التي يتبدل بها المكان - النافذة مثلا والوان الجدران، وغرفة التشخيص النفسي والمعنوي والتي عمادها الاطباء والممرضين والمتدربين وادواتهم: وهذه الغرفة تختص في قراءة وتحليل الشخص المعني او المستهدف.. الدرج، ونستطيع ان نضيف الوسائط الالكترونية على المكان: التلفاز، الراديو، الهاتف.
ضياع هوية الراوي
في رواية جبرا «السفينة» عبر اديبنا المبدع الموسوعي عن فكرة ضياع الهوية: حيث «ينتحر» البطل الدكتور فالح بسبب ضياع هويته ووقوعه تحت نير الاحتلال البغيض.
وهذه النتيجة هي ثمرة التخاذل والتقاعس الفردي والجمعي عن انقاذ الوضع منذ البداية - قبل ان يتدهور، كي لا يأتي وقت يتردد فيه صدى «انقاذ ما يمكن انقاذه» وهو ما اعنيه هنا من التدهور حتى الوصول الى حافة الهزيمة - الانتحار - في تلك اللحظة تكون جميع المحرمات قد سقطت فيكون الانتحار آخر تنازل يتم تقديمه في مسلسل التنازلات.
في رواية جبرا «الغرف الاخرى» الانتحار غير وارد بتاتا، ولكن هنالك تقديم للمؤلف حول الرواية واستنادها على المنظومة الشعبية التراثية، وهنا يأخذ التقديم الاشارة التالية: التحذير..
نعم التحذير من دخول «الغرف الاخرى» التي تقود الى متاهات الدهاليز المستعصية على الفكاك، فكانت الرواية اشبه بحلم غرائبي: كيف يقاد الانسان الى الضياع رغما عن انفه؟! ومن الذي اجبره على التقدم خطوة الى الدائرة الصعبة؟ نبدأ باجابة الثاني لحل السؤال الاول: ففي المقدمة التي خطبها جبرا: مفتاح الغرف! حيث يشير الى ان الاميرة بكامل رغبتها وفضولها الاعمى دخلت الدائرة الصعبة التي ارغمتها مستلبة الارادة لمتاهات الدهاليز فتستوي هنا الرغبة والفضول الأعمى على ارض الواقع مع: شهوة السلطة والمنصب والتسلط وغيرها من حلقات تجبر الفرد على الجماعة، وعصيانه للمحاذير،، وتطويع نفسه وتكييفها، أكان مجبرا في ذلك ام مختارا، لينساق في دهاليز التبعية والتسلط والفساد والتكرش السلطوي.. والذي بدوره لا يجد منها فكاكا سوى مزيد من التوغل في هذه الدوائر المغلقة.
في الرواية تكون الاشارة الى ضياع الهوية بتعدد «الهويات»!، حيث للشخصية الرئيسية اكثر من اسم، حتى ان الراوي - الشخصية المحورية - تضيع هي ذاتها في وسط هذا التعدد من «الهويات»: أهو الدكتور كما تردد كثيرا على السان الشخصيات!، ام المهندس، ام الموظف، ام المفكر، ام الشاعر، ام عدوان نمر؟!، ويبقى السؤال واردا حتى النهاية التي لا تخلو من اشارة حول اللاهوية.
يتمثل ضياع الهوية - اضافة للتعدد في «الهويات» - في اليأس والمداراة: فبعد ان يأس الراوي من اقناع الجموع بهويته وشخصيته التي لا علاقة لها بـ الدكتور «عدوان نمر»، أخذ يردد في داخله المونولوج الذي يفيد بالتسليم بما هو واقع، فالمحاولات لم تجد سابقا في اقناع الجموع «الجماهير والنخب» مما دفع الراوي الى الدخول في المسرحية، المسرحية التي يعلم بانها هزيلة ومضحكة! فأي تناقض هذا الذي اقدم عليه الراوي - الشخصية المحورية - وشرب نخبة (اي نخب الدكتور عدوان نمر)؟ وبارك للنخب السياسية والثقافية زيف هويته بنخب وحفل مغلق! ضياع الهوية تمثل في «اللامبالاة» وعدم الاكتراث، فعندما طلب منه المراسل ان يكتب «طلب الخروج» من الدهاليز، اشار الراوي للمراسل بان يكتب الطلب بالنيابة عنه، على اساس ان المراسل - الثلعب والطفل كما سيتضح فيما بعد - اعلم بهوية الراوي من الراوي نفسه! وعلى اساس ان الراوي لم يعد لديه القابلية ليكتب حتى طلب النجاة بيديه! واي طلب هذا الذي يعجز عنه الراوي ذا الشخصية المحورية المثقفة والواعية في الرواية: انه طلب لكي ينهي كابوس الدهليز! ولكن على ما يبدو بانه - اي الراوي - غير واثق بذاته، فأوكل تحرير ذاته الى من لا يعلم عنها شيئا - بل اوكلها الى من هو على ثقة بخبثه ومكره! اللامبالاة كظاهرة سلبية موجودة منذ قدم التاريخ، لها اشكالها ولكل شكل سبب في تشكيله: فاللامبالاة تأتي من الحرية المطلقة، ولها شكل آخر يأتي من اللامبالاة اللاارادية: وهي حالة من الحتمية المطلقة يتساوى فيها كل شيء، فيصبح الصواب والخطأ على ذات الميزان - كلاهما متساو - وهنالك اللامبالاة الارادية والتي يسلكها الفرد عندما يجد الاحداث المحيطة به غير جدية ومجدية للاهتمام، وهنالك اللامبالاة «العادة» التي تصبح جزءا من سلوك الفرد، وأين كانت «اللامبالاة» فانها خالية من الايجابية، وما هي الا ظاهرة سلبية تفقد الانسان هويته وتقيد من حركة تفكيره.
وتعكس التناقضات السابقة من تعدد الهوية واليأس والقنوط واللامبالاة الى ضياع الهوية بشكل واضح، والهوية لا تحتاج الى تعريف «معجمي»، ففاقد الهوية نتيجة الاحتلال والاستعمار يدرك معنى الهوية اكثر ممن يعيش في سلم وأمن نتيجة «اللا الاحتلال» والاستقرار الناجم عنه، فالارض والانسان والتاريخ والتراث والموروث الشعبي.. كلها اساسيات وركائز لوجود الهوية.
وما كان في الرواية من شخصية الراوي شكل من اشكال فقدان الهوية، والاجدى والاصح السعي لـ وحدة الهوية لا لتعددها، بالبحث والمثابرة وليس باليأس والمدارة، بالتصميم والارادة وليس باللامبالاة وعدم الاكتراث.. وكلها عناصر تشير الى ضرورة الدفع باتجاه المقاومة، والمقاومة ليست «كلمة تقال والسلام»! بل هي بناء يحتاج الى وعي كاف، يضمن استمراريتها وتصاعد وتيرتها، وما نعنيه هو ان تكون المقاومة مشروع متكامل، لها رؤيتها المستقبلية، لها حصانتها الداخلية من اي اختراق، لها ما لها من يقظة دائمة كي لا تقع في المحظور، وتصبح «ممسرحة» وفق سيناريوهات المؤامرات والدسائس، وهو الدهليز بعنيه.
شخصيات الرواية ووظائفهم
شخصيات الرواية هم بلا استثناء مثقفون ويعون كيف تصاغ الكلمة، بل ولهم قدرة على الجدل النظري وفي صفحات الرواية يشار الى «المثقفين والسياسيين» كفئة لها حضورها المتميز، ونستثني في الرواية الجمهور الذي لم يأخذ الا صيغة: الجمهور، وهو جمهور مغلوب على امره! وهنا يتقاطع الجمهور الروائي مع الجمهور العربي، فصورة كلاهما صورة هامشية، رغم ان الجماهير هي القادرة على اخذ مبادرة التغيير والتحريك، ولكن - وكما يتضح في كلا النموذجين: السيطرة المحكمة للنخب الثقافية والسياسية، بل ولأشباه النخب ايضا! ونذكر هنا اهم شخصيات الرواية: 1- الراوي: وهو من ابرز الشخصيات التي يوليها جبرا الاهتمام، فهو مركز الاحداث في الرواية، ويظهر بصورة المثقف والواعي، والصفات التي الصقت به من قبل شخصيات الرواية: الدكتور، المفكر، المنظر، المهندس، الاديب، الشاعر، وكأننا امام شخصية كاريزمية تتوفر بها الصفات القيادة غير الموجودة على ارض الواقع! والراوي متعدد الصفات يحمل ضمير المتكلم «انا» الذي على لسانه يتم سرد الاحداث، مع توزيع الادوار للشخصيات الاخرى، والتي لها ايضا دور رئيسي 2- المرأة: هيفاء، لمياء... وقد اخذت المرأة في الرواية دورا مهما جدا، بحيث سارت جنبا الى جنب مع الراوي، ولكن دورها هنا كان سلبيا على الاغلب ، ولها ادوار ايجابية ايضا ، السلبية تكمن في جعلها فخا لاصطياد الراوي، الايجابية لم تكن اكثر من شريط قصير من الذكريات في ذهن الراوي، ورغم ذلك فهي ايضا ذات ثقل في مجتمع الرواية: فهي الدكتورة والمحامية ومحامية الادعاء والمعدة والمخططة والمقدمة... ، وفي ذات الوقت استخدمت كوسيلة اغراء لتطويق الراوي (ورغم تعدد صورها في الغرف الاخرى فهي ليست بعيدة عن غرف الواقع، حيث تسخر المرأة لاهداف غير نبيلة».
3- المراسل: وهو ذو شخصية فريدة من نوعها، يحيك الدسائس كالثعالب ويتنكر لفعلته كطفل يهاب التأنين!، هو جاهل بكل شيء لكنه يمسك الكثير من الخيوط ذات الاهمية!، وهو المراسل الذي يقود الدكتور - الضخية الرئيسية في الرواية - داخل الدهاليز المظلمة، فكان البوصلة التي تقود السفينة، وهو - اي المراسل - من سعى في عملية اخراج الدكتور الى بوابة الخروج فكان آمنا!...
نسق بناء الرواية
يؤسس جبرا نصه الروائي بتقنيات حديثة، مستبعدا في ذات الوقت تقنيات اخرى، فالرواية ليست مبنية بأسلوب القطع التلفزيوني او السينمائي كما في رواية «احياء في البحر الميت» للأديب الراحل مؤنس الرزاز، او كما في «انت منذ اليوم» لدى الاديب الراحل تيسير سبول....
الروائي جبرا يؤسس «الغرف الاخرى» على النسق التصاعدي للاحداث، بناء محكما بجمع الجزئيات، يضع محورا ومرتكزا اساسيا للاطراف، وبطبيعة الحال يدخل في هذا النسق: المونولوج، الحوارات الرئيسية والهوامشية ، الخطاب المعرفي والايدلوجي، وكل هذا يدخل في تركيب الاحداث واعطاء النتائج والاحكام...، وهذا البناء بدوره يقود لتتبع القارئ وانجذابه للابداع في الرواية، والذي قد يصل لدرجة الاستلاب والتسليم بضرورة المتابعة حتى الوصول الى الصفة الاخيرة.
هذا هو عنصر التشويق الذي تفتقده الكثير من الروايات، التي تركز على جانب في البناء وتهمل الجوانب الاخرى، كأن تركز على بناء المكان وتنسى التأسيس للاحداث، او بث الخطاب الايدلوجي او الفكري على حساب فنية العمل... ، وهذه الهفوات - ان تسميتها كذلك - تنزع عن الرواية صفة الابداع...
اذن جبرا في هذا العمل أخذ على عاتقه ان يقوم ببناء تصاعدي للاحداث، فما ان تدخل في حدث الرواية - المتمثل في ضياع الهوية: دهاليز الغرف والمكان - حتى يبدأ الحدث بالتصاعد والتعقيد، فكأنما أنت - أنا - القارىء نعاني مما وضعه جبرا، فالمأزق لا يصل الى نهاية، انها حلقات ليست مفرغة كما تظن!، انها حلقات مليئة بالازمة - الازمات، موصولة ببعضها بعضا، تبدأ بأزمة وتنتهي الامور بازمة الخروج والدخول في ازمة النص المفتوح على التأمل: ماذا بعد خروج الراوي من دهاليز المكان: هل انتهى الكابوس؟! ربما وفي مثل هكذا بناء محكم نجد جبرا يوظف المخزون الثقافي لديه في الرواية، واذ بنا أمام مناقشة لشعر المتنبي: «كلما أنبت الزمان قناة - ركب المرء في القناة سنانا، وما ان ينهي البيت الشعري حتى يدخل في شرحه بعيدا عن العروض والاوزان واللفظ، ليأخذ المعنى، فالمتنبي يشير - كما يرى جبرا - الى طبيعة الانسان التي تسير عكس الطبيعة، فالقناة التي وجدت لخير الانسان، يركب عليها - الانسان ذاته - السنان لتكون وسيلة للقتل والشر! فالى اي حد يبتعد المتنبي عن الواقع حينما يوظف كل شيء - حاضرا - لخدمة السلاح والقتل؟! (فيطور القاتل والمعتدي سلاحه ليكون اكثر فتكا، وفي ذات الوقت يحتكر القوة لنفسه محرما على المعتدى عليه امتلاك اسباب القوة والدفاع!!، والسؤال هنا لماذا اختار جبرا هذا البيت وسلط عليه ضوء التحليل و«الشعر ديوان العرب»؟!.
ليس هذا حسب، ففي ثنايا الرواية نصوصا من الشعر، نجد الشعراء عربا - غربا، نجد الكتب والفلسفة والفلاسفة، والاهم من ذلك باننا لا نجد ما سبق من وعي وكم معرفي على نقيض،.. فبناء الرواية والتقنيات المستخدمة والكم الثقافي المدخل يتلازم مع بعضه بعضا، كوحدتين في وحدة، روح وجسد.
والسؤال البديهي - التقليدي - المطروح من قبل القارىء: مدى تأثر جبرا بالادب الغربي؟!.. خصوصا وانه واسع الاطلاع على الادب الغربي، وكما هو معروف فجبرا مترجم لادب الغربي.
وردا على السؤال بسؤال: هل من المعيب للاديب ان يتأثر في محيط ثقافي معين؟! ان يتأثر الاديب شيء وان يصاب بالاستلاب شيء اخر، ان يتأثر ايجابا لا سلبا (فليأخذ ما هو صالح، ويلفظ ما يضر) ان يسعى للتأثير بعدما يمتلك المعرفة الكافية، وبالتالي التفاعل الايجابي مع المحيط الجديد (كند ثقافي يمتلك التاريخ والحضارة في مقابل المحيط الجديد).
أما أن يستلب فهذا يعني بان الاديب ينصهر كليا في الاخر ويذوب في مكوناته ويفقد هويته ويصبح بلا هوية، مضمونه من الاخر كليا.
هذه الاشكالية تجاوزها جبرا، ونعني هنا اشكالية ان ينسلخ عن جلدته وينصهر مع الاخر، والسبب بانه اخذ على عاتقه دراسة الادب الغربي واخضاعه لميدان البحث والتحقيق...، وليس كم يحصل لدى بعضهم حينما يغوص في اعماق الاخر استلابا وانبهارا منه به..
فجبرا كما يقول عبدالمجيد الشاوي - صديقه: كان يتنفس باحساس قومي عربي هادىء، ومشكلته تكمن بانه عاش في الغرب، قادما الى الشرق، الى وسط يتنفس باحساس قومي ثوري.