د.يوسف محمود عليمات
هل مات الأدب حقّاً?
قبل الشروع في الإجابة عن هذا السؤال المحوري، الذي أضحى حدثاً مهّماً للنقاد والدارسين والمثقفين في عالمنا المعاصر، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ مفهوم الموت لم يكن جديداً على الساحة النقدية، إذ إنّه أثار إشكاليات متعددة في الفكر الإنساني، منذ أن أعلن نيتشه في القرن التاسع عشر موت الإله، وتبعه إعلان الفرنسي رولان بارت موت المؤلف، عندما انتزع السلطة من المؤلف، مشيراً إلى أنّ اللغة في النص الأدبي هي التي تتكلّم، وليس المؤلف. ومنذ أن أعلن فوكو موت الإنسان في القرن العشرين، ومجدّداً عندما يأتي الناقد الإنجليزي آلفن كرنون Alvin Kernan بمؤلفه الجديد موت الأدب The Death of Literature، ليتأجج الصراع بين أنصار النظرية الأدبيّة ومعارضيها من جديد من غير توقف.
الموت بوصفه ولادةً:
لا يعدّ الموت، في إطار التنظير النقدي، عملية سلبية محملة بدلالات السلب والعدم، وإنّما هو موت إيجابي يقترن دائماً بالتجدد والولادة. فموت المؤلف، كما هو عند بارت وأصحاب نظرية التلقي Reception Theories، أنتج مولد النصّ والمتلقي، وكذلك فإن موت الأدب يعني، حسب آلفن كرنون ومنظري الدراسات الثقافية Cultural Studies، ولادة موضوع جديدٍ أو طروحات لم تأخذ المكانة اللائقة بها في الماضي.
إنّ موت الأدب يعني من وجهة نظر الدراسات الثقافية تحولاً طارئاً على سلطة النصّ الأدبي وشيفراته الجمالية، بحيث يفقد الأدب هذه السلطة أو الشرعية، فتصبح حكراً على الثقافة أو النص الثقافي، ويتحول النصّ الأدبي، وفقاً لذلك، إلى نوعٍ من الممارسة الاجتماعية ذات الوظائف المحددة أيضاً في ضوء علاقاتها وسياقاتها التاريخية والأيديولوجية والثقافية. أي أنّ النصّ الأدبي ليس مجرّد قيمة جمالية أو زخرفية تبعث على الانفعال والدهشة، بقدر ما هو حادثة ثقافية يجري تفسيرها على أساس ارتباطها العضوي بجميع الخطابات الممكنة.
وعندما نتحدث عن موت الأدب، فلا شك أننا نتحدث عن صراع مؤسساتي بين قطبين: المؤسسة الجمالية الأدبية العريقة، والمؤسسة الثقافية الجديدة. وقد نتج عن حالة الصراع بين هاتين المؤسستين عدد من المفاهيم والمسميات التي ما زالت تكتسب حضوراً فعالاً على الساحة النقدية. ولعل مفهوم الصراع بين الثقافة العليا الراقية High Culture والثقافة الشعبية Mass/popular culture، يأتي في مقدمة المفاهيم التي تتسم بأبعادٍ فلسفية وفكرية وثقافية لا حدّ لها في دراسات النقد الثقافي.
لقد كانت الثقافة الشعبية تعاني لوقت غير قليل من نفوذ الثقافة العليا التي تمكنت بفعل ثقافة رأس المال، وتوظيف أدوات الإنتاج، وكذلك سيطرتها على اقتصاد السوق من اختراق بنية الثقافة الشعبية، وترسيخ مبادئها وأفكارها وثقافتها في بنياتها الاجتماعية، والنجاح في ترويضها وفي بسط هيمنتها عليها، وبذلك أصبحت الثقافة الشعبية تابعة للثقافة الراقية، وجزءاً رئيساً في نسيجها المؤسساتي.
إن الأدب، في رؤية الدراسات الثقافية، كان عبر مسيرته التاريخية مكرّساً لصالح النخبة الأرستقراطية، ولم يؤدّ وظيفته الاجتماعية في تصوير عالم الطبقة الشعبية المسحوقة على مرّ العصور، ولهذا فإن موته يعني نزعاً لقانون المركزية Legocentrism وضرورة لإحياء الثقافة الجماهيرية.
يقول آلفن كرنون: إنني لا أستطيع أن أفهم كيف يمكن أن يموت شكسبير وهوميروس، وجويس، ويمكن أن يكونوا قد قرئوا من خلال عاطفة الناس.
وهذا يعني، حسب كرنون، أنّ الأعمال الأدبّية لهؤلاء كانت تجسّد حقيقة تبعية الأدب للسلطة الحاكمة آنذاك. فشكسبير، مثلاً، في رؤية كرنون، وكذلك غرينبلات، شاعر منافق ومادحٌ يعزّز قيم السلطة الإليزابيثية في مسرحياته، إذ إنّ مقتل الملك في مسرحية الملك لير يعقبه دمارٌ وخراب يحل بالأرض والشعب، وهو ما يشير إلى نوعٍ من التأليه للسلطة، لذا فإن قيمة أعمال شكسبير لا تتجاوز عصرها الذي كتبت فيه، وأن الأدب القديم مات منتحراً على حدّ تعبير كرنون.
ويرى آلفن أن الأدب القديم قد سحق ببساطة في إطار عملية التحول الضخم، الذي أصاب البنى الاجتماعية التي حدثت في أميركا في فترة الستينيات والسبعينيات، وهو تحوّل لا شك فكري وسياسي وتكنولوجي واجتماعي.
وينجح آلفن كرنون في تفسير مأزق الأدب من خلال فحص التجربة الحاكمة، أي مأسسة الأدب كمقرر دراسي في الدراسات الأكاديمية في جامعة أكسفورد، ومقارنة ذلك بالتصور الجديد لحقوق التأليف والنشر، والانتحال، والادعاءات القانونية حول حقوق الفنانين الأخلاقية، وتسييس الدراسات الأدبية منذ عام ،1960 وتأثير التلفاز على ثقافة الكتاب، وتحول الرؤية عن المعاجم وأصل اللغة، وينتهي آلفن بعد الفحص والمقارنة إلى نتيجة مؤداها أنّ النظريات النقدية الحداثية وما بعد الحداثية، منذ الستينيات، جاءت لتهجر الأدب بوصفه رديئاً، وبلا معنى أو هدف.
ويشير آلفن كرنون إلى أنّ الأدب لا يمكن أن ينوجد كأي شيء آخر، إلاّ بوصفه حقيقة اجتماعية، ولذلك فإنه إن أمكن للأدب أن يملك مستقبلاً، فإن النقاد والتلاميذ محتاجون إلى قبول هذه الحقيقة والعمل بها. وهكذا فإن إمكانية ازدهار الأدب مستقبلاً، وكذلك فائدته الاجتماعية تعتمد على مجموعة القصائد، والمسرحيات، والقصص التي تنسجم بشكل عام مع رأسمالها التراكمي في العملية التجارية.
سلطة الشعبوي وتراجع النخبوي
منذ عام 1900م، أحدث الانتشار الواسع لوسائل الإعلام على جانبي الأطلنطي شرخاً بين الثقافة العليا ثقافة النخبة، والثقافة الشعبية ثقافة الجمهور.
وقد حدّد رايموند ويليامز Raymond Williams في كتابه المجتمع والثقافة Culture and Society مصطلح الثقافة الشعبية على النحو الآتي:
1- الشعبي يعني المفضل المحبب من قبل عددٍ من الناس;
2- الشعبي إظهار الضد بين الثقافة الشعبية والعالية;
3- 'الشعبي' يوظف لكي يصف الثقافة التي يضعها/يصنعها الناس لمصلحتهم.
وهذا التعريف الثالث، كما يرى ويليامز، يحتاج تعريفاً مضاداً هو:
4- الشعبي الذي يعني وسائل الإعلام المفروضة على الناس عبر الاهتمامات التجارية.
لقد كانت المؤسسة الأدبية في نظر الدراسات الثقافية على تعدد اتجاهاتها (التحليل الثقافي التاريخية الجديدة، والمادية الثقافية، والنقد الثقافي)، أداة طيعة في يد السلطة الأدبية الجمالية، لأنها كانت تركز في سيرورتها على نظريات القيمة الأدبية، والمقولات الجمالية التي تحتفي بالمحاكاة، والتعبير، والشكلية.
لذا، فإنّ الاهتمام الكبير بالثقافة الشعبية، كما يرى إيستهوب A.Esthop، وتيري ايغلتون T.Eagleton أطاح بالمؤسسة الأدبية، الأمر الذي جعل إنسان هذا العالم يتعامل مع واقع جديد غير مألوف، ومع أنظمة وشيفرات تحتاج إلى فحصٍ لم يكن معهوداً في تحليل النصوص الجمالية.
ولا شك في أن ثمة أسباباً ظاهرية تقف وراء هذا الذبول الذي أصاب الأدب القديم، بيد أنّ السبب المهم في هذا التحول يكمن في نوع الممارسة التي توصف عادة بالقمعية، والتي طمحت المؤسسة الأدبية النخبوية من خلالها إلى إسكات الأصوات المضادة لها، فأسهمت بذلك في وأد ثقافة الجماهير، وبيع الوهم والزيف إلى الطبقات المقهورة، في الوقت الذي كانت فيه المؤسسة الأدبية تزرع قيماً سلطوية بين الجماهير، وتسعى إلى فرض مفهوم الهيمنة الطبقية Hegemony على حدّ تعبير الكاتب الإيطالي أنطونيو غرامشي الذي أحدث هذا الاصطلاح.
لقد كان إعلان موت القصص المسيحية العظيمة، التي بلغت في مرحلة الستينيات أربعة أضعاف عدد الطلاب الذين يذهبون للتعليم العالي في بريطانيا وشمال أميركا حدثاً عظيماً آنذاك; لأن الثقافة المضادة في تلك المرحلة نجحت في إعداد نقد عنيف لكل الهيمنات الأكاديمية في الجامعات، بما فيها الدراسات الأدبية، حيث كانت سياسة التعليم العالي آنذاك واضحة في تركيزها على التلقين الروتيني، مما جعل الموضوعات التي يطرحها الأساتذة والطلاب موضوعاتٍ نخبوية باهتة، منعزلة عن الجمهور ولا يعرفها سواهم عادة.
لقد تمكنت الثقافة الشعبية باتكائها على مفهوم الثورة الإلكترونية والمعلوماتية من تشكيل مؤسسة أو نظام مؤسساتي، يتواءم واحتياجات الطبقة العاملة للفرد المعاصر، الذي بات محتاجاً إلى نموذج عصري جديد يرصد آماله وآلامه.
وبعد كتاب ويليامز المجتمع والثقافة الذي ألفه عام ،1958 وحلل فيه عقدين من التاريخ الثقافي بوصفه مؤسسات تاريخية وتطبيقية، تطورت دراسة الثقافة الشعبية تطوراً سريعاً، ولا سيّما في مركز بيرمنجهام للدراسات الثقافية المعاصرة:
Birmingham Center for Contemporary Cultural Studies
الذي أسس عام 1964 تحت إشراف ريتشارد هوقرت Richard Hoggert، وستيورت هول Sturt Hall، إذ تبنى المركز كلاّ من الماركسية والبنيوية لفهم منظومة الثقافة الشعبيّة، وذلك من خلال فحص المقررات التي درّست في البوليتيكنيك وكليات التعليم، والتي وصفت على تباينها بأنها دراسات إعلامية، ودراسات فيلمية، ودراسات ثقافية واتصالات.
وفي مقالة له عام ،1973 أكد ويليامز أنّ النص المعتمد Canon يتألف من رموز وملاحظات Notations، ولذا فإنه لا يقبل إلاّ بوصفه ممارسة أكثر منه موضوعاً.
ومن هنا، أخذت الدراسات الثقافية تركز بشكل واضح على فحص تاريخ الدراسات الأدبية، لأنّها ترى أنّ المعتمد يؤسس بوصفه موضوعاً تعليمياً منعزلاً ومهيمناً في المدارس والجامعات، وبالتالي فإنه يصبح بطريقة جدلية شكلاً أو أسلوباً يكرّس سلطة المؤسسة المهيمنة.
وفي عام 1982 كان ثمة تطور أولي جريء عن طريق توني بينيت Tony Bennett وآخرين في الجامعة المفتوحة Open University، إذ أصبحت الثقافة الشعبية مداراً للبحث في حلقة (U203)، وتوصل ستيورت وزملاؤه من خلاها إلى إيجاد حلّ للتعارضات الماثلة بين الثقافة الشعبية والبنيوية التي تركز على مفهوم العلمية في النقد. كما قام أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci بطرح مفهوم الهيمنة في حلقة (U203)، وتحليلها من خلال الثقافة الشعبية التي تتميز، كما يرى، ببنية مفترضة وإشارات دالّة.
حضارة العين وثقافة الميديا
أصبح النص في عرف الدراسات الثقافية نظاماً ثقافياً يتخذ من التاريخ وأنساق الثقافة مرجعيات عند الكشف والتحليل. وقد أصبحت وسائل الاتصال الحديثة أداة فاعلة في معالجة أحداث النصوص وأنساقها المخاتلة، بفعل تركيزها على مفهوم نصية التاريخ Textuality of History.
ففي الغرب، ومنذ عام 1895 تحديداً، فإنّ الثقافة الشعبيّة أضحت متحّدة في إطار وسائل الميديا المعاصرة والمهمة: الصحف، والأفلام، والراديو، والتلفزيون، التي كانت في ذلك الظرف تمثل تكنولوجيا حديثة الوجود. لقد أقبل الجيل الذي تعلّم في بريطانيا وفقاً لقانون التعليم عام 1870 على شراء الصحف والمجلات الشعبية بشكل يومي أو أسبوعي. ومن ملامح تطور الثقافة الشعبية، وقتئذ، ظهور السينما، وخاصة في عقد ما بعد عام ،1910 حيث تمكنت هوليوود Hollywood عام 1920 من إنتاج 850 فيلماً كل سنة، وفي مطلع عام 1930 كانت قد بيعت في الولايات المتحدة 110 مليون تذكرة لصالح الأعمال السينمائية.
إنّ هذه الثورة التكنولوجية الهائلة جعلت أساتذة الأدب، كما يرى جوناثان كولر، ينصرفون عن دراسة جون ملتون وشكسبير إلى دراسة مادونا والدراما التلفزيونية، بدعوى أننا نعيش عصراً ثقافياً تكنولوجياً يحتاج إلى أدوات جديدة تعبر عن روحه ومرحلته. كما اتهمت أعمال هوميروس الأدويسا والإلياذة، ودانتي الكوميديا الإلهية، وجيت-ه فاوست بالتحيز الجنسي من وجهة نظر الدراسات النسوية Femenism Studies، التي باتت تؤمن أن قراءة الكتب تعد ضرباً من المعرفة السرية النخبوية، ولا تخرج عن دائرة التخصص في الكليات والجامعات. كما وجهت النسوية انتقاداً لاذعاً للمؤسسة الأدبية التي كانت تهمل أدب المرأة، وتكرّس مفهوم السلطة الأبوية/البطريركية أو الذكورية.
لقد اتجهت ثقافة الميديا نحو الجماهير، وأصبح النص الماتع هو النّص الذي يشاهد من قبل قطاع عريض من الناس، وينتج ويروّج له بطريقة تستحوذ على اهتمام الجماهير. إننا أصبحنا أمام ما سماه دي سيرتو حضارة العين، بحيث يخضع قانون المتعة لمعايير اجتماعية تلبي رغبات الجماهير، ويستقبل العالم من خلال حاسة واحدة هي النظر/ العين. وانطلاقا من هذا المفهوم بدأت الشاشة screen تعرض موضوعات حياتية مهمة، مثل النصوص الثقافية المعاصرة، والرواية الشعبيّة، والغرائبية والبوليسية والمغامرات، والرواية التكنولوجية التي تصور العالم المتمدن بكلية أنساقه وتناقضاته، بحيث ينصهر العلمي بالخيالي، والفلسفي بالأدبي والبوليسي.
لقد أخذت الشاشة وكذلك السينما تستقطب الجماهير، لأنها تنتج المعنى بوسائل متنوعة أكثر من الكتابة النثرية والرواية. وسأضرب مثلاً على هذا ب- مسرحية عطيل Othello .
لقد كتبت عطيل Othello عام 1565 على شكل قصة قصيرة عن طريق غيرالدي سينثيو Giraldi Cinthio، وفي عام 1605 كتبها شكسبير على شكل مسرحيّة، وصممت للأداء على المسرح، وفي عام 1887 أصبحت المسرحية تبث في دار الأوبّرا، وفي عام 1952 اتجه أورسن ويلز Orsen Wells بالقصة نحو السينما. وفي كلّ الأحوال فإن جميع صور التمثيل: القصة القصيرة، والدراما، والأوبرا، والفيلم، هي أساس مهم للإنتاج الدقيق للمعنى.
ولكن على الرغم من الدور الكبير الذي تؤديه الشاشة من خلال ما يسمى اللذة البصرية Visual Pleasure، فإنّ فلسفة التحديق ذاتها The Gaze لم تكن بمنجاة من النقد والاتهام. فقد كتبت لورا مولفي Laura Mulvey عام 1975 دراسة بعنوان اللذة البصرية والسرد السينمائي، توصلت فيها إلى أنّ طرائق العمل السينمائي (أشكال التصوير والإعلان) تشكل وسيلة لظهور الحكم الذكوري، بحيث تصبح المرأة موضوعاً للتحديق الذكوري أو مادة للتلصص الذي يغدو نشاطاً سلطوياً مستمراً يمارسه الرجال. وهذا الأمر في رؤية مولفي يعزز بدوره مفاهيم الهيمنة والتسلط والطبقية التي كانت سائدة في منظومة المؤسسة الأدبية.