ولد محمد مستجاب في قرية ديروط الشريف، وهو ينتمي لعائلة من الفقراء، هجر الدراسة ليباشر العمل طفلا صغيرا، وتقلّب في الكثير من المهن، كان يجمع في طفولته «زعازيع» القصب، ويسرح في الحقول، ثم رحل الى القاهرة ليعمل «كاتب محامي»، وعبر عمله هذا تعرف الى بعض اسرار الحياة في المدينة، والى العلاقات السرية بين بشر ذلك الزمان، وتعرف الى الادب الذي سحره، والى كثير من ادباء ذلك الزمان، محمود البدوي، ومحمود تيمور، وقرأ الف ليلة وليلة، وبعض كتب التراث القديم، والتقى بالاديب ضياء الشرقاوي، الذي وجهه لقراءة يحيى حقي، ويوسف ادريس، وبعض اعمال ديستوفسكي، وتولستوي وتشيخوف.
سافر مستجاب الى اسوان بحثا عن العمل، وساعده زملاؤه في ايجاد عمل، والتحق بشركة المقاولين العرب، والتحق بالعمل في السد العالي يوم 23 تموز 1964 وهو يوم عيد ميلاده، اذ ولد في 23 تموز 1938.
في تلك الفترة اكتشف محمد مستجاب وجود مكتبة في السد العالي، وعبرها تابع الملحق الثقافي لجريدة «الاخبار»، واكتشف ان بداخله طاقة كبيرة، يرغب في التعبير عنها، لكن كيف ينشر واين؟
كان الجميع يومها يكتبون عن السد العالي.. لكن اغلب هؤلاء كتبوا عن السد من فندق «كتراكت» لكن الحياة في السد العالي كانت شيئا اخر.
يقول مستجاب «كنت اعمل في السد في مكان اسمه «الطمية» وهو موقع بعيد عن جسم السد، اكتشفه الروس وهم يبحثون عن «الكولينا»، وهي خلطة طينية كانت تكوّن مجرى النيل قديما، وانطمرت تحت الارض، فتحولت الى مادة تشبه الاسمنت، تعامل بالماء فتمسك بصلابة، اضافة الى مرونة معينة، كانت هذه المادة تستخدم في رصف الطرق القصيرة والمؤقتة».
ادهشته تجربته في السد العالي، حيث رأى المشروع يكبر امام عينيه، وراقب على ارضه العديد من طبقات العمالة الاجتماعية، ودرس تفاوت الصراعات بينها، يقول مستجاب عن هذه الفترة: «اود ان اوضح ان الصعايدة الذين بنوا السد العالي، مع الاعتراف بنسبة الجهل العالية في كثير من شرائحهم، كانوا يعملون في صبر ودأب ومرح وانشراح، كان لديهم احساس يقيني، بان المشروع يكاد يكون خاصا بهم، وان عبدالناصر يستحق ان يقفوا بجواره، وآمنوا بان الايمان الحقيقي يلغي التصارع والسقوط والخلافات».
ويتابع مستجاب: «انا انتاج ناصري بحت، ونتاج السد العالي بالذات، وفي كل القصص التي كتبتها قبل وبعد وفاة عبدالناصر بسنة او سنتين، كنت شديد الطعن في شخصيته المهيمنة والفاشية، ولم افهم مدى ما حاق بي الا بعد موته، بعدها بدأت المقارنات الضرورية بينه وبين الاخرين».
بدأ مشوارع محمد مستجاب الكتابي بكتابة اعترافات حب وارسالها لمصطفى محمود لنشرها في باب «اعترفوا لي» بمجلة «صباح الخير»، كانت البداية عام 1963، وواظب على ارسال الاعترافات طوال الاعوام 64 - 65 وهو العام الذي سيطرت فيه على مجلة «صباح الخير» فمن بين 52 عددا صادرا في تلك السنة نشر اربعين اعترافا.
نشر مستجاب اكثر من قصة قصيرة اواخر الستينيات، وبدأ يتعامل مع نفسه وكأنه كاتب كبير.. يقول: «كنت اذهب الى العمل، فاتلقى الكثير من التأنيب والاستخفاف من رؤسائي، لانني كنت أتأخر احيانا عن موعد العمل، نظرا لسهري على الكتابة، فتم نقلي الى اسوان، وهناك قابلت ثروت عكاشة وحكيت له حكايتي، فصدر قرار بنقلي عام 1970 الى وزارة الثقافة، وجدت ان راتبي اصبح 17 جنيها بعد ان كنت اتقاضى 76 جنيها، فطلبت نقلي من الثقافة الى مجمع اللغة العربية، فاستلمت العمل هناك مع ابو المعاطي ابو النجا، ومحمد عبدالحليم عبدالله، الذي كنت احبه لدرجة حفظ مقاطع كاملة من اعماله».
ظل مستجاب من اكثر الكتاب المصريين التصاقا بالصعيد، وانصاتا لهمومه ومعاناته وانشغالا به، من قصصه يطل علينا دائما الثأر والعنف الظاهر والمستتر، التواطؤ، البؤس، العادات والتقاليد، التراث الشعبي، المعابد والآثار والمساجد والكنائس والاديرة.
في سخريته القريبة من سخرية الكاتب الفلسطيني الراحل اميل حبيبي.. يفضح مستجاب كل مستور ويعري كل مستتر خفي، مستلهما معماره السردي من رسائل الجاحظ بفذلكته اللغوية، وتقترب لغته في سلاسة حكيه، وانسيابيته من دائرية قصص الف ليلة وليلة، وتدنو بلاغة حكاياته الممتعة والمؤنسة من بلاغة مجالسات ابي حيان التوحيدي المتصوف والشّاك.
في طيات عمله الرائع «اللهو الخفي» تبدو السخرية فاقعة، وما عُرف عن مستجاب السادس انه كان صاحب اقتراح تعميم التعليم قبل طه حسين، واول من نادى بتأميم قناة السويس، وكان وراء طرد السفير التركي من العاصمة قبل تأميم القناة، وان اغلب الافكار التي نادى بها عبدالناصر مأخوذة عن مستجاب السادس الذي تتداخل صفاته مع صفات الزعماء، غير ان الحياة ادارت له ظهرها.
ويرى النقاد ان سخريته من مفردات عالمه، لا تنفصل عن شخصيته وانه الكاتب الذي سخر كل شخصياته الروائية والقصصية على حد سواء، وكانت العائلة تمثل في ادب مستجاب معادلا موضوعيا للعائلة الكبيرة الا وهي الوطن من اقصاه الى اقصاه.
اهتم مستجاب بصناعة الاسطورة، ففي قصة «كلب السنط» يلتقي الراوي بامرأة ترغب في معاشرته، وحين تنحرف من اليمين يبتدئ جمالها في المطلق، يخلع الراوي جلبابه استعدادا للاحتفال بهذا الجمال ويجلس منتظرا على حصير في عشة من الصفيح، وتحت وطأة اسئلة المرأة ومعرفتها باخص خصوصيات ام واب الراوي.. «امك تزوجت الرجل الذي كانت تعرفه قبل ابيك، وابوك حرق وهو يسرق».
ثم ينمو لها الشارب والشعر الخشن حتى حوافرها.. تسحبه المرأة الجنية من قدمه، وتلقي به خارج العشة، وقد تحول الى «كلب سنط» مثل الدود.
سخرية مضحكة مبكية في آن تطغى على اعمال مستجاب.. مات مستجاب عبقري القصة القصيرة وحكّاء مصر الاول، وآخر طابور الساخرين العظام.. باغته المرض وسكن الرئة، ودخل مشفى القصر العيني، وظل حتى تحسنت صحته، وعندما حان وقت الخروج طلبوا منه تسديد الفاتورة، ولم يجد طوق النجاة، فتم احتجازه، ولم ينقذه سوى الاصدقاء الخلّص، وكتب له الاطباء وصفة علاج شهري، حتى لا يداهمه المرض اللعين، وتغرق رئتاه في مياه الموت.. كانت تكلفة الدواء 270 جنيها اسبوعيا وتأمينه الصحي لا يسمح بهذا.
طرق ابواب اتحاد الكتّاب، فتعطف عليه الاتحاد بالف جنيه فقط، وهو مبلغ لا يكفي شهرا، فتوقف مستجاب عن العلاج وتفاقمت حاله، ودخل نقطة اللاعودة، فادخل المشفى وتراكمت عليه الديون وتم التحفظ عليه، حتى فك اسره بعد ان قررت وزارة الثقافة تحمل مصاريف العلاج.
رحل الصعيدي الذي شارك في بناء السد العالي، ومات دون ان يعبر سدا اعلى، وهو سد القهر والاغتيال المعنوي وتسول الحقوق.. مات وارتاح من القهر بعد ان ترك لنا «ديروط الشريف» و«نعمان عبدالحافظ»، و«الحزن يميل للممازحة»، و«ابو رجل مسلوخة»، و«بعض الونس»، «كلب السنط»، و«قيام وانهيار آل مستجاب»، و«اللهو الخفي».. و«الرابع من آل مستجاب»، و«كلب آل مستجاب»، و«امير الانتقام الحديث»، و«بوابة جبر الخاطر».