حين تكتسي النصوص ريشاً

حين تكتسي النصوص ريشاً

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 26-8-2005

د. رفقة محمد دودين - كنت وما زلت أضيق ذرعاً بدعاة تهشيم حاجز التوهم بين الواقع والمتخيل في الأعمال الإبداعية وأجد نفسي في لحظة اندغام وتماه لا انفصال فيها، لحظة تلتحم فيها النصوص بالواقع، تكتسي ريشها وتحلق طائرة، لعلها قسوة الواقع ولعلها بطولته المطلقة التي تجعلني أرى الواقع متفوقاً على النصوص رغم افتراض سبق النصوص وتفوقها وتأشيرها باتجاه المخبوء الكامن في رحم المستقبل، والذي قد لا يتوفر عليه الواقع المحبط، بالغ القسوة، وكنت وأنا استل متعة النصوص التي أقرأ لأتذوقها عياناً أجد ما يفسد هذا التماهي وهو يشير إلى قبح الواقع وقساوته رغم تنظيرات بريخت التي درسناها ملياً على يديّ استاذ الجيل أطال الله عمره، الدكتور هاشم ياغي والذي كان يزين لنا فكرة بريخت في تحطيم لحظات التطهير الشكسبيرية المترافقة بالدموع والمناديل الهفهافة في مسرحياته، وعلى غرار أسطورة المضبوع في تراثنا، ثمة بحث محموم عن لحظة ارتطام الرأس بحافة الطور، في بيت الضبع كي تأتي الصحوة المفترضة، ومن بعدها النجاة من قدر محتوم بين فكي مفترس لا تأخذه فيك لومة لائم.
وكانت لحظة التوحد في التلقي الممتع تجد أقصى مدياتها في ذائقتي عندما أشاهد عملاً ابداعياً وقد تحول إلى عمل درامي محلق اكتست فيه الكلمات ريشاً وحلّقت بك من خلال مسلسل أو فيلم أو سهرة أو حكاية وقد تحولت إلى عمل درامي مفرح، يجعلك رافثاً إلى جنة البهجات، تطارد الكلمة والصورة واشراقة الشمس، لعلها فرحة الطفولة بهذا الآتي من رحم المستحيل على شكل شاشة تلفزيونية باثنتي عشرة بوصة فقط في البداية، ذاك يعني أن صينية الشاي التي تزدحم عليها أكواب شاي التعليلة تكبر كثيراً عن هذه الشاشة بالأبيض والأسود، وقد ربطت بأسلاك غليظة إلى بطارية تراكتور تتوسط الحلبة بملقطين ملونين يكبران أية ملاقط للغسيل تمرّ بها الذاكرة، ولتكون الفرحة الكبرى التي تشبه فرحة الدنيا حين تطل صفاء أبو السعود بقوامها الممشوق لتقول فينا قولتها مأخوذين بما تقول، إن رضيت وإن غضبت وإن بكت.. وإن رقصت وقد صدحت الموسيقى جاعلة مساء الفلاحين جميلاً دانياً،  والدالية تخبئ قطوفها بأكفها ولمّا يغسل العنب وجهه بعد، وقد يسعفنا الحظ ويعمّنا أفق الرضا والنور إذا ما صدحت رقصة البحارة، وأطلت مراكبها ونوارس البحر، وستكون الطامة الكبرى، إذا ما ابتدأت شاشة التلفاز الأبيض والأســـود - وهي في الأصل شاشة باثنتي عشرة بوصة فقط - في الصغر بسبب نضوب كهرباء البطارية التي تحتاج إلى يومين من الشحن المتواصل على التراكتور ولات حين مناص، تصغر الشاشة رويداً رويداً، وتصغر الصور رويداً رويداً، وتغيب الأعضاء البشرية عضواً عضواً، حتى ليظل ' رأس غليص ' فقط، يصارع الموت على الشاشة التي تجهز عليه حين يلتهم الأسود كل مساحات البياض.
ولم تقل المسلسلات الإذاعية عن تلك المرئية  إدهاشاً وإمتاعاً لنا، وخاصة تلك التي كانت تبث في موعد السحور الرمضاني.. ما الذي سينسينا ادهاشة مسلسل ' الحبّ الضائع '  لصباح، وصوتها يشق كبد ليالي القرى، يا خسارة، يا خسارة على الأيام.. وما الذي سينسينا رغم الفضائيات والفضائيين وهج ورجة صوت الفنانة الكبيرة فاتن حمامة في مسلسل «أفواه وأرانـب»، وثقة وثبات صوت الفنانة ماجدة الخطيب العائدة من رحلة تعليمها وهي تقول في ذلك الزمن الماضي الجميل لشقيقها محمود ياسين : يوسف خطبني وانا وافقت !
ويومها عشقت المسلسلات الإذاعية التي لا تصغر فيها الشاشة ولا تكبر، والتي تجعلنا حالمين بمستقبل فيه اشراقات النجوم المبتسمين والضاحكين عبر الأثير، بانتظار الوصول إلى محطة وعي تعدنا بها هذه الأعمال، ولنكتشف بعد مرور كل تلك السنين أن الوعي المرواغ ما زال في نظامنا الاجتماعي المصمّت والمحصن مجرد فقاعات من زبد تذهب جفاءّ... لنظل نراوح مكاننا. 
ووصولاً إلى فعاليات عمان عاصمة للثقافة العربية عام 2002 حين حولت باقة من أجمل الأعمال الإبداعية الأردنية إلى مسلسلات إذاعية قام بإخراجها أردنيون أبدعوا في جعل الصوت والكلمة يوحيان بالمشهد، وكأن المشهد الدرامي الإذاعي بكل حيثيات إخراجه الموسيقية والصوتية أمامك يراوغك الرؤية، فإذا هي مسلسلات جميلة لنخبة من الكتاب الأردنيين : لمؤنس الرزاز وسميحة خريس وهاشم غرايبة وزياد القاسم، وحتى الحمراوي لرمضان الرواشدة بكل تركيبتها الروائية المعقدة، صيّرها نزيه أبو نضال مسلسلاً إذاعياً جميلاً طارد فيه تفاح ولفاح الشوبك، كما طارد نايف النوايسة في أحد المسلسلات أيضاً شنانير شيحان والموجب، ومقامات مؤتة، هذا بالإضافة إلى كتاب الدراما المعتمدين لدى الإذاعة الأردنية وعلى رأسهم يوسف الغزو، ولكتاب أردنيين آخرين تعاونوا في إعداد برامج حكائية كيوسف ضمرة وهزاع البراري وغيرهم ممن لا تسعفني الذاكرة الانطباعية  لترصد خطوات ابداعاتهم، إلى أن طلعت «دفاتر الطوفان» لسميحة خريس مسلسلة إذاعية، بكل غندرة صباياها الذاهبات للدراسة في بيروت، وبكل حطب سكك حديدها التي أوصلت وجمعت وجعلت الوطن مشروعاً تنويراً نهضوياً، وتعدديته تعددية جميلة مثرية لا تصادر الخصوصيات بقدر ما تقاطعها جاعلة احساسنا بها من خلال إعادة اكتشاف جماليات هذه التعددية والتمتع بمعطياتها الحضارية، وهي تصوغ علاقات مدينية نهضوية تجعل عمان مدينة للحب الأخوي، إلى أن تقدمت بتجربتي في الكتابة الدرامية للإذاعة بكتابة على غير مثال، حشدت لها المعرفة والفكر والأدبيات التربوية، وكأني سأقول ما أود قوله ولم يقله غيري في مرة واحدة، وكأن كل المستمعين والمتلقين سيحتشدون موقفين اوقاتهم واشغالهم لأقول قولتي فيهم، فكان مسلسل ' حديث الورد والحنّاء ' الذي أردت من خلاله تجاوز مقولاتنا واستلهامنا قصة الغدير الذي لم يعد موجوداً، والصبية التي تلتقي فتاها عليه فتشحذ القبيلة سيوفها للوقوف في وجه هذا الحب العفيف الشريف، إلى مقولات في الحداثة والتحديث ترى أن أية أسرة من أسر ريفنا وباديتنا قد تعلمت وتحدثت وتعاطت الثقافة ودخلت إلى غرف الدردشة، ولديها أولاد يتعلمون في الغرب وقد اختبروا مقولاته، ووقفوا على حدّ المثاقفة،  وهم من قرى وتخوم الوطن من شماله إلى جنوبه، وأنهم أحياناً في حيرة من أمرهم أمام مثل هذه المعطيات التي تحتاج إلى رجّات في الوعي، وإلى خضات للوعي حتى يصفو من جديـد، وأننا أمام المعطيات الحياتية الحداثية الجديدة لن ننتظر مثلاً أن يتعكر الماء لنجد من يصطاد فيه، فثمة من يعكّر الماء ليصطاد فيه، جاعلنا في كل مرة نغمض الأعين أمام قضايا ومسائل اجتماعية صارت مجتمعية تحتاج إلى موقف، وإلى قول فصل، كما أن تجديد الحقب بثقافة أصداء المخيلة التي علاها الصدأ ستجعلنا نراوح مكاننا، لا نقوى على الجحيم ولا نصلح للجنة، اننا أمام أسئلة ما زالت تحتاج إلى إجابات حاسمة بعيداً عن خطابات حسن النوايا وطرقات التعمية والتضليل، وأن تعايش كل أنماط العقول جنباً إلى جنب، وبوقع الحافر على الحافر لن يجعلنا في منأى عن مواجهة وتوجيه التغيير الاجتماعي المرغوب.
 لقد أردت أن أجلي في هذا العمل الدرامي مسألة الوعي الاجتماعي الأكثر مراوغة وهو الموجود في المناطق المسكوت عنها، في مناطق المابين كما أسماها الناقد الإفريقي هومي بابا، وأن مناطق المابين هذه وهي الأكثر مراوغة في مسألة الوعي تستوجب من المبدع أن ينطلق أولاً من موقعه الخاص،  على أي خريطة كان هذا الموقع، من موقع جنسوي، وطبقي، ومكاني وإنساني، محاولاً رأب الصدع بين الثقافة الرفيعة النخبوية والثقافة الشعبية، ثقافة الجماهير التي تتبع أيضاً التقسيم الجنسوي ومحاصصة الأدوار في المجتمع العربي، المهم أن تحدد موقعك الخاص هذا الذي تنطلق من خلاله محلّقاً وقد اكتست نصوصك ريشها حين تتحول إلى عمل درامي يُساند برؤية المخرج ورؤية واضع الموسيقى التصويرية التي تنسجم وتتواءم مع المشاهد الدرامية الممثلة، هذا بالإضافة إلى رؤيا الممثل الذي يتقمص الشخصية والدور مُسبغاً عليها نثاراً من روحه، وقد رأيت من خلال بروفات هذا العمل الدرامي كيف كان وقع الكلمات المحملة بدلالاتها وإيحاءاتها، وامتدادها في الموروث الشعبي النابض بلحظات الفرح والحزن والضجر وضيق ذات اليد من خلال مقطع قصيدة أو نثار أغنية، أو مثل شعبي على ممثيلنا المبدعين،  خاصة ذلك الممثل النبيل جميل عواد، وأم التغريبة المبدعة جولييت عواد، وكذلك شفيقة الطل وناريمان عبد الكريم ومخلد زواهرة وشايش النعيمي، وكل طاقم العمل وقد قاموا بمختلف الأدوار، وكانت قدراتهم فائقة في تقمص أكثر من دور، وبأكثر من صوت، خاصة وأن العمل عمل إذاعي يراهن على تغضنات وحيثيات الصوت والكلمة بالدرجة الأولى، لعل من أهم ما لفت نظري في تلك البروفة التي ابتدأت على طاولة يتناثر عليها الورق وتتناثر الكلمات قبل أن تلم بعضها إلى بعض إضمامة واحدة تجلي روح الفريق ابتداء من مدير البرامج الثقافية في الإذاعة شحادة مطر، والمخرج علي المومني الذي كان موزعاً ما بين البروفة والاستديو، وتواصل العمل على الموسيقى التصويرية التي قدمها في إبداع عبد الحليم حلتم، وأشدّ ما أثار إعجابي إلتزام الطاقم، بكل ما يشير به مخرج العمل، هذا بالإضافة إلى بعض النقاشات التي كانت تدور أثناء العمل، حيث استطاعت الممثلات سرقة بعض الوقت للحديث عن هموم أطفالهن في العطلة الصيفية وفي التحصيل الدراسي أيضاً.
لقد شكلت الإذاعة الأردنية، وهذه كلمة حق تقال فيها، حاضنة للفعل الإبداعي الأردنــي، فمعظم مبدعينا تعاونوا في إنجاز أعمال ثقافية ودرامية قد تشكل تجربة تحتذى إذا ما أريد الانطلاق من مربع العمل الإذاعي إلى مربع العمل الدرامي المرئي، وهذه من أولى خطوات المضي في إيجاد تنمية ثقافية حقيقية منسجمة مع الثوابت الوطنية الأردنية ومحققة للمصلحة الوطنية الأردنية العليا التي لا بد وأن تنهض على أساس مشروع ثقافي وطني ذي بعد قومي ومحتوى ديمقراطي يربط الثفافة الأردنية بفضائها العربي والإنساني، ويترجم مفهومات جديدة للعمل الثقافي تقوم على أواليات تحفز جميع المشتغلين في الشأن الثقافي للمساهمة الفاعلة في عمليات البناء والتنمية، وذلك بإبراز دور الثقافة في تشكيل هوية الدولة الأردنية بوصفها مكوناً من مكونات الدولة في الإطار السياسي والثقافي معاً، حيث تشكل السياسات الثقافية حاضنة لتحقيق الديمقراطية التي تكفل حرية الإبداع والتفكير واحترام التعددية والتسامح والعمل على صون الهوية الأردنية العربية الإسلامية من التغريب والتهميـش، مستقطبة بذلك القوى الفاعلة المحركة في المجتمع ومن أهم هذه القوى المحركة المثقفون والمبدعون الذين يشكلون فعاليات اجتماعية ديمقراطية هامة بعيداً عن أية سياقات مميزة أو متحيزة سواء أكان ذلك في البنى الثقافية أم من خلال سياق محاصصة الأدوار. إن الشراكة الحقيقية هي ضمان تصويب أوضاعنا الثقافية الإبداعية، والمضي قدماً، وهذا ما نحرق بخورنا الإبداعي من أجله.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }