أسئلة موريتانية - بقلم عبدالوهاب بدرخان

أسئلة موريتانية - بقلم عبدالوهاب بدرخان

 كيف يصير التغيير عندما لا يكون الاستخلاف متاحاً بالطرق الديموقراطية الصحيحة لا المزيفة؟ عسكريو موريتانيا قدموا أخيراً جواباً أو نموذجاً، غير محبذ طبعاً، لكن لم يكن منه مفر كما يبدو.
لماذا كان رد الفعل الدولي والافريقي سلبياً؟ لأن المجتمع الدولي ثرثر كثيراً في الآونة الأخيرة عن الاصلاح والديموقراطية والحرية، حتى أغرق الواقعية السياسية بسيل من الكلام، لذا باتت الانقلابات العسكرية موضة مستهجنة ومستوحشة، كأنها من عصر آخر، على رغم ان العصر لم يتغير عملياً. لكن السلبية، دولياً وافريقياً، مسألة معقدة ومركبة ولا تنتمي الى معايير موحدة.
حسن، نبدأ بأفريقيا، لماذا رفضت الحكم الجديد في موريتانيا؟ لأن القارة السوداء تسعى الى تثبيت قواعد جديدة للتعامل في ما بينها، واستهلت ذلك بوضع مبدأ عدم قلب الأنظمة عسكرياً. مبدأ جيد لكن أكثرية واضعيه وصلت الى الحكم بفضل انقلابات أو تفرعت من انقلابات، وباستثناء دول قليلة جداً من أصل 50 دولة ترزح الدول الباقية تحت أنظمة لا تزال تعمل بقوة الاستمرارية العسكرية الانقلابية التي أسستها. نعم، هناك أنظمة تمكنت من تغيير وجوهها وديكوراتها، بل استطاعت أن تجري انتخابات بحثاً عن شرعية مفتقدة، بل نجحت في تيئيس مواطنيها من أي اصلاح أو تغيير... وهكذا تبدو الآن ثابتة ومستقرة كأنها مستنزلة من »المدينة الفاضلة«. الى جانب القطع مع نهج الانقلابات، غير المستحب في أي حال، نجد تحالفات وصداقات تأسست مع الوقت وجعلت بعض دول الاتحاد الافريقي تنتصر لـ »المبدأ« فترفض انقلاب نواكشوط، وفضل بعض آخر ان يتجاهل الأمر مرضياً الرافضين ومادّاً خطاً مع الموافقين، واختار بعض ثالث ان يصمت وينتظر. ثم بدأت حلقة الرفض تنفرط الآن ليباشر هذا البعض وذاك ترتيب عودة موريتانيا الى الاتحاد، الذي جمدت عضويتها فيه، طالما أن هذا الاتحاد لم يبتكر آلية فاعلة لإعادة من خلع ومعاقبة من انقلب.
ننتقل الى المستوى الدولي، لماذا كان الرفض؟ أيضاً من ناحية المبدأ، ثم ان وصول عسكريين الى الحكم يعني ضرباً لاحتمالات قيام حكم مدني ديموقراطي. لكن تركيبة الموقف هنا أكثر تعقيداً، لكنها تختصر بتوجيه انذار للحكام الجدد كي يكشفوا أكثر عن وجوههم ونياتهم وأفكارهم ومشاريعهم. ويصعب القول ان العواصم الغربية كانت مقتنعة الى حد الإيمان بأن معاوية ولد الطايع كان واحداً من أبطال الديموقراطية أو واحداً من قديسي الحرية التاريخيين، لكن فرنسا والولايات المتحدة - على سبيل المثال - توصلتا الى علاقة جيدة معه. وهذا ما يحصل عادة مع أي رئيس يطيل المكوث في الكرسي وتنكشف كل أوراقه وينفضح فساد بطانته فيصبح أسير من يساعده على ادامة حكمه يتساوى في ذلك ان يكون لمصلحة البلد أو في غير مصلحته.
ثم ها هي اسرائيل، نعم اسرائيل، التي لم تمنعها انتهازيتها من إبداء الأسف على الرئيس المخلوع، لماذا تأسفت عليه؟ لأنه الرجل الذي أقام معها تطبيعاً لم يماثله أي تطبيع . لم تبال اسرائيل بالرفض الشعبي، ولم تهتم بالمتاعب التي سببتها لهذا »الصديق« غير المتوقع، بل لم تسع - لا هي ولا الولايات المتحدة التي أغرته بالتطبيع - الى جعل هذه العلاقة مجدية لنظام ولد الطايع ولا لبلده الفقير المحتاج الى مساعدات كبيرة لدفع التنمية. ثم، من قال ان الانقلاب حصل أساساً لانهاء هذا التطبيع، فقد لا يكون بين أولوياتهم، والارجح أنه لن يكون، لآن آخر ما قد يفكر فيه أي حاكم جديد اليوم أن يقدم على عمل يستفز به غضب الولايات المتحدة. في أحسن الأحوال، لن يعود الاسرائيليون مدللين في القصر الرئاسي وأروقة الحكومة، من دون أن تقفل سفارتهم أو يطرد ديبلوماسيوهم وجواسيسهم، إلا في حال الضرورة القصوى!
لماذا كان الانقلاب؟ ببساطة، لأن ولد الطايع أمضى السنوات الأخيرة متقلباً بين مؤامرات لاطاحته، بعضها الكثير اخترعه وصدقه، وبعضها القليل ربما اكتشفه في مهده، والأكيد أنه لم يكن يعرف النوم وهو يعلم أن أحد معارضيه خارج السجن. وهكذا أصبح عبئاً على البلد ومصدراً للمشاكل مع الداخل ومع الجوار خصوصاً ليبيا، مع انه انتخب قبل عامين وبأرقام »رسمية« بالغة الارتياح في تعبيرها عن شعبيته، لكنه بعد نحو عشرين عاماً في الحكم لم يتوصل الى بناء رؤية للبلد، اصلاحاً وتنمية واستقراراً.
هل ان علي محمد ولد فال أفضل من معاوية ولد الطايع؟ الله وحده يعلم، فكلهم يظهرون في البداية زاهدين متعففين لا همّ لهم سوى تسليم »الأمانة« الى المنتخبين، ثم يلعب البخار بالرؤوس لنشهد فصولاً متكررة من الحكاية نفسها... مع الترحيب بكل ما يثبت أن هذه التوقعات خاطئة مئة في المئة.