د. حفناوي بعلي - نرى في نشيد الشاعر نادر هدى «مزامير الريح» تعبيرا عن مرحلة جديدة من مراحل الدعوة إلى تجديد التجديد ـ إذا صح التعبير- فقد طوى الشاعر صفحة من مسيرته الفنية، وانفتح على إيمان متتالي التأصيل، بعقيدة السير في معارج الحداثة والتحديث، القابضة على جمرة الهوية والمعتصرة لنسغ جذور التراث الشرقي، ثابت الوطنية في حتمية انبعاث حضاري قادم لا محالة.
وقد عد بعض دارسي نادر هدى أنه مجدد للقصيدة النثرية، وأعاد تشكيلها وهيكلتها، بحيث حولها إلى نص مفتوح عابر للأنواع، لما أصاب من نجاح في بنائها، كان بمثابة دعوة شعراء عديدين، من جيل التسعينيات ونهايات الألفية الثانية، إلى الالتزام بها وسيلة للتعبير الشعري. ولا يسع الناقد إلا الموافقة على ما تقدم، إذا أرهفنا السمع إلى مطالع مزاميره الأولى، وكأنها مزامير داوود، أو أناشيد سليمان مسخرة له الريح، يقول في نفخته الأولى منشدا :
«قيثارة في الريح
تعب من دمي..
مرثية تصيح
سألتها عن موطني
فضجت الأمواج غربتي،
وضجت الدموع من محاجر العيون
آهتي، وحرقتي
/
لما
تزل
وفيَّ
حيرتي».
وقد بنى شعرياته على أشكال جماليات الجملة، المنبعثة من يقظة التجديد وتجديد اليقظة، التجديدي البنيوي وأشكاله المذهبية. اعتمد الشاعر في بناء شعريته كتجربة في وجوهها الستة، في وحدة لا تتجزأ، تجمع بين الذات الفردية المترعة بهموم الأنا والآخر، والعالم في أبعد أبعاده المكانية والزمانية. من هنا رأى، أن القصيدة كي تحيا حياة الديمومة خارج الزمان والمكان، لا بد لها أن تنفلت من القالب النمطي، والترابط الصوري المكاني والعقلاني، وتتخذ لها صيغة خاصة، وتأتلف مع سر الأسرار، ومع اللاوعي والحلم في تركيبة لفظية منافية مع المنطق العام، مسايرة لمنطق الشاعر الخاص، ومن هذا المنطلق يقول :
«أيتها المدائن الغرقى بغير ماء
أيتها المأخوذة الأسماء والأضواء
بعيدة عني قريبة
يحرقني لهاثك المأسور
يبقي خيالاتي جديبة
/
غنيت فيك السر والأسرار والرجاء
وحرقة الذكرى
ولوعة اللقاء
/
كانت خطاي آية
تسائل المنازل، الأضواء
ونسغة الحياة
/
تحرقنا العصور في لذاتنا
وهي تدور
لا إرث يأوينا
ولا ميراث
وخيلنا بيعت
وبيعت الأسياف»
فمن هذا المعمار الشعري الهائل، تغيب عنا تلك اللغة العادية، التي لا تتعدى الوصف المحسوس العاجز الجاهز، عن الحالات النفسية الغامضة المعقدة، وتبرز الرمزية ذات الطاقة الخارقة الحارقة، فتمكنه من ولوج عالم اللاوعي، على غرار الموسيقى في إيحائها المبهم، بحيث تصبح الكلمة هي الفكرة بعينها، لا صورة عنها. وعن طريق التوغل في مجاهل النفس، أنشأ «تحديث الهيكلة»، لبلوغ وحدة شعرية، تزيل الحواجز الوهمية، وتجمع بين المؤتلف والمختلف في منطق شعري خاص، هو جنون الشاعر، ويكون للصوت لون ولمسة، وللعشق نغم وزغردة، وللنغم عبير في الأنحاء والفضاء :
«تعددت فيك المشارب، المآرب
الظنون
وأنت ظامئ ، وضائع مسجور
حتى الغناء شردك
حتى البكاء والجنون
/
صمت بعينيك
وعشق
يقرأ الأسرار والأسحار
والأنواء
صمت بعينيك وعرس
زغردته هاته الألوان
في الأنحاء والفضاء».
وإذا كانت هموم «نادر» الإنسانية، لم يهدأ أوارها، تعلقا بمصير العالم العربي، وانطلاقا من معاناة ذاتية صادقة، فإن هاجس بناء القصيدة النثرية في سبيل تطوير شكلها، كان الضمير المحرك، لتجسيد إبداعي لدى نادر، في صيغة مبتكرة، تتخطى العادي إلى الرائع، وأهم ما توخاه في بنائه الفني، الإقلاع عن السرد والتقرير والقول المباشر، واعتماد الإيحاء الرمزي، لتكثيف الفكرة، وإظهار البعد الثالث في نصوصه الشعرية، ونقل الفكر المخثر بالصورة الموحية لتقريب الرؤية من الواقع، وبذلك يعيد المفردة إلى بكارتها ونضارتها العفوية، وتشحنها بدفع يبرز طاقتها الإنفعالية الإيحائية، وفي ذلك يقول :
«مرهونة أسماؤنا
للريح والإعصار
وفي بلاد القحط /
وحدي، عاريا
أقضي بلا تذكار
ينهكني الدعاة والطغاة، والبغاة والسماسرة».
وإذا كان هذا حال الأمة، تنهش جسدها الطغاة والبغاة والدعاة والسماسرة، فإن الشاعر يستدعي ويستحضر الفارس المنفد، ولكن هذا الفارس العربي لا يبقى ضمن إطار تاريخيته، بل يكتسب ملامح معاصرة من خلال تحوله إلى شاعر من نهاية القرن العشرين، هو «نادر هدى»، الذي يحدوه الطموح لتأسيس مملكة شعرية، يحلم بأن يكون لها دور حضاري. وبهذا التداخل يتحول الفارس إلى طاقة إبداعية مستمرة، إلى ينبوع حضاري متفجر ومتجدد، هو رمز للتحول والعطاء، لأن الشعر بمفهوم نادر، هو دائما عنصر القلق وسط الإطمئنان، والبحث في وسط الاكتقاء، والتساؤل وسط الأجوبة. إنه اللهفة التي لا تهدأ إلى ما لم نعرفه، أو لم نسيطر عليه بعد. إنه الطريق التي تقودنا دون توقف صوب المستقبل، صوب المجهول. أما الشاعر فينتشل معاناته الذاتية من محدوديتها وجزئيتها، فتكتسب ملامح بطولية وتاريخية. يقول نادر في قصيدة «مرآة للفارس العربي» :
«لك الغناء في علاك
لك الكؤوس خمرة تشع من رباك
بيارقا، قوافلا
وقبلة أنّى تتيه فارسا تلقاك
/
علمتنا الحروف والأسماء
واللغات
علمتنا معالم الإبحار والفضاء
والجهات
وفارسا علمتنا
وطائراً
وعاشقا تضج في أردانه الحياة».
يتناول الشاعر في اللوحة الثانية «غناء الأرض»، علاقته بالأرض /الوطن/ الحبيبة، في إطار العاطفة المتأججة، فالأرض هنا تتجاوز كونها ركيزة الوطن، فتصبح موضوع هيام الشاعر، وقد يتطور هذا الهيام إلى عشق صوفي للأرض وعبادة. إن الألفاظ الدينية ( مباركة، الراهبة، الطواف، السرائر، سبحانك، سبحاني )، تعكس هيمنة الروح الصوفية على علاقة الشاعر بالأرض، وذلك الإيمان المتجذر بأن الأرض معبودة.
وفي هذا الإطار تنتفي الفروق بين العواطف الخاصة والعامة، كما تسقط الاختلافات بين الذاتية والموضوعية، فتحل كل منهما في الأخرى. إن الحبيبة المرأة / هدى، تبدو هنا حافزا للشاعر على النضال من أجل استرجاع الحبيبة الأرض. كما أنها تبدو تجسيدا لسعادته المرتجاة، حتى يحرر الأرض المحبوبة الأخرى. إنها تكسبه الإصرار على الحياة والنضال، ويمكن هنا أن نشير إلى التماثل بين هذا اللون من الشعر والشعر النضالي. وهذا التداخل والعشق الصوفي بين الأرض / الحبيبة، يصبح عاملا يوحد بين الإنسان والأرض.
إن الشاعر في إلحاحه على حب الأرض، يقدم الفداء والتضحية بالحبيبة من أجل الحبيبة، أو هما معا ( دمي دمك ). وإذا كان هذا الحب قمة التضحية، ومذبحة كبرى للإنسان الشاعر من أجل حياة الأرض. وإن كان حلول الشاعر في أرضه تأكيدا على رسوخه فيها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فقد أكد هذا المعنى بتلك الصورة الحلولية في الأشياء. إن القبر ة، والينابيع، والحجر، والرياح، والجني الثرى، هنا تتحول فيها القصيدة والشاعر إلى شواهد، بل الشعرية هنا تتحول إلى شعرية الشهادة والاستشهاد. من هذا المنطلق يعبر :
«مباركة في أعاليك
قبرة رائعة
مباركة ؛
والنشيد يهل ينابيعك الراهبة
هدى
يا تفاصيل صمت الحجر
/ اياقينه اللاهبة
هدى
يا رياح الطواف المعنى
/ سرائره الآمنة
هدى
يا جني
يا كنوز الثريا
دمي، دمي
يدل عليك
يدل علي /...»
يشكل الحلول الصوفي بالأرض ظاهرة نادرة في شعرية نادر هدى، وهذا الحلول يحول دون الفصل بين الشاعر والأرض والحبيبة، وهو بالتالي وجه من وجوه الالتحام بهما، التحام ( أنا / الآخر )، الشاعر غارق في الرحيل الأبدي في جسد الوطن / الأرض / المرأة. وبالتحليل السيميائي العلاماتي، نجد هذا الحلول يتجاوز الحالات النفسية الوجدانية؛ كالسكرة، والوعي، والفرح، والحزن، إلى المعطيات الحضارية، كالتاريخ وشعرية الأمكنة والأدوات الإجرائية الفعالة: الصحاري، الرمال، المدى، السيف، الراية، الروابي، النار، القدس، الآية. بل يتجاوز هذه الماديات والمعنويات إلى خلايا الجسد والشرايين، وهنا تبدو الأرض /الحبيبة ثديا يغذي الشاعر، ليموت لا كما يموت الآخرون، ولكن «موتا كبيرا، أشبه بالاستشهاد». وفي هذا المعنى يقول الشاعر :
«غارق في أنين الرحيل
يصارعني وهجك المستطاب
غارق استشف ندى الثغر شهدا
ووحي اليدين
غارق
والصحاري
الرمال
تطول...تطول
وتطول المدى...؛
قلائد در لجيدك أنسا
وسيفا
وراية
إلي إذن نبارك هذي الروابي
وهذي المشاهد
فقد ألهمتنا
المساءات نارا
وقد عمرتنا
مواهب قدس
وآية».
تراجيديا الحجر
لقد استطاع حجر الانتفاضة بما رافقه من فعل إنساني، أن يفاجئ الشعر العربي، وأن يعيد إليه حرارة التواصل بالواقع، بعد أن كان قد هاجر إلى مناطق أخرى غير مسكونة إلا باللغة وبآفاق الصمت. وإذا كان عدد من الشعراء قد عجزوا ولم يتمكنوا من الرحيل إلى الأغوار، أغوار الفعل الفلسطيني الجديد، فإن آخرين منهم، ومن بينهم نادر هدى، قد عرفوا كيف يرحلون إلى تلك الأغوار، وكيف يعودون منها محملين بمعطيات تجربة فريدة، هي الأنقى والأجمل في الحياة الأدبية المعاصرة.
وليس من الصعوبة بحال التمييز بين قصيدة تقيم جدلا فاعلا بين الشعر والانتفاضة، وبين قصيدة أخرى تحاول الدوران بالقرب من أضواء الانتفاضة. وقد استطاع الشاعر نادر أن يكون له صوت متميز في هذا المجال، وأن يغترف من تراجيديا المأساة اليومية، التي تدخل في طعامه وشرابه، وتتشكل منها كريات الدم، التي تجري في شرايينه وتنتقل إلى كلماته. وفي هذا الصدد يقول في قصيدة مهداة «للحجر» :
«تعلمت منك روايات عشقي
وأحرف سفر المرايا
ومجد الحجر
ومنك تعلمت أن الضياء
وقود الدماء
لعرس يطول
وقهر يزول».
نلمس في شعرية الانتفاضة والحجر لدى نادر هدى، ذلك الثراء والغنى بإشاراته ورموزه، ما يشير بوضوح إلى استخدام الشعب العربي الفلسطيني، في سبيل إقامة عاصمته / دولته /، وتحرير أرضه لكل الوسائل، ولكل معطيات الأرض ابتداء من السنابل إلى الفصول، إلى كل الجهات ورائحة الأمكنة إلى الزهر، الذي يعبر عن الرغبة في السلام، إلى الفجر، فجر الحرية. وبعد كل الأصوات والنداءات بكل اللغات، وحكايات عشق الوطن، وإقامة الأعراس والحفلات هنا وهناك، وعبر الحلم واللهفة للحظة الانتصار. وفجأة تشرق الشمس من كف الطفل الفلسطيني/الشاعر :
«سنابل وعد لزهر المرايا
اللغات
وزهر الفصول
الجهات
لنبني العواصم والمملكات
ونشهد أنا من الفجر جئنا نؤم الدهور
/
تعلمت منك روايات عشقي
وكيف تكونين في لحظة
ليالك سحري وعرسي المضرج
أطوق عنقك صمت الشموس
وعشق الحجر».
تشكل قصائد نادر هدى تراتيل و ( نشيد حجارة ) بمعنى الكلمة، فهذه الأرض، والدم، والمحار، والينابيع، والحجر النازف، اللغة، البلاد. هذه المفردات وبقدرة عجيبة، استطاع الشاعر أن يصنع منها شعرا. هكذا تبدأ الرحلة الشعرية من الأرض / الحبيبة، إلى الشهيد الشعر، ومنه إلى الحجر ثم الطفل اللغة، وهكذا إلى أن تتحول الشعرية إلى ينابيع تفيض بكنوز الذكرى، ويتجاوز مرحلة الرسم بالصورة إلى مرحلة الرسم بالأسماء والكلمات. إذا كنا قد سمعنا عن الفعل داخل الإبداع، فهذا هو. وهذه هي الانتفاضة قد تجسدت في شعرية الدلالة وفي انتفاضة وعرسية وبهاء الشعر:
وهل ضاقت الأرض حين دمي
تَورَّد سلسلة من بهاء الدهور
لألقي النشيد كأذرع هذا الهياج
وهذي المهر
فلي من كنوزك إرث المحار
ولي من ينابيعك الحالمات رسائلُ طرف
ومن درك العذب عذب
بلادي... بلادي
وحتى الحشاشة، حتى الحجر
أصلي إليك، وحلما أعالي بأعراقك
النازفات الحجر».
يستدعي الشاعر الشخصيات التاريخية والأسطورية، ويتخذ منها قناعا شعريا على طريقة كبار الشعراء، ومن هذا القبيل استدعاؤه لشخصية أبي ذر الغفاري التاريخية، والتي نسجت حولها الأساطير فيوظفها في شعريته بتقنية محكمة في غاية الإحكام.
وأبو ذر الغفاري، هو الصحابي الذي هاجر بعد وفاة الرسول ( ص ) إلى بادية الشام، وأظهر صمودا في مواجهة عثمان ومعاوية، حتى مات منفيا في «الربذة». اشترك نادر مع كثير من الشعراء العرب في استخدام هذا الاسم الرمز، ومحضوه للتعبير عن الثورة والعدل، وجعلوه في القصيدة قناعا.
يرد ذكر الاسم العلم في عنوان اللوحة الرابعة من ديوان مزامير الريح «عن أبي ذر الغفاري، مذكرة مرفوعة إلى أبي ذر الغفاري»، وفي قصيدة «مزامير، بمثابة البيانات عما قاله أبو ذر»، وكذا في مقطع «نار الجرح». وهكذا تنشأ صلة حميمية بين الشاعر والشخصية الرمز منذ مطالع تلك المقاطع، التي تتنزل إلى واقع ويوميات ووقائع المعيش.
«نحن الشعب المتهالك في ملكوت الله
يكبر فينا عبء الفقر
ويسحقنا
وأبو ذر ينضو سيف الجوع يراعا
وخليفته ماض لا إرث يُحَدُ
فجوار تغدو البحر
الليل
ترصع كالمرجان
تعطي فرمان السلطة والسلطان».
لا يفصل الشاعر هذا الرمز عن البيئة والتاريخ العربي الإسلامي، بل تقوى صلته بهما. وتأخذ اللوحات والمقاطع الشعرية برمزها الأصلي، وبسائر المسميات فيها إلى زمن الشاعر.الشعرية هنا برمزها ومحمولاتها التاريخية والواقعية، تشكل مستويين ؛ إحداهما بادية قريبة، والأخرى بائنة قصية، لكن حركة الوصل بينهما يسيرة ممكنة، لأن الصوت الأثر يمثله الصحابي الثائر، له صوت صدى مسموع، لأنه منه تولَّد وبمواقفه التزم دون تصرح، فإحياء الصحابي أبي ذر وبعثه وإعادته إلى نص القصيدة صائحا ببقية كلام في الفم، مجرد خطة أقامها الشاعر للخروج من تصريح إلى تلميح، ومن تحفيز مباشر حاد إلى توجيه خفي، وتحريض بالوسائط تبلغ القصيدة، لكن بتغيير السبيل والمسلك، فبدل أن يستقطب الشاعر المحفز القول ومقوله بخطاب تحميسي، تعلو حدته وتستقيم حركته، من قائل يشرف من عل، يتوجه بالخطاب آمرا واثقا، يستقطبه الرمز الديني، ويجعله صديقا مقصودا بالخطاب. وهكذا تتوضح وظيفة الرمز وتبين عن وجه العدول، من تعبير مباشر إلى تعبير بالرمز، تغيرت به بنية القصيدة وصورة الشاعر المحفز من خلالها.
«ما زال أبو ذر باسم القوت
يعلي رايات العصيان
فأين هو الآن،
وفي أي البلدان
يا سيد إنا نلهث في ملل
وخوابي الحزن تركلنا
ياسيد إن البرد القارس يوئد همتنا
ينسينا البهجة والوعد
وطيب أمانينا».
إن التوظيف هنا ذو صبغة احتجاجية، الإسقاط على التاريخ العربي واضح، وكذا الإسقاط على الواقع الحالي مباشرة. فالنص صورة فنية لأبي ذر الغفاري الغاضب، وفي مثل هذه النزعة الاحتجاجية الغاضبة تحد، من إعادة بناء الشخصية التاريخية دراميا. لأن استدعاء الرمز الديني وبناء النص الشعري كثف التعبير عن فكرة الشاعر ورؤيته، وأوجد نوعا من التماهي بين الصحابي الثائر والشاعر المحفز.
«يطويه البحر، القوت، الصمت
وتطويه الصحراء
وأبو ذر يتطاول
يكبر
يكبر في كل الأنحاء
الأسماء
مأخوذ بالرغبة
مدهوش بالأنباء
مآذن تصرخ، نار الغربة
ودمي أضواء».
لهذا يظل استخدام الرمز التراثي في الشعرية المذكورة، دليلا على بحث الشاعر عما يستوي به النص شعرا، لا يفقد تأثيره وتوجيهه، لكن يتخفف من أعباء الأفكار دون أن يتقلص البناء الدرامي للشخصية، تسعفه في ذلك آثار المد والجزر فيها.
إن ارتباط الرموز الدينية التاريخية في شعريات نادر هدى بالشخوص والمواقف المميزة، لها ما يفسر تعويله على الشخصية، شخصية أبي ذر الغفاري، لما لها من علوق بالذاكرة الجماعية لمتلقي شعره، بسبب من الشحنة التاريخية الروحية لهذا الرمز العلم، ولما يجمع بينها من قيم إيجابية ؛ كالانبعاث والتمرد والمواجهة، دون مضمنة في شعره دون تصريح وتعبير مباشر.
«الربذة
تصرخ فيّ
وتصرخ فيّ الآه : ـ
يا زمن التيه، البدع، الفقر
أطرقت بنار الرغبة آي الصرخة
مرَّ الآه
كسرت شراع الليل
أذبت الملح
/
يا قصد السائل
القلب مآذنك الثكلى
والقلب صديد الطعنة
نار الجرح».
لا يخرج التعبير بالرمز في منطق الشاعر عن شرط الوضوح، حتى تبين مقاصده. مسألة تواصل نادر هدى مع الناس، تظل مسألة مهيمنة في شعريته، التي تمثل «شعرية المد والجزر»، حتى مع توسل الرموز، لكن قيمة الرمز قيمة محفوظة، إذ بدل أن يكون الشاعر هو الصوت الثائر، الفاعل في القصيدة المحرضة، تغدو فضاء نضال وقتال ومواجهة، تكون الرموز وسائط يتوسلها الشاعر لإبراز موقفه، ويستلهم منها السلوك والمعايير موهما بالغياب والتخفي.
يظل الوعي المقاوم في شعرية المد والجزر وعيا نشيطا، لكن الشاعر يعدل أسلوب التعبير عنه، وينتقل بواسطة رموز التراث من تصريح قوي، حاد إلى إيحاء لا تختفى مقاصده، لأن الرمز ميسور القراءة مبذول الدلالة.
بهذه الروحانية الشعرية، عبق ديوان «مزامير الريح»، وبصدى كبير في التمرد على الواقع المهترئ، متجاوزا الذاتية إلى قضايا إنسانية ومواقف وجودية، تتطلب التمرد على كل منحرف شاذ.
ويبدأ الرفض عنده في تلك الحمى والجمرة التي تسكن فيه وتأخذه، فكل عرق في جسده ينتفض بحمى الانفصال والتمرد، إنه طوفان جحيم ابتلي به، يسجل الرفض معاناة مهيضة التحليق. تبدو فيها الظلال منبسطة الثنايا، متماوجة الامتداد في التأثر والانفعالي السوي أحيانا. وألحت الرمزية الغنائية على نادر هدى إلحاحا عاطفيا جارفا، سرحت نشوته الروحية إلى أثير العالم العلوي، في غيبوبة الهائم بجوهر الوجود، المغرق في شفافية الأزل المسطر شعرا ينشد :
«غابات في المرآة
الجمرة تسكن في
وتأخذني
... خمرة فوضاي
وتيه الحلم يشردني
من أي مواطئ هذا القلب
أباعد حالات الفطنة
ومرافئه حيرى
وخطاه على درب الشبكات
رغيف الخبز يبعثرها».
ومع هذا النشيد متمادي الشفافية في نورانية الحس، الذي لا يستفيق في عالم مادي، نجد الشاعر يهيم به إلى الضوء المنصهر في وجدانية رمزية أخاذة، ليجعله ينهض من غفوته في موسم الخصب، في عروق ونياط القلب، فيضيء فجرا. فهذا التشكيل الرمزي بالكلمات، المعجب في دلالته، المدهش في تعبيره، ينهض بالشاعر منفردا بانصهاره ورمزيته وشعريته. وبعد الاستماع لنشيد صادح بغنائية وجدانية، تذوب رقة وعذوبة، كأننا نصغي لسمفونية العزف المجنح في حلم اللانهاية.
«أنى الريح تسوق السحب
ترود الخصب
الثمرات
أنى القلب يضيء
يُعطَّرُ بالهدآت
وفجرا يأتي
يأتي صرحا في صدف الكلمات
الفجر، الفجر، اللحظة
بدْءَ اللحظة والشارات».
مطر العشق
لقد جرى تقليد في أسلوب الشاعر ، قلما تخلو منه قصيدة من قصائده، فـ «هدى» حاضرة بقوة لا تغيب أبدا، فهدى مهيمنة على شعريته، وليس من المبالغة في شيء إذا قلنا لعلها قدره الحلو ؛ فحبيبته سيدة القدر والطبيعة، لا ينبعث الزهر إلا في حديقتها، ولا ينبت العشب إلا حيث تمر قدماها، ولا يقدم الربيع إلا حين قدومها، ولا يطلع القمر إلا لعينيها، ومن أجل عينيها يحرق كل السفن : فهي التي تمنح الحجر قلبا، هي التي تشكل للوطن خارطة، وهي التي تشعل النيران فيغدو لها دخانا، وهي التي تنشر الدروب بالورود والرياحين والضياء، وهي التي تبعث النهارات، وتختزل المسافات والآماد، وهي التي ترحل في أعمق الأعماق، وهي التي تنشر الأضواء والألوان.
فهذه الشعرية التي حبا الله بها نادر، تصدر عن نزعة نفسية وفنية واحدة، ترتبط فيها الطبيعة بالحبيبة والحبيبة بالطبيعة أشد الارتباط.فالشاعر يكاد لا يتحدث عن تأثير هدى في نفسه، حتى يجمع لها مظاهر شتى من الجمال الطبيعي، ويقيم لها مهرجانا وحفلا بهيجا. لقد كان جهد الشاعر مضنيا، لكنه يغتبط غاية الاغتباط، عندما يصنع ذاك الفرح، فيحقق معادلا موضوعيا. وبالمختصر المفيد : إن هدى تصنع العجب فترى العجاب من الشاعر نادر، فباسمها ينشد قائلا :
«لعينين من قمر ونشيد
سأشعل كل الكنوز
أهيب الحصى والقطا
ممالك تشدو.....
وطنا من هدى
ليأت النهار
ليأت النهار، مباهج كل الفصول،
المواسم، آلاؤها،
شذى القبلات،
حياة تضج الحياة بأسمائها
كما غلة من كنوز الندى».
وإضافة إلى هذه الصور الشعرية المختلفة، كانت المرأة / هدى أحد الأقطاب الهامة، التي كتب عنها الشاعر وغاص في أعماقها، وحلل مشاعره ومشاعرها، وتابعها بدقة، فهي مرة قديسة، ومرة محبوبة تتعب عاشقها. نشعر وكأن الشاعر يعايش هذه المرأة كقضية وواقع حي، ويعايشها في دنيا الخيال، بصورة تملك لبه، وتضنع له نماذج شعرية خلاقة، وينسجم معها خياله ويطاوعه، لكأنه يعايش حقيقة، فينسج بالشعر واقعا لخيال نراه بالعين المجردة، كأنه حقيقة دامغة. دال المرأة / هدى، ودال الحب، يضم كل دال مجموعة من القصائد في ديوان «مزامير الريح»، نبحث فيها عن السمات البارزة، التي تمثل الدال، كما نبحث عن المدارات التي تصنف فيها هذه المرأة وهذا الشاعر باعتبار المواقف، فتبدو فيها هدى النواة الأساسية، التي تنبعث منها بقية الدوال، التي أخضعت لها شعرية نادر هدى.
«يا بذرة قلبي،
إنمي فيّ، وفي الجوع
وكوني البدء، الرفض
فملّ الباب الطارقُ
ملَّ الهاتفُ والحرّاسْ».
وسع الشاعر نادر المرأة / هدى شعرا غزيرا، وأغدق فيها تصويرا، حتى نتصور في لحظة من اللحظات أنه خالق امرأة، أية امرأة، إنها الفكرة، إنها قضية هامة في حياته. وهي أول الفتوحات التي حققها بشعره وكشف عنها الحجاب.
وهكذا، فإن المرأة والقصيدة ينبعثان في شعرية نادر من رحم واحد، وتخضعان للمخاض نفسه، وتشكلان روعة الكتابة وعذوبة الحب. ومن الطريف أننا نعيش مع نادر صورا شعرية مختلفة تتعلق بهذه المرأة بعينها / هدى، يستنجد فيها بصورة ذلك المعشوق، الذي استطاع أن يعثر على المرأة النموذج، التي طالم حلم بها وصورها من خلال أشعاره. ويكفيه أنه عثر في داخله على صورة الإنسان المحب القادر على العطاء :
«يا عشقا صُنِّعَ من خطوي،
حاكته الجمرات
الدرب يؤرقني
الحلم الشاحب
هذا الضوء المُطفئ
هذي الأحرف والسكنات
مشغولاً يأتي، أشعث، أغبر
يأتي من حمّى الرهبات».
يستغل الشاعر هذه الصفات في إثبات صدق وعنف عواطفه، خصوصا وهي تصدر من رجل بلغ رشده، وعادة أن الحب في هذه المرحلة من حياة أو عمر الرجل، يبدو صادقا وعنيفا.ويعمد كثيرا الشاعر في شعريته، إلى طريقة الحوار الداخلي، للكشف عن المعاناة الداخلية، ونقلها إلى المتلقي، ويستعير من أجل ذلك أسلوبا سرديا، لكي يقربه في شيء من الشفافية التعبيرية.
لقد استبدل الشاعر بالنبرة الرافضة الثائرة، النبرة، التي تقرب الروح إلى الروح، وتعمل على احتواء كيان آخر. إنه اعتراف حميمي يتعالى فيه الشاعر عن ذكر أية إدانة يلحقها بحبيبته المحظوظة بحبه، والتي يشهر باحتوائها، وبهذا يكون الشاعر والمرأة / هدى، قد غادرا مدار الرفض إلى مدار آخر :
«كوني لوزة قلبي،
هذا البحر جنوني
كوني درة أضوائي
مجد الرقصة
والحالات
وأضيئي القلب،
أضيئي الأفق، الرعشات»
هكذا تنتهي رحلة الغوص في الأعماق، من الظاهر إلى الباطن، إلى الرعشات والنبض، فالنبض أساس الحياة، وباعتبار الحبيبة حالة في عروقه، فهذا يقتضي أنها حاضرة معه أينما كان. وهكذا يأخذ التعبير عن المرأة في شعرية نادر هدى صورا لا تتنافى كليا معها،باعتبارها الرمز، ولكنها في مجملها وفي عمقها علامات، تتعاقد مع شيء آخر غير المرأة هو الأرض، الوطن. إذ تصبح المرأة مماثلة للأرض والوطن، باعتبارهما مصطرع كل التناقضات، وتلك هي المرأة / القضية الكبرى.
* كلية الآداب والعلوم الإنسانية
جامعة عنابة ـ الجزائر