القيسي: ترك «الناي» و«منمنمات أليسا» مندفعاً تجاه الحياة

القيسي: ترك «الناي» و«منمنمات أليسا» مندفعاً تجاه الحياة

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 5-8-2005
No Image
القيسي: ترك «الناي» و«منمنمات أليسا» مندفعاً تجاه الحياة

يوسف حمدان - بحلول 1/8/2005 يكون قد مر عامان بالتمام على توقف «التروبادور» عن تجواله الذي بدأه مندفعاً تجاه الحياة في العام 1944، وانهاه على غير ما يشتهي، جلطة ادت الى غيبوبة دماغية، كانت كافية لينأى بجسده، ولكن اشعاره، وسيرته الثرة ما تزال ماثلة بيننا، لتذكرنا بأحد ابرز شعراء جيل «المخيم» الفلسطيني.
فقبل عامين، قرر الموت ان يغيّب الشاعر الجوال محمد القيسي، فبدت الشوارع ذاهلة، والمقاهي يصفر فيها الغياب، كما يقول المانشيت الرئيسي للصفحة الثقافية في «الرأي» حينئذ.
رحل القيسي تاركاً في قصائده تجربة الطرد الاول، وتجربة المخيم ومرارة حياة المنفى بكل تفاصيلها، ولم يعد مجبراً على الكتابة ليقنع نفسه بالحياة .. رحل الجوال وهو يشكو من الوحدة، فيما قلبه يفيض برغبات مستحيلة.
ولد محمد القيسي في قرية «كفرعانة» بقضاء يافا بفلسطين في عام 1944، وكان في الخامسة من عمره لحظة ان نزفت كفرعانة دمها، فسال في وديان الشتات، ليصب في مخيمات، اسنت فيما بعد بالقهر والفقر والاذلال ..، وفي مخيم (الجلزون) القريب من رام الله نزلت اسرته، وفي مدارس المخيم تلقى مراحل تعليمه الابتدائي والاعدادي والثانوي، وحصل على بكالوريوس في اللغة العربية من بيروت في العام 1971,.
كان القيسي محملاً بتجارب حياة خاصة، حتى اللحظة التي اصبح فيها بمقدوره ان يقول عن نفسه انه شاعر، او يكتب الشعر، ربما كان هذا في عام 1958: «صدفة قلت: اني اكتب الشعر، ذلك ان فتاة جميلة كانت تدير رؤوس الصبيان في المخيم، وكان التحدي لهم ان ابيّن شعري واظهره .. ، في اليوم التالي كتبت قصيدتي الاولى، عن صبية في المخيم لأبرهن عن زهوي، وامتيازي بين الصبيان بهذه الكتابة، وبأن لديّ ما اقوله للفتاة غير اقوال صحبتي، ومرت سنة او اثنتان، لينشر لي اول مقطوعة شعرية في جريدة كانت تصدر مساء في القدس او رام الله وتسمى (المساء) .. والطريف ان القصيدة نشرت مع اشارة «اختيار محمد القيسي» وليس «شعر محمد القيسي» وربما كان ذلك بسبب سوء حظي! فقد كنت في الصف الثاني الاعدادي».
ويضيف القيسي قائلاً: «وتلت هذه القصيدة سنوات كتبت فيها النثر والشعر حتى كان صديق ذهبت واياه الى مجلة (الافق الجديد) بتحريض منه - بالمناسبة هو ليس اديباً - حيث قابلنا الشاعر (ايمن شنار) باعتبار ان صديقي الذي معي هو الشاعر - حياء مني - وعندما قرأ شنّار القصيدة سمعته يقول (جميل) ثم حين وصل الى كلمة غير واضحة كانت على الجزء المثني من الورقة، سأل صديقي عنها، ولم يجبه، فقلت انا الكلمة، فسأل (امين شنار): من الشاعر منكما؟ لحظتها قلت: أنا ..».
هكذا نبع نهر الشعر عند القيسي .. وخرجت الى الوجود اولى صرخاته .. وظل هاجسه الذي لا يبرحه .. كان يريد منذ تلك اللحظة ان (يكون) .. فمضى وراء (الحلم) .. وخطا خطواته في حسم .. كان امام ناظريه الافق شاسعاً .. ومضيئاً بدغدغات الحلم .. الحلم بالأنا .. بأن يكون .. فها هو يكمل لنا قصته مع قصيدته الاولى فيقول:
«نُشرت القصيدة في العدد التالي من (الافق الجديد)! وكان ذلك مدعاة فرح لي، وفتح لي امين شنّار المجلة لأنشر بشكل متتال، ولأنني محمل كما قلت في البداية بالكثير، فقد كنت غزير الكتابة».
وفي نفثات الوجع، والألم المبحوح كان القيسي الشاعر يخوض غمار ما يدور بخلده من هيمنات الواقع الدامي الذي يتشظى في الدم والنبض ليتضاعف الوجع، وينفجر بمزيد من الحزن المحروق.
* * *
كان قدره المخيم، حياة ومعالجة، فهو من جيل يمكن تسميته بجيل المخيم في الشعر الفلسطيني الذي اعقب نكبة 1948، والمخيم وحالاته في عيني طفل كان اسئلة دائمة وبحثاً عن اسباب لهذه الحياة، لأزقة الطين، والفقر، للحرمان واليتم الذي استيقظ عليه، لحكايا امه عن القرية والاب القتيل، كل ذلك كان يبعثه المخيم فيه، ولم يكن الشعر آنذاك الا محاولة لتطمين الذات، ووهم اجابات بدت جد كاذبة فيما بعد، حين وعي المخيم ووعي النفي الذي نحن فيه كمجموع وشعب ووطن، اخذ الشعر انطلاقاً من هذا الوعي يعيد صياغة الأنا وتشكيلها..
اثر ذلك هام القيسي بالشعر وهام الشعر به .. واخذته قدماه حتى وصلتا به الى آخرين سبقوه كما قال، فصار يلتقي بمحمود شقير وخليل السواحري ومحمد البطراوي، ويحيى يخلف، وفيما بعد بآخرين في مقاهي المخيم عازفين ومنشدين سير ابطال شعبيين سكنوه ..
وعندما توفي شاعر (صوت الجياع) خليل زقطان كان القيسي الوحيد من بين الشعراء والكتّاب فوق تلك القمة الفوسفاتية (الرصيفة) من يشيعه .. وكان اصدقاؤه ومعارفه وجلساء المقهى لا يعرفون الا خليل زقطان الانسان، ويحبون فيه ما اورثه الشعر من سلاطة اللسان، وطلاقة السخرية، ذلك ان خليل زقطان هو الشاعر الذي مات مرتين، الاولى حين كف عن عذاب الشعر، والثانية هذه المرة ..، وما استأذن احداً، او ودّع زوجته، او احد الانجال، كانت وجهته المقبرة ..
بعد ذلك كله، داهمت محمد القيسي الفوضى واللااستقرار، سواء في المكان او العائلة او الوظيفة، فجال في بلدان عدة، وهاجسه كان الشعر لا المكان، ولا العائلة او الوظيفة، حتى اذا حلت هزيمة عام 1967، زوبعت اشياؤه وبرامجه كلها، فعاد من الكويت حيث كان هناك .. «ثم انبثقت فيما بعد من عدم الاشياء وظلامها الاشعاعات الاولى للمقاومة الفلسطينية».
في فترات متباعدة، ومنذ عام 1965 عمل القيسي في حقول الصحافة والاعلام والتربية والتعليم في اكثر من بلد عربي، كالكويت والسعودية والاردن ..
وعن طفولته المبكرة في كتابه «الموقد واللهب»:
«قليلة هي الصور التي علقت بذاكرة الطفولة المضطهدة مبكراً، سواء عن القرية او الوالد، اما وقد توافر لي الاطلاع والمعرفة لأدق التفاصيل لتاريخ اسرارهما وتضاريسهما الموغلة في طقوس الالم، وذلك عبر احاديث واغان ومواويل تلك العجوز التي هي امي، فقد تركا بعدئذ فيّ الكثير، كما تدخلا في تشكيل وتركيبة الحس الداخلي لتجربتي كانسان ايضاً .. ومن هنا سجلت القرية حضوراً ووجوداً انسانياً في كثير من قصائدي» ..
ومحمد القيسي الشاعر وصفه اكثر من ناقد بأنه اكثر الشعراء حزناً، وتحدّث بعضهم عن ظاهرة الصعلكة في شعره وفي حياته، اما انا، فأعتقد ان جميع الشعراء واحد في قاسمهم المشترك الشعر .. الحزن والصعلكة من نواميس الشعر، ولا يمكن ان يتفرد بهما شاعر دون آخر .. حتى لو بدت الامور غير ذلك ..
تأثر الشاعر محمد القيسي بعروة بن الورد وعرار وابو نواس والشريف الرضي، ومن غير العرب بـ لوركا، والوار ونيرودا، وكان لهؤلاء تأثير كبير عليه ولهم بصمات واضحة مطبوعة على جدران نفسه وما يحبره قلمه على الاوراق.
كان القيسي قارئاً للرواية بشغف كبير، ومنكباً على كتب الحضارات القديمة والاساطير وكتب الديانات والمسرح .. وظل يعيد قراءته لشكسبير وهرمان هيسه وريمارك وطاغور ونيرودا وكازنتزاكي ورسول حمزاتوف وآخرين، ويقول انه لا ينسى سان جون بيرس في «اناباز - منفى وقصائد اخرى من ترجمة التونسي علي اللواتي»، وبعض الصوفيين كجلال الدين الرومي، والعطار، ومحي الدين بن عربي والنفري ..
كتب الشاعر راسم المدهون في جريدة (الحياة) في 20/3/1992م .
عن محمد القيسي قائلاً:
«ميزة محمد القيسي بين شعراء جيله دأبه الذي لا يتوقف على الحرية، حرية التطلع وحرية الرؤية، وبهما ومعهما حرية القصيدة في ان تكتب نفسها خارج اية قوانين، قصيدة القيسي اذ تجانب البحث عن اية مشروعية خارج الشعر، فهي تأخذ مشروعيتها الفنية من لغة تحاور اللحظة، لا بآنيتها العابرة واندياحها المؤقت، ولكن بانتمائها الى حياة الشاعر».
ومن اقوال القيسي حول تجربته الشعرية كما وردت في كتابه (الموقد واللهب):
«ان قراءة واحدة لمجاميعي الشعرية تشير الى حالة واضحة من عدم الرضى في المكوث الطويل عند شكل واحد، صارت كتابتي عرضة لتجريب لا يستقر في حال، فمن الشكل الكلاسيكي الى القصيدة الحديثة، القصيدة المسرح، والقصيدة اللقطة، والقصيدة الحكاية، والقصيدة الطويلة، والقصيدة الديوان كما في (الوقوف في جرش) و(مجنون عبس) و(كتاب حمدة) ومن تضمين للموروث الشعبي الفلسطيني في بنية القصيدة الى محاولة استلهام روح النص الشعبي، ومن القصيدة الغنائية ذات البعد الواحد، والايقاع الواحد الى القصيدة المركبة، متعددة الاصوات، والتي تأخذ منحى درامياً واضحاً، كما في (ظهور عزالدين القسام) من ديوان (كل ما هنالك) .. ومن القصيدة المطعمة بمقاطع نثرية، الى قصيدة النثر، ان هذا التغيير الذي يطرأ على شكل القصيدة عبر تجربتي الشعرية، لم يكن ركضاً وراء اشكال، او قفزاً في فراغ، بقدر ما جاء استتباعاً لطبيعة التجربة المعيشة، بما يمكن القول ان المضمون يستولد شكله بنفسه ويحدده».
* * *
في كتاب (ادب الاطفال في الاردن) وهو دراسة نقدية للراحل احمد المصلح من منشورات دائرة الثقافة والفنون في عمان لعام 1983 تناول في الصفحة (52) قصيدتين كان قد كتبهما القيسي للأطفال ونشرهما في مجلة (سامر) العددين السادس ايلول 1977م، والسابع تشرين اول 1977م، فقال ان في قصيدتي القيسي هاتين الدليل الكافي على ان امكانات هائلة في مضمار ادب الاطفال الشعري يمتلكها هذا الشاعر، الامر الذي يجعله يطالبه بأن يوظف هذه الامكانات لصالح تجربة ادب الاطفال الوليدة في الاردن، ويأمل ان يكون له قصائد اخرى مخطوطة او منشورة في مكان ما ولم يطلع عليها، والقصيدتان تحملان نفس العنوان (حدث منذ ثلاثين سنة) ويحكي الشاعر فيهما حكاية الوطن الذي ضاع قبل ثلاثين سنة من كتابته لقصيدتيه هاتين فيقول المصلح «ومعلوم لنا كم هو ممتع ومشوق ومرغوب فيه، هذا الدور الحكائي للأطفال».
يذكر ان الشاعر الراحل محمد القيسي اقام في العديد من البلاد العربية كما زار الاتحاد السوفياتي ومنغوليا لحضور مؤتمر كتاب آسيا وافريقيا عام 1980م، وبلغاريا لحضور المؤتمر الدولي الثالث للكتّاب عام 1980، واسبانيا والاندلس عام 1986م، واقام امسيات شعرية في البلدان التي زارها.
ترجمت بعض قصائد القيسي الى لغات اخرى .. وانتخب عضواً في الهيئة الادارية لرابطة الكتّاب الاردنيين.
شارك القيسي في مهرجانات شعرية محلية وعربية ودولية .. مثل مهرجان جرش في الاردن والمربد في العراق وقرطاج في تونس 1986 ومهرجان الشقيف الشعري الاول في بيروت 1981م.
حصل على جائزة عرار الادبية عن مجموع اعماله من رابطة الكتّاب الاردنيين، وعلى جائزة ابن خفاجة الاندلسي عن مخطوطة ديوانه (منازل في الأفق). من المعهد الثقافي الاسباني العربي في مدريد، حيث تم ترجمة كتابه الى الاسبانية ونشر في مدريد باللغتين الاسبانية والعربية.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }