د. خديجة العزيزي - يشهد العالم اليوم إحياءً للأصوليات، وبعثاً للتعصب على المستوى الكوني، وتراجعا للفكر العَلماني. والحقيقة أن الأصوليات مهما تباينت منابعها تهدف إلى إعادة الحياة للنظام الثيوقراطي، وإفراغ الاجتماعي والسياسي من مضمونه ليصبح تحت سيطرة الديني. وقد تبدى الفكر الأصولي في الغرب لدى المحافظين الجدد، أما في عالمنا العربي فإن موجة أصولية تجتاحه على شكل أحزاب أو جماعات دينية متشددة تمثل قواعد اللعبة السياسية، وتدعو إلى تجاوز حدود الديمقراطية، والعودة إلى اتباع منهجية في الحياة تعود إلى مرحلة تاريخية ويمتص فيها ما هو ديني كل ما هو سياسي، وتبيح تدخل رجال الدين في شؤون الحياة الدنيوية للشعب بعامة، وقد تزايد نفوذ تلك الأحزاب والجماعات بعد الهيمنة الأميركية على العالم العربي لأسباب لا يتسع المجال هنا لذكرها، واستطاع منظروها أن يقنعوا عامة الناس، الذين يجهلون الفرق بين العَلمانية وبين العَلمانوية، بأن العلمانية دعوة تتعارض مع تعاليم الشريعة الإسلامية، واتهموا دعاتها بالردة عن الدين أو بالكفر والإلحاد.
والواقع أن العلمانية تنطوي على نوع من التحرر من هيمنة رجال الدين على الدولة والثقافة والحياة الاجتماعية، أما العلمانوية فإنها تمثل موقفا يرفض الدين وكل مظاهره، وينطلق الداعون إلى العلمانية من افتراض فحواه أن لدى الإنسان من القدرات ما يمكنه من تدبير شؤون حياته الدنيوية بنفسه ودون الرجوع إلى التعاليم الدينية، ولذلك يشكل فصل الدين عن الدولة حجر الأساس في العلمانية، وهذا يعني أن الدولة وحدها المسؤولة عن كل ما هو قانوني وغير قانوني في المجال العام، وأنه يتعين عليها أن تؤسس شرائعها وفقا لاعتبارات عقلانية، وأن تتسامح مع الأديان فلا تتدخل بشأن الاعتقادات الدينية وممارسة الشعائر الدينية.
ومن الملاحظ أن الدعوة للعلمانية في ظل الظروف الراهنة في العالم العربي أمر في غاية الصعوبة، نظرا لما يمكن أن يلحق بالمنظر أو الداعي لها من مخاطر، لكن مع ذلك نجد فئة قليلة من المفكرين ما زالوا يكرسون جهدهم لهذه الدعوة، مدركين بأن تمزق وحدة الشعوب العربية؛ والصراع الدامي الذي تشهده بقاع كثيرة في العالم العربي؛ يكمن وراءه عدو يطمع في الهيمنة على دول العالم ونهب خيراتها، ولتحقيق أغراضه يقوم بتذكية الفكر الأصولي في البلاد التي توجد فيها جماعات مختلفة دينيا أو إيديولوجيا؛ ومن ثم يعمل على إشعال نار الفتنة وإثارة الخلافات بين تلك الجماعات ، ولهذا دعا المفكرون العلمانيون إلى فصل الدين عن الدولة لكي تتمكن الشعوب من تجنب الصراعات العقائدية التي تستنزف قوتهم وتجعل إمكانية وحدتهم ومجابهة القوى الطامعة أمرا مستحيلا.
والحقيقة أن من أبرز المفكرين الداعين إلى العلمانية في الأردن الدكتور أحمد ماضي، المتخصص في تاريخ الفكر الفلسفي، وقد تبدت دعوته هذه في أبحاثه وفي محاضراتـه وأخيرا في كتابه «نماذج من العلمانية في الفكر العربي الحديث والمعاصر»، الذي يؤرخ فيه لعدد من المفكرين العلمانيين في عصر النهضة وعصرنا الحالي، ويصنف آراءهم وفقا لتسلسل زمني، مسلطا الضوء على مصادر فكرهم، وكاشفا عن الإيديولوجيات الكامنة وراءه، وموضحا الأسباب التي قدموها لتسويغ دعوتهم للعلمانية، وملتزماً، خلال تحليله لآرائهم، بمنهجية علمية تبدت في براعته في اختياره للنصوص التي تظهر نوع علمانية المفكر إذا كانت صلبه أو منفتحة، أو كانت متكاملة أو غير متكاملة.
حاول ماضي، في الفصل الأول من الكتاب وتحت عنوان «بزوغ العلمانية» استكشاف جذور العلمانية في الفكر العربي، وعاد بنا إلى عصر النهضة ليكشف لنا بأن الطهطاوي اعتبر أول داع للعلمانية في العالم العربي والإسلامي، وأن علمانيته تبدو من خلال اعتماده في دعوته إلى تحقيق المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين، على مرجعيتين، مرجعية عقلية وافدة، ومرجعية دينية موروثة، ومن خلال تأكيده بأن ما يضمن حرية الفرد هو القانون، وبأن تحقيق الإنصاف والعدل يتم بواسطة العقل. أما الفصول الأخرى من الكتاب فقد تضمنت تحليل ماضي ونقده لآراء كل من شبلي شميل، فرح أنطون، أنطون سعادة، وبو علي ياسين، ومن هذا التحليل والنقد وما عرض في الكتاب من آراء يستطيع القارئ أن يخلص إلى الاستنتاجات الآتية:
1- ان المفكرين ناقشوا العلمانية من منظور سياسي ولم يناقشوها كموقف معرفي، لكنهم أدركوا ارتباط العقلانية بالعقل وبالعلم، فمجد شبلي شميل العلم ورأى بأنه يقضي على الخلافات الدينية بين الناس ويوحد القوميات والأوطان. ووضع فرح أنطون الفلسفة والعلم في دائرة العقل الذي أعلى شأنه ولم يضع حدا له، وقال ان العقل لا يعرف حدا للبحث، ومتى وضع حد له فإن ذلك بمثابة خنقه وقتله، ورأى بأن وظيفة الحكومات تتمثل بحماية حرية التفكير. وطالب بو علي ياسين بالبحث عن الأسباب العلمية للظواهر ونهى عن حشو أذهان التلاميذ بالقضايا الميتافيزيقية وقضايا الغيب، أما سعادة فقد جسدت علمانيته دمج النظرة الاجتماعية والسياسية والنظرة العقلية الفلسفية معا.
2- ان غرض جميع المفكرين في دعوتهم للعلمانية يتمثل في كسر حدة التعارض القائم بين الجماعات الدينية المختلفة؛ وتحقيق وحدة الأمة والنهوض بالمجتمع العربي لكي يساير المجتمعات الغربية المتقدمة، لهذا رأى فرح أنطون أن العلمانية تساعد على تحقيق الوحدة على المستوى الوطني، بينما رأى كل من أنطون سعاده و بو علي ياسين أن العلمانية هي العامل الأساسي في تحقيق الوحدة القومية، أما شبلي شميل فقد سار بعيدا ورأى بأن انتشار الفكر العلماني يضمن تحقق الوحدة على مستوى العالم بحيث يبدو كله وطنا كبيرا.
3- ان جميع المفكرين قد شددوا على مبادئ الديمقراطية، وبخاصة المساواة وحرية الفكر وحرية العقيدة، واحتجوا قائلين إن الحكم في الدولة العلمانية الديمقراطية يكون نيابة عن الشعب، بينما يكون الحكم في الدولة الدينية نيابة عن الله، وتمثله جماعة لا تساوي بين المواطنين ولا تحترم حق الاختلاف بين العقائد. وعلى أساس هذه الحجة رفضوا الدولة الدينية.
4- انه على الرغم من رفض المفكرين تدخل رجال الدين في الشأن السياسي والشؤون المدنية؛ فإن الدين لم يستبعد عن المجال الخاص من قبل أي واحد منهم، بل على العكس أكدوا أهميته في الحياة، ودعوا رجاله إلى إبعاد الدين عن أوحال السياسة والتركيز على نشر الفضيلة وما تتضمنه التعاليم الدينية من قيم أخلاقية. ولم يتعرض جميع المفكرين إلى نقد الدين نفسه، كذلك لم يتعرضوا إلى نقد مؤسسات الدولة التي تدمج الدين بالسياسة، باستثناء بو علي ياسين الذي حدد إجراءات رأى بأنها تساعد على علمانية الدولة، وانتقد المؤسسات التعليمية ووزارة الأوقاف وقانون الأحوال الشخصية الذي يترتب عليه وجود محاكم شرعية وكنسية ومذهبية يتمتع رجال الدين فيها بسلطة مطلقة.
من الواضح أن ماضي لم يعرض بشكل مباشر، في هذا الكتاب، موقفه من العلمانية، لكن نظرا لكونه لم يكن مجرد ناقل لآراء المفكرين بل كان محللا وناقدا لها، فان القارئ باستطاعته أن يتلمس بين ثنايا النقد ملامح من علمانيته. ففي تحليل ماضي لآراء الطهطاوي نجده يتفق معه على أن الوطن للجميع ويقول: «العلماني هو الشخص الذي يقول ان الوطن للجميع من دون تمييز على أساس اللغة أو الجنس أو الدين إلى درجة معينة وثمة درجات أخرى يتعين بلوغها كي ينعت الشخص بأنه علماني» (ص18). وتبدو إحدى الأسس الفلسفية لعلمانية ماضي خلال تبنيه لوجهة نظر عادل ضاهر الذي يؤكد بأن العلمانية تقوم في المقام الأول على أسبقية العقل على النص(ص15). وفي نقده لآراء شبلي شميل يلاحظ أنه يتفق معه على ارتباط العلمانية بالعلم والمعرفة وبان الهدف من العلم كشف الحقائق وليس الدعوة إلى الإلحاد، لكن ماضي يتحفظ على قول شميل بأن العلم يوحد الشعوب والقوميات، ويقول: «إن المعتقدات المشتركة هي التي توحد البشر وتجعلهم أخوة وليس العلم» (ص61 )، مؤكدا بأن استخدام العــــلم في العمل العسكري يثير الامتعاض والاشمئزاز.
ويبدو أن ماضي يرى أن فصل الدين عن الدولة لا يكفل حل جميع المشاكل في المجتمع، ولا يتوقف الخير في المجتمع على هذا الفصل وحده، ولذلك يظهر ما ينطوي عليه قول فرح أنطون من مبالغة حين ادعى أن ليس هنالك أمن ولا فن ولا حرية في المجتمع ولا تقدم إلا بفصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية. ولا ينكر ماضي أهمية الرابطة الدينية في تحقيق الوحدة القومية، لذلك يأخذ على أنطون سعادة ادعاءه بأن الرابطة الدينية تهمل الجغرافيا والتاريخ والسلالة والاجتماع والاقتصاد والنفسية الاجتماعية؛ أي جميع العوامل التي توحد الواقع الاجتماعي وتتكفل بحفظه، ويقول : «ان إيمان سعادة الشديد بالرابطة القومية والدولة القومية ساقه إلى قدر من التطـرف في التصدي للرابطة الدينية والدولـة الدينية معتقدا أن الرابطة القومية الوحيدة التي تكفل حرية الأمم وحقوقها وتجهزها بجميع وسائل الكفاح» (ص90).
ان ماضي يرى أن العلمانية إجراء لا بد منه لتحقيق المساواة بين المواطنين وإزالة كل أنواع التمييز الأخرى، فالمواطنة الحقة، حسب رأيه، لا تتحقق إلا إذا أزيل أي تمييز بين أعضاء المجتمع. ولذلك انتقد المفكرين الذين طالبوا بمنع رجال الدين من التدخل في الشؤون السياسة وقال: «ان تجريد أي مواطن من حق التدخل في السياسة يعني أن المواطنين في الدولة غير متساوين في الحقوق» (ص93). وأن تحقيق أي مجتمع علماني يتوقف قبل كل شيء، حسب تصوره، على إقامة مجتمع ديمقراطي إذ «لا علمنة من دون ديمقراطية، أقصد بدون أن تكون اختيار أكثرية أعضاء المجتمع» (ص100). وهو يعتقد أن العمل المطلوب لتحقيق المجتمع العلماني متعدد الألوان والاتجاهات، ويتساءل عما اذا كان يتعين مبدئيا قيام جبهة عمل في كل قطر من أقطار الوطن العربي؟ لكنه يدرك، في الوقت نفسه، صعوبة عمل كهذا بعد تقليص دور القوى العلمانية والتراجع الذي تشهده العلمانية، مذكرا بالمخاطر التي تعرض لها المفكرون الذين دعوا إلى العلمانية وطالبوا بدراسة الدين من منظور علمي كدراسة الظواهر الاجتماعية. ويبدو أن ماضي يميل إلى تحديد إجراءات وتدابير ملموسة وعدم الاكتفاء بالتنظير؛ لذلك يمتدح الطريقة التي عمل بها بو علي ياسين خلال نقده مؤسسات الدولة التي تدمج الدين في سياستها الرسمية.
وفي الحقيقة يثير كتاب ماضي في ذهن القارئ أسئلة كثيرة منها: هل قامت الدعوة إلى العلمانية في المجتمعات العربية منذ عصر النهضة على أساس فهم الفرق بين العَلمانية (بفتح العين) والعلمانية (بكسر العين) والعَلمانوية ؟ ما هي الدرجات التي يتعين بلوغها لكي ينعت الشخص بأنه علماني؟ ما هي الاعتبارات الفلسفية التي يتعين على المفكر أن يقيم على أساسها دعوته للعلمانية؟ ولماذا لم يعتبر ماضي الحجج العقلية التي قدمها سعادة لتسويغ دعوته للعلمانية حججا فلسفية؟ هل يتعين على الدولة العلمانية الديمقراطية أن تسمح بالتعبير عن مذاهب مناهضة لفكرة العلمانية؟ كيف ينفصل السياسي عن الديني إذا كان الديني لا يتحدث عن شيء آخر سوى السياسي؟ إذا سمحت الدولة لرجال الدين بالتدخل في الشأن السياسي فكيف يمكن أن ننزع منهم رغبتهم في احتلال الحقل السياسي؟ وفي الواقع ان بعض هذه التساؤلات تتعلق بموضوعات الكتاب وبعضها الآخر تحفل بها وبغيرها الفلسفة السياسية التي تصدى ماضي في كتابه لأبرز موضوع من موضوعاتها ولأكثر موضوع مثير للجدل. ونحن بدورنا نأمل أن نجد الإجابة عن هذه الأسئلة في الأجزاء الأخرى من الكتاب وأن يتكشف لنا موقف ماضي من العلمانية بشكل أوضح.