سعى محمد اركون من خلال نقد العقل الاسلامي الى جعل (المستحيل التفكير فيه) او (اللامفكر فيه)، شيئا يمكن التفكير فيه داخل ساحة الفكر الاسلامي المعاصر.
ويقصد اركون بـ«المستحيل التفكير فيه» و«اللامفكر فيه» جميع القضايا التي تتعلق بتاريخ الاسلام كدين، الاسلام كفكر، الاسلام كثقافة، والاسلام كما يستعمل اليوم، ويستوظف للنزعات السياسية العددية التي تم القيام بها اما ضد الاستعمار للتحرر من الاستعمار منذ الخمسينات، واما بعد الاستقلال في الصراعات السياسية الخاصة بكل مجتمع من المجتمعات الاسلامية، والخطاب السياسي الايديولوجي، وكل خطاب سياسي يحمل ايديولوجية طغى على جميع مجال الفكر والتفكير في مجتمعاتنا.
ان اللامفكر فيه، بالنسبة الى اركون، لا يقتصر على هذا فحسب، بل يتعلق ايضا بالتراث الاسلامي، لان هناك في تاريخ الفكر الاسلامي تفكير فلسفي ثري جدا، تم تركه واهماله لاسباب تاريخية جعلتنا في حالة لا يمكن التفكير فيه. إذن فاللامفكر فيه هو كل ما حذفه الفكر الإسلامي من دائرة اهتماماته منذ القرن الثالث عشر على الأقل، بحيث اصبحت الأشياء التي يمكن التفكير فيها أقل بكثير من الأشياء التي يستحيل التفكير فيها، وهذا بحد ذاته دليل على تحجر هذا الفكر وانغلاقه في شرنقة من المعتقدات الجامدة والمغلقة. ومن هنا جاءت ضرورة نقد أركون للفكر الاسلامي.
ويأتي نقد محمد اركون للفكر الإسلامي بهدف زحزحة المشروعية الإسلامية وتفكيكها من خلال تفكيك أصول الدين وأصول الفقه، التي اضطلع المفكرون المسلمون طيلة القرون الثلاثة الأولى على تشكيلها والتي جسدت في حينها قدرة العقل الإسلامي على التحليل والتفسير والاستقراء والاستنباط، والتي اعتبرت، فيما بعد، بمثابة القوانين المقدسة والمعصومة التي لا يمكن مناقشتها، رغم تغيير الظروف التاريخية والاجتماعية.
وعملية التفكيك، التي يقوم بها أركون، تعتمد اولاً على علم اللسانيات، لأن قراءة اي نص يستدعي الاعتماد على وسائل وعلى معجم خاص باللسانيات. وقراءة النص القرآني، بالنسبة للفكر الإسلامي، هو أول شيء يعتمده أركون. فالمسلمون، في العصر الذهبي، والفقهاء، وأهل الكلام، كانوا يقدمون لكتبهم بفصل كامل ثري مخصص لقضايا اللغة العربية.. البلاغة، علم النحو..
ومن الواضح ان نقد الفكر الاسلامي، يثير غضب الكثيرين من اصحاب التيارات الاسلامية، حيث انهم يسعون الى فرض المشروعية الدينية التي تبلورت في القرون الوسطى، وبالرغم من ذلك، سعى الى تفكيك خطابهم المعاصر، فوجد ان ثمة ضرورتين تاريخيتين ملحتين فرضتا هذا الموقف وهما: التعويض عن النقص الاداري والتشريعي للدولة القومية التي نشأت بعد الاستقلال... وكذلك وجود انظمة الحزب الواحد التي لم تف بأي من الوعود التي قدمتها لجماهيرها، فلجأت هذه الجماهير الى تراثها ودينها وتقاليدها بحثاً عن الامان.
ناهيك ان الباحثين العرب لم ينفكوا من التغني بـ(العصر الذهبي) للإسلام، ناسين او متناسين عصور (الانحطاط) التي سبقت المرحلة المعاصرة. ومن هنا تم الغاء اية امكانية نقدية، تكشف القصور العقلي والفقر المنهجي والكسل الذي هيمن على العقل الاسلامي منذ قرون.
وعلى هذا الأساس، يأتي نقد الفكر الإسلامي، يفرض نفسه بقوة أكثر من أي وقت مضى، فالمراجعة النقدية الصارمة، عليها ان تتصدى لكل المعارف الخاطئة وكل الاساطير والشعارات والهلوسات والاضابير المغلقة بشجاعة ودونما تنازل او مساومة، وذلك كي تخلق الظروف الملائمة لممارسة فكر حرر محرر من المحرمات العتيقة والميثولوجيات البالية، ومحررا من الايديولوجيات الناشئة حديثاً، بحيث تكون انطلاقتها من المشاكل الحاضرة ومن الاسلوب الذي عولجت به هذه المشاكل في المجتمعات الاسلامية والتي يحددها أركون بنوعين هما: التراث والحداثة. حيث يلاحظ أركون ان البلدان العربية والاسلامية، في حالتها الراهنة، تتميز بنقص في التمثيل او الدمج بين موقف ماضوي، همه المطالبة بالاصالة العربية الاسلامية وبين الانفتاح على الحداثة المادية (الحضارة المادية، ، السياسية الاقتصادية المرافقة لها)، خاصة وان هذه البلدان منقطعة عن الحداثة الدستورية او الثقافية.
وهذا يتطلب، عند نقد العقل الاسلامي، تملك ادوات ووسائل التفحص التاريخي والسيولوجي والالسني (اللغوي) والفلسفي والاستفادة منها.
ان اركون لا يكتفي بان تعمل جردا شاملا للتراث، انما الاكثر حيوية واهمية ان نتساءل: كيف نقرؤه، او كيف نعيد قراءته؟ فما دامت جميع الاسلاميات الكلاسيكية تنتمي بلا استثناء الى الفضاء العقلي القروسطي، وما دامت جميع الانقسامات في الاسلام هي انقسامات تاريخية ومرتبطة بالفضاء العقلي للقرون الوسطى، فلا سبيل الى اعادة لأم الوعي الاسلامي والى تحديثه وذلك بالخروج من اطار السياج العقلي الدوغمائي للفكر التقليدي القروسطي و«تهوية الملفات القديمة» على ضوء المكتسبات الاكثر رسوخا لعلم التأويل الحديث وعلم الالسنيات وعلم التاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس التاريخي. وكما يؤكد اركون فبقدر ما يقبل المسلمون المعاصرون بان ينفتحوا على هذه المنهجيات والعلوم الحديثة فانهم سوف يستطيعون زحزحة الصخرة من مكانها وتجديد نظراتهم جذريا للظاهرة الدينية، ويعتقد اركون بان تحرير المجتمعات الاسلامية عربية كانت ام غير عربية يبدأ من هنا، واذا لم نبدأ من هنا، فاننا لن ننجح في اي مكان اخر.