حاورته في دمشق ـ نضال حمارنة - موسى ولد ابنو روائي موريتاني حائز على دكتوراة في الفلسفة من السوربون. وهو مؤسس قسم الفلسفة في جامعة نواكشوط. وحائز كذلك على دبلوم مدرسة الصحافة في باريس.
قدم بالفرنسية رواية «الحب المستحيل» ثم نشرتها بالعربية «دار الاداب»، ورواية «مدينة الرياح» التي نشرت في دورية «كتاب في جريدة».. وستصدر له رواية جديدة قريباً تدور احداثها واجواؤها زمن الحج ما قبل الاسلام.. التقيته في دمشق زائرا وكان لي هذا الحوار معه:
الرأي ابطال رواياتك يتقمصون اكثر من زمن وينتجون اسطورة تخييلية جديدة لسيرهم الخيالية المحلية، ما هو الزمن الكوني الذي ينتظمهم؟
- نعم ملاحظتك صحيحة.. وآخذ مثالا بطل «مدينة الرياح» كارا. هذا البطل انتشل بعد موته من طرف باحثين اثاريين توصلوا الى وسيلة لقراءة الافكار التي اختلجت في جمجمته لحظة الموت عن طريق تحليل مخبري خاص، اظهروا من خلاله افكاره على شاشة بنص مكتوب. وزمن البطل يمتد لعشرة قرون.. ومن المعضلات في الكتابة كيف اختصر عشرة قرون في لحظة؟ كان ذلك عبر الخيال العلمي وعلم النفس الذي يقول: في لحظة سكرة الموت يسترجع الانسان كل حياته كشريط سينمائي.. وكان لا بد ايضا ان يعيش البطل في الزمن الفلكي ليستطيع الانتقال من زمن الى زمن.. هذا اثناء الغياب. اما اثناء الصحوة فينسى ماضيه وينسى من هو.. وعندما ينام يسترجع وعيه بذاته، وهذه الازدواجية مكونة لزمن البطل في الرواية..لذلك فإن الازمنة تتشابه في الرواية من خلال منظور كوني.
الرأي المكان في روايتك «مدينة الرياح» يعبق برائحة البيئة وهذا التراث المتواشج عبر التاريخ، ويحكي بالمقابل تفاصيل اليوميات المسكوت عنها.. لماذا قرر بطلك «كارا» من خلال تراجيديا مؤلمة اختارها هو، ان يعبر نحو افاق جديدة؟
- هذا تمثيل.. وهو كبشر استجاب لنداء بعيد واستجاب ايضا لاهل الكهف.. ففي الليلة التي هرب من اسره كعبد من «ابو الهامة» المنتشل من كبت افلاطون - كرمز لسقراط - كان يقول له ابو الهامة: «اذا كنت ترفض قدرك اذهب الى مجاهل الصحراء، امثل للنداء البعيد». هو كعبد رفض واقع البشر الظالم وبحث عن خلاص من هذا الواقع.. عن مجتمع اخر غير ظالم عبر عشرة قرون وظل يهرب من قرن الى قرن الى القرن الواحد والعشرين لكنه لم يجد المدينة الفاضلة في النهاية.
الرأي اتكأت كثيراً على البرزخ كمفهوم ديني وميثولوجي، هل هناك خصوصية ما في موريتانيا لمفهوم البرزخ؟
- بالمجمل المفهوم الديني نفسه اضافة لذلك سمى العلامة الكبير محمد المام موريتانيا بـ«المنكب البرزخي» وعنوان روايتي التي صدرت بالنسخة الفرنسية كان «البرزخ» وبالعربية «مدينة الرياح» وهي ترمز ايضا لمدينة نواكشوط العاصمة لأن الرواية تحكي عن البيئة الموريتانية تحديداً، وفي معنى ما كان البطل يعيش في البرزخ، حيث استفدت من التراث والتاريخ والخيال العلمي في وقت واحد وعلى السوية نفسها في الاسلوب الروائي.
الرأي تستعير من الفكر الفلسفي الاغريقي الكثير من الثيمات مع اهتمامك الاكبر بالتراث الاسلامي.. هل ترى ان الفلسفة كعلم بامكانها ان تعطي ابعاداً حكائية للعمل الروائي؟
- موضوعاتي الروائية مستوحاة من همومي الفلسفية، وأجد الرواية طريقة للتعبير عن هذه الهموم، ولقد كتبت روايتي الاولى «الحب المستحيل» دون إلمام مسبق بتكنيك الرواية والتي تحمّس لها كثير من المهتمين.. ثم فيما بعد وجدت ان الرواية شكل مهم في التعبير عن اشكالية هذا العصر الذي نعيش فيه، فاكملت طريقي واجتهادي، وبدأت اطلع اكثر على النصوص الروائية العربية.
الرأي في رواية «الحب المستحيل» يتحول الرجل الى امرأة ويفقد بذلك جنسه الاصلي. هل كان هذا عقاب مجتمع العلم والتقانة المقارب لعقاب اسطورة «المأدبة الافلاطونية»؟
- نعم.. في رواياتي دائما اتناول الاشكاليات التي اطرحها من منظور تراثي وفلسفي، وفي «مدينة الرياح» ايضا وظفت قصص القرآن للحديث عن البصيرة الالهية والبصيرة الانسانية، وعدت الى «اوديب» في الاسطورة اليونانية حيث ينظر سوفوكليس من خلال البصيرة الالهية لأن البصرة الانسانية خدعته. هذا التوظيف موجود في روايتي لانه هاجس لديّ..
البطل «ادم» والبطلة «مانيكيه» التي تماثل القدر في الاسطورة اليونانية، وحسب قصة الخلق القرآنية «ادم وحواء» والعلاقة بينهما ثم في المجتمع التقاني فكرة التشابه بين الجنسين اوجدت موضوع التلاقي والتقارب ثم تحوّل الامر الى مصير مشترك وبالمعنى الصوفي - كتوق للاتحاد - ومن خلفيات اسمي «آدم ومانيكيه» نوع من استلهام اسطورة «المأدبة الافلاطونية» لتطرح معنى الحب، فالبشر حسب تلك الاسطورة كانوا جنساً واحداً لكن الجنس تحدى الالهة ففصلت الالهة كل فرد الى جنسين مختلفين والحب وجد بعدها.. اذ يحدث الحب فقط عندما يتلاقى الجنسان ليتحدا كما كانا سابقاً..
الرأي هل تتفق مع الرأي القائل ان اطراف العالم اليوم تقدم روايات جديدة ومغايرة - عما يقدم في المركز الغربي - في تخييلها واسلوبها ومضمونها؟!
- في الرواية العربية واللاتينية اصوات مختلفة ابدعت نوعاً جديداً في الكتابة الروائية.. التزاوج بين القديم والحديث، بين المدينية والتراث والاسطورة. ظهرت اصوات جديدة ليس بامكانها الظهور في المركز الغربي كما ظهرت على سبيل المثال في اميركا اللاتينية.. وارى فعلا ان هناك اعمالاً مهمة وجادة لها صوتها الخاص وتمثل ابداعاً جديداً وحداثياً في ادبنا جعلت من بعض الكتّاب العرب في مستوى «الروائيين العالميين».