محمد المشايخ - حين ضاق مقر رابطة الكتاب الأردنيين بأعضائها وأصدقائها وبمساندي مواقفها الوطنية والثقافية في العام 79
19، اتجهت الأنظار نحو الحديقة نصف الدائرية المجاورة لها، بغية تحويلها إلى قاعة للندوات، غير ان ذلك لم يكن ممكنا، بعد أن تبين في مخططات «أمانة العاصمة» آنذاك، أن هذه الحديقة «تهوية» لشارعين يقع مقر الرابطة بينهما، فتم تكليفي بشراء «نافورة»، ووضعها في منتصف الحديقة، لكي ترش الماء على كل أجزائها، بعد العصر، بشكل لولبي راقص، وفيما بعد تطور الاقتراح، وتم غرس أشتال ورش بذور لبعض الورود، وبالنظر الى كون أرض الحديقة رملية، والمسافة بين سطحها والصخر الكامن تحتها قريبة جدا، فإنه لم ينبت فيها شيء، فاقترح أحد الظرفاء أن نزرع نصفها بـ «دخان الهيشي»، ونصفها الآخر بـ «حجار قداحة»، وحين ينبتان، نطلب من أحدهم أن يؤلف كتابا بعنــــوان «أثر السمن البلقاوي على الدخان الهيشي».
كان الدكتور عبد الرحيم بدر المبدع والمشغول بعلم الفلك آنذاك، لا ينفك عن المطالبة في كل اجتماع للهيئة العامة، بإعادة النظر في العضوية، مستكثرا عدد الأعضاء، مطالبا بغربلتهم، رغم أن عددهم كان محدودا، وعلى النقيض منه، كان يشكو مئات المتقدمين للعضوية من الرفض الذي يتعرضون له، حتى قال فخري قعوار عندما صار رئيسا للرابطة فيما بعد: «ان العضوية في الرابطة، مثل فحص السواقة، قد لا يحالف المرء الحظ فيها من أول مرة، ولكنه قد يأتي في مرات مقبلة»، وكان عدد الذين قبلوا عام 1979(18) عضوا هم: اسماعيل الخطيب الطوباسي، حسني عايش، عيسى الجراجرة الضمور، أحمد المصلح، بشير هواري، ماجد ذيب غنما، د.وليد سيف، خليل العبويني، عبدالله رشيد، هند ابوالشعر، وليد سليمان، د.يوسف الهليس، ابراهيم نصرالله، يوسف عبدالعزيز، جمعة السالم، عماد القسوس، فاروق الكيلاني، هشام يانس.
أما الهيئة الادارية للرابطة في العام 1979/1980، فكانت تتألف من الأساتذة: د.عبدالرحمن ياغي (رئيسا)، محمود شقير( نائبا للرئيس وأمينا للشؤون المالية)، خليل السواحري( أمينا للسر) فخري قعوار( أمينا للشؤون الخارجية) ابراهيم العبسي( أمينا للشؤون الداخلية) محمد لافي ( أمينا للشؤون الثقافية والاعلام والنشر) نمر سرحان، عصام حماد، محمد القيسي، يوسف ضمرة، أمينة العدوان، د.جميل علوش ( أعضاء).. وقد شهدت انتخابات ذلك العام، أعنف صدام سياسي، بين أقوى قوتين وطنيتين تتنافسان على انتخابات الرابطة من جهة، وبين بعض المستقلين المناوئين لتوجهاتهما، كانت القوى الوطنية ترغب بترشيح سالم النحاس لانتخابات الرابطة وهو في «بيت خالته»، أما المناوئون فكانوا يرون في ذلك مخالفة للنظام الداخلي للرابطة، الذي لا يسمح لا بالترشيح ولا بالانتخاب غيابيا، وأيضا فيه استفزاز للجهة الرسمية التي لن تصادق على نتيجة الانتخابات واستمر النقاش والحوار مطولا، إلى أن استفز أحد المناوئين كل الحاضرين بقوله لهم: أخرجوا كي نتمكن من إجراء الانتخابات كما نريد نحن، لا كما تريدون أنتم..ولإنهاء النقاش، ولإيقاف التصعيد، أقنع إبراهيم قبعة القوى الوطنية بأن تؤجل مطلبها بترشيح سالم، مقابل وصول قائمة الوحدة الوطنية للهيئة الادارية، وذاك ما كان.
لم يكن الطقس في الرابطة معتدلا أو مشمسا دائما، بل كانت تعكر صفوه بعض السحب والرعود، وخاصة في أيام الانتخابات، حيث يكون الجو غائما جزئيا، ومائلا للتوتر، وأول عهد لي بالمعارك الانتخابية عام 1979، حين كلفني أحد المرشحين بطباعة أسماء أعضاء قائمته، ومن ثم سحبها على آلة سحب «الستانسل» الأثرية التي كانت متوفرة فيها، فدخل أثناء طباعتي لها على آلة الرابطة اليدوية التقليدية ذات الصوت المجلجل، الفنان والكاتب الدرامي محمود الزيودي، فاعتبر ذلك إدخالا للرابطة فيما لا يعنيها، وانحيازا لقائمة دون غيرها، ولأنني لم أكن والزيودي على معرفة مسبقة ببعضنا بعضا، فإنه لم يشفع لي يومها، سوى تدخل الأديب خليل السواحري في الوقت المناسب.
كانت الانتخابات تجري في مقر الرابطة، سنويا، في الصيف، لم يكن في الرابطة أي أداة للتبريد، وبمجرد قطع سلك إحدى سماعات الصوتيات في الرابطة، يصبح الإصغاء لأي من المتحدثين ضربا من العبث، وكان الأكثر إثارة للتوتر يوم الانتخابات، الأديب عيسى الجراجرة، الذي كان يحضر ومعه «مروحته»، ويطرح عشرات الأسئلة والانتقادات التي كانت في أيامها ممنوعة، وفي أيامنا، ومع الديمقراطية، صارت مشروعة وللمصلحة العامة، وفيما بعد ساعده الكاتب صلاح الشبول، الذي كان يطرح عشرات الأسئلة «بالنحوي» مدخلا في سياقها أقوالا لكبار الكتاب في العالم، واغاني من مثل: «السح الدح إمبو..الود طالع لأبوه..يا عيني الود بيعيط..» وبعدها يسأل صلاح: أنا بدي أعرف الود في الرابطة بيعيط ليه ومنها أيضا: «رن التلفون يا ريما رن التلفون..وانا ع البلكون يا ريما وانا ع البلكون»، كان صلاح، وما يزال، كاتبا مستنيرا، تعب على نفسه، وثقفها جيدا، وكان لعلو صوته، ولانتقاداته أيضا، الأثر المبهج، والداعي للإصلاح الثقافي السابق لعصره وأوانه، وإن كان مختلطا بالفانتازيا أحيانا.
وكانت الهيئة الادارية الفائزة كلما استراحت من حملتها الانتخابية، تبدأ الإعداد للحملة المقبلة.
لم يكن المرشحون للانتخابات يسجلون أسماءهم قبل شهر أو اسبوع من موعد الانتخابات، بل في لحظة الانتخاب، يقوم محمد لافي، أو محمد خروب أو ابراهيم العبسي أو سالم النحاس على سبيل المثال، بتسمية أعضاء الكتلة كاملة، بالاضافة لأسماء لجنة العضوية التي ستنتخب أيضا، ليتم تسجيلها على السبورة، بعد أن يجد كل منهم من حوله من يثني على كل اسم يطرحه.
ولأن قائمة الوحدة الوطنية، كانت تجد دائما من يناصرها، فقد ترأس اجتماع الهيئة العامة عام 1980، أحد أركان القائمة الأضعف.
وتم تسجيل أسماء المرشحين للقائمة الموحدة، إلى جانب عدد من المرشحين المستقلين، والذين كانوا ينتمون للقائمة الأقوى، التي تنازلت عن بعض المقاعد للقائمة الأضعف.
ولأن أسماء أعضاء الهيئة العامة المسددة لالتزاماتها المالية، البالغة أربعة دنانير في السنة آنذاك، كانت مرقمة بالتسلسل أمامه، فقد قام بالتوقيع على أوراق الانتخابات، ووضع وسط توقيعه، رقم العضو الذي سينتخب، وكانت النتيجة سقوط القائمة الأضعف، وقيامه باطلاع كل عضو في القائمة الأقوى على أسماء الذين انتخبهم حتى فازوا، والذين لم ينتخبهم حتى سقطوا اعتمادا على الأرقام السرية التي وضعها وسط توقيعه ولم ينتبه لها أحد غيره، ومنذ ذلك التاريخ، صارت أوراق الانتخابات، تحال إلى مندوب وزارة الثقافة، الذي كان آنذاك «السيد خالد الهنداوي»، ليأخذها بمعيته للوزارة.
بعض المنتخبين كانوا يسجلون على أوراق الانتخابات أسماء من غير الأسماء المرشحة للانتخابات من مثل: تيسير سبول، مصطفى وهبي التل، وغيرهما من رواد الحركة الأدبية الأردنية.
كان يوم الانتخابات فرصة لتشكيل لجنة الظلامات التي تصغي لمن تعرضوا للظلم من الهيئة الادارية، أو ممن حرمتهم لجنة العضوية من فرصة الانتساب للرابطة،وكانت قرارات هذه اللجنة ملزمة للهيئة الادارية، حتى لو تضمنت قراراتها قبول أعضاء كانوا مرفوضين من قبل لجنة العضوية أو الهيئة الادارية.
كان يترأس اجتماعات الهيئة العامة غالبا الراحل ضياء الدين الرفاعي، الذي كان يعيد على مسامعنا عند كل انتخابات قول الشاعر حسني فريز لأحد الطلبة الذين لم يكونوا قد تمكنوا من الاجابة عن أسئلته بشأن احدى المواد المدرسية: هل استوعبت الدرس جيدا أم مررت عنه مرور الكرام، فيقول الطالب: بل مررت عنه مرور الكرام، فيقول له فريز: في المرات القادمة مر عنه مرور اللئام.
أما الكاتب فوزالدين البسومي، فكان غالبا ما ينادي على الأسماء المطروحة في أوراق الانتخابات، باعتباره أحد العضوين الذين تنتخبهم الهيئة العامة لادارة الانتخابات بعد استقالة الهيئة الادارية إلى جانب الأستاذ محمد داودية، ومن أطرف طرائفه على هذا الصعيد، طلبه من الكاتب الذي يضع خطوطا مائلة يمثل كل منها عدد الأصوات التي يحصل عليها كل مرشح على السبورة ، أن يقوم بعد الأصوات الكثيرة، التي تملأ خانة الأكثر حصولا على الأصوات من بين المرشحين، و في إحدى المرات، طلب من ذلك الكاتب، أن يعد (خمسة أصوات) كان حصل عليها أحد المرشحين المستقلين، لكي يغلق خانته، مثله مثل الذين يحصلون على عشرات الأصوات.
كانت نقطة ضعفي أيام الانتخابات، تتمثل في انحيازي المكشوف لقائمة دون أخرى، إذ لم أكن أستطيع أن أضبط عواطفي.
وللنشر عند الكتاب طرائف ومقالب، منها أن إحدى الصحف المحلية نشرت في ملحقها الثقافي نصف قصة لبدر عبدالحق، ونشرت نصف القصة الثاني بين الوفيات، كما أن بدر نفسه المحسوب على صحيفة «الرأي»، طلب من د.نبيل الشريف حين كان مديرا للدائرة الثقافية في «الدستور»، نشر قصة له في الصفحات الثقافية للجريدة، ولما نشرها د.نبيل، تبين له وللجريدة أن في القصة مطبا سياسيا أحدث جلبة لدى إحدى الدوائر المختصة.
كثيرون هم الذين تبوأوا منصب مدير الدائرة الثقافية في جريدة «الرأي»، أتذكر منهم قبل الأديبة سميحة خريس، الأدباء: جمال أبوحمدان، فخري قعوار، ابراهيم العجلوني، أحمد المصلح، باسل رفايعة، محمود الريماوي، موسى برهومة، وكان أكثرهم صراحة وجرأة في إعطاء المبررات المقنعة لعدم نشر أي مادة، في مطلع الثمانينيات ، هو الراحـــل «أحمد المصلح»، فقد قال له أحد الكتاب أمامي: إن المادة التي أقدمها لك للنشر، لها أصداء قومية وعالمية، فقال له المصلح: أنا لا يهمني لا صداها القومي، ولا العالمي..بل يهمني فقط صداها عند الحاج جمعة حماد «رحمه الله».
وللمصلح، وبدر عبدالحق، صولات وجولات في «الرأي»، منها تأليفهما قصيدة مشتركة، وتقديمها للأستاذ محمود الكايد، بهدف تحقيق مطلب لهما لم يتمكنا معا من إنجازه، كما أن للشاعر عبدالرحيم عمر صولات وجولات تدخل الشعر في معظمها، حدث في إحداها أن دعاه المرحوم سليمان عرار مع بعض الأصدقاء لتناول طعام العشاء «منسف» في منزله، وبعد أيام، قام الراحل عبدالرحيم عمر بزيارة لمنزل أحد أصدقائه الذين شاركوه في تناول «منسف» سليمان عرار، فألح عليه صاحب البيت أن يقدم له طعام العشاء، فوافق، فأحضر له المضيف من المطعم ما تيسر، ومن منزله أحضرت له ربة البيت اللبنة والجبنة والزيتون والمخلل وغيرها من المقبلات، وفي اليوم التالي بعث عبدالرحيم عمر لمن قدم له طعام العشاء قصيدة جاء في مطلعها: «عشاء ابن عرار مناسف..وعشاء الهـ..... نواشف»، وكان للقصيدة ايقاع مفرح ومبهج للكتاب والصحفيين الذين يعرفون خلفياتها، لأنهم جميعا يعرفون أن مقدم العشاء فيها لأبي جمال كان من أكرم الشخصيات التي عرفتها الأسرة الصحفية الأردنية. أما القاص فخري قعوار، فكان الأكثر إحداثا للمقالب في «الرأي»، والأكثر مقدرة على تدوينها، وقد قرأت معظمها في زاوية نشرها في «الرأي» تحت عنوان «نساء في حياتي»، وقرأت بعضها الآخر في الحوار الذي أجرته معه الصحفية عزيزة علي ونشرته في «الغد»، ومنها أنه كتب زاوية في «الرأي» باسم مستعار «سحبان»، وبالنظر لقلة الذين يحملون هذا الاسم، فقد اعتقد د.سحبان خليفات أنه المقصود بهذا الاسم، فطلب من الرأي تغيير اسم الكاتب.
وبالنظر إلى صعوبة النشر وقلة منابره في النصف الثاني من السبعينيات، فقد قام عدد من هواة الأدب، بارسال مواد للنشر في الصحف، غير انها لم تنشر، فاضطروا لإرسال المواد نفسها وهي تحمل أسماء عدد من الكتاب المحليين، منهم يوسف ضمرة، عبدالله رضوان، فخري قعوار، خليل السواحري، وغيرهم ممن كانوا يتفاجأون بوجود مواد منشورة في الصحف المحلية بأسمائهم لم يسبق لهم أن كتبوها.
وقال لي د.ابراهيم خليل، ان شاعرا زاره عندما كان محررا ثقافيا في جريدة صوت الشعب، وأخرج له قصيدة من جيب قميصه اليمنى، لينشرها له، ولما قرأها تبين له أنها لا تصلح للنشر، فاعتذر للشاعر لأن لديه الكثير من القصائد، فأخرج له الشاعر قصة من جيب قميصه اليمنى، رفضها د. ابراهيم بحجة أن لديه الكثير من القصص، فأخرج له الشاعر نصا مسرحيا من جيب بنطاله الخلفية اليمنى، فرفضها ابراهيم لأن الملحق لا يتسع للنصوص المسرحية، فأخرج له من جيب بنطاله الخلفية اليسرى دراسة، رفضها ابراهيم لأن لديه الكثير من الدراسات، فلجأ الشاعر إلى جاكيته، وبدأ يخرج من كل جيب من جيوبه: مواد في أدب الأطفال، والترجمة، والسينما، والتراث الشعبي، والنقد الأدبي، والمقالة، ود. ابراهيم مستمر في الرفض، والشاعر «مستلحم» على النشر، ولديه في جيوبه من البدائل ما يحرج ابراهيم ويجعله يرضخ لمطلب الشاعر.
شهدت تلك الفترة، ترسيخ الرمزية كمذهب في معظم قصائد الشعر الأردني، كنا نقرأ القصيدة من الشرق للغرب، ومن الشمال للجنوب، من آخرها إلى مطلعها، ومن منتصفها الى نهايتها أو بدايتها، وفي كل الحالات، تبقى مبهمة.
وشهدت أيضا ظهور قصائد مشتركة بين شاعرين وأكثر، وكان حتى «أدونيس» يتدخل في هذا الموضوع، كان بعض النقاد يعارضون كتابة ذلك الصنف من القصائد،لأن الشاعر فرد، حتى تبين لهم أن شعراء الصين كانوا يكتبون قصائد مشتركة، وفيما بعد كنت شاهدا على قصائد مشتركة ارتجالية، أبدعها الشاعران ابراهيم نصرالله ويوسف عبدالعزيز، وذلك قبل أن يكتب زهير ابوشايب، ويوسف عبدالعزيز، وطاهر رياض قصيدتهم المشتركة على جدار فندق كناري، ويحدثون جلبة نقدية طالت ظاهرتها ومضامينها وجمالياتها..أما الشاعر يوسف أبو لوز، فقد كان يمر عن الرابطة في تلك الفترة مرور الغيم.
ولئن كان الكتاب قد عينوا تيسير سبول قبل رحيله، وخاصة بعد أن تقاسم مع أمين شنار جائزة دار النهار البيروتية عن روايته «أنت منذ اليوم»، في منصب «الحكم» الذي يصغي للشعراء في المقاهي «قبل تأسيس الرابطة»، ويحدد أيهم الأشعر من الآخر والأكثر قوة على الصعيدين الموضوعي والجمالي، فإن الأديب رشاد أبو شاور قد أوقف لعب النرد وغيره في تلك المقاهي، لأنه كان الخاسر الأكبر فيها، فقد كان يترتب على الخاسر في اللعب أن يقدم «للغالب» كتابا أو أكثر، فكان رشاد أكثر الخاسرين للكتب، ومحمد القيسي أكثر الرابحين لها، كانوا يلعبون عن كتب، الشاعر أحمد دحبور كان من رواد تلك المقاهي، وكان له بالإضافة لقصائده الوطنية، قصائد تتناول كل ما يحدث في واقعه، بدليل انه كتب قصيدة حول «شفرة الحلاقة» على ذمة الشاعر «موسى صرداوي».
ويقال إن الأديب نزيه أبو نضال أوقف سيارته مرة، وتوجه نحو المقهى «الثقافي»، وفي غيابه مر مسؤول مهم، وعندما أعاقت السيارة مروره، حدثت مشكلة لا مجال لايراد تفاصيلها.
كانت الأندية الثقافية محدودة العدد في العاصمة عمان، وفي المحافظات، هي الحاضنة لنشاط معظم أعضاء الرابطة، ولا يمكن على هذا الصعيد إغفال دور نادي الوحدات في عمان، ونادي أسرة القلم الثقافي، ونادي دير اللاتين في الزرقاء، الذي كان يخصص أمسيات أسبوعية للمسؤولين وللأدباء المبدعين ممن شارك فيها: فخري قعوار، يوسف ضمرة، عبدالله رضوان، وكان في النادي شاعر غزير الانتاج اسمه ادوارد حداد، غير صديقنا الشاعر الراحل ادوارد حداد «اربد»، لا ندري لماذا صمت منذ الثمانينيات، رغم أن الصحافة اليومية آنذاك، كانت أضيق من أن تتسع لإنتاجه الذي لا يقل غزارة عن انتاج سعادة أبوعراق في تلك الفترة.
الكاتب عيسى شتات، لم ينظم قصيدة في حياته، غير انه، اضطر أمام رفض سكرتيرة أحد الوزراء، إدخاله لمقابلة معاليه، أن ينظم له قصيدة قال في مطلعها: «صباح الخير أبا واصف..أنا منذ الصباح وراء بابك واقف..وعلى الدور صافف»..فما كان من السكرتيرة إلا أن أدخلته، فيما لبى الوزير مطلبه.
وقد شهدت تلك الفترة، قيام شاعر برفع دعوى على شاعر آخر في خلاف على إحدى القصائد، وقد تدخل لإنهاء القضية، عشرات الأصدقاء من الكتاب.
كما شهدت الفترة نفسها، محاولة شاعر ضرب صحفي، لأن الأخير نشر صورة للشاعر وهو يرتدي «باروكه» تبديه غزير الشعر، وحاله عكس ذلك.
كما شهدت الفترة نفسها ظهور شاعر يقطن بجوار الرابطة، رحمه الله، اسمه «نبيل عطيه»، كان يترك منزله وأسرته، ويتفرغ للإقامة في الرابطة، والمثير في أمره، أنه كان يدرك أصول شرب «اليانسون» بأصنافه الخفيفة والثقيلة جدا، كما كان يتقن أي المواضع الأكثر سخونة، التي يمكنه أن يعزف عليها، ويشد انتباه المستمعين اليه، وكان له ديوان بعنوان «ولربما تصحفين وتتصحفين».
إعتاد الكتاب الذين كانوا يتلقون مكافآت من مجلة «الآداب» اللبنانية، في ثمانينيات القرن الماضي، أن يتسلموا إلى جانبها رسائل تقول انها مكافآت رمزية، فكتب أحدهم للأديب سهيل ادريس رئيس تحرير المجلة آنذاك يقول له، لقد انتهى عصر الكلاسيكية والرومانسية والرمزية منذ زمن، وحلت بدلا منها مذاهب جديدة من مثل: الواقعية، والسريالية، والبرناسية، وغيرها، مطالبا برفع قيمة المكافأة وفق تغيرات المذاهب والزمن.
بتاريخ 13/10/1979، جاء د.عبدالرحمن ياغي ومحمود شقير إلى المكتب التنفيذي لشؤون الأرض المحتلة، حيث كنت أعمل صباحا، ليطلبا لي إذنا من رئيسي في العمل خليل السواحري، كي أسافر في اليوم التالي لدمشق، لإيصال بحثين إلى اتحاد الكتاب العرب في سوريا، لكل من د.ياغي، وأحمد المصلح، حول مواقف الأدباء العرب «صعودا وانزلاقا»، ليتمكنا من المشاركة في أحد مؤتمرات الأمانة العامة للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، حجزت في باصات «جت» وكان سعر التذكرة دينارا ونصف الدينار، جلس بجانبي في الباص، شخص برر لي سفره بمسألتين، الأولى ضياع برقية جاءته من إحدى دول الخليج ليعمل فيها، ومن دونها لا يستطيع أن يحصل على تأشيرة، الأمر الذي اضطره وكل أفراد أسرته لتفتيش المنزل بحثا عن البرقية، ولما لم يعثروا عليها، قاموا باخراج كل ما في المنزل إلى الشارع قطعة قطعة بعد تفتيشها، دونما جدوى، وهنا تذكروا أن شقيق زوجته، الذي كان في ضيافتهم، ارتدى حين سافر لسوريا قبل يومين «جاكيته» وأخذه مع ما في جيوبه من أوراق، وأنه مسافر لاسترجاع الجاكيت وما فيه، وخاصة البرقية، أما السبب الثاني، فيعود إلى أن الهواتف لم تكن متوفرة في كل المنازل عام 1979، وفي الحي الذي يقيم فيه ذلك الشخص، لا يوجد هاتف إلا بمنزله، فيضطر الجيران الى استخدام هاتفه مجانا للتواصل مع العالم الخارجي والداخلي، وكان ذلك يسعده، وكان من بين الأشخاص دائمي الاتصال فيه، أب يعمل في إحدى دول الخليج، يتصل به من هناك، ويطلب منه أن يسير نحو 2كم لاحضار ابنه أو زوجته ليهاتفهما، وكان في كل مرة، يذهب عن طيب خاطر لاحضارهما، ويهيىء لهما فرصة الاتصال معه، وفي آخر مرة اتصل الأب طالبا منه المناداة على ابنه في حوالي الساعة الحادية عشرة ليلا، فذهب للابن رغم أن الطرق كانت مظلمة وغير معبدة وخالية من وسائل المواصلات، وأحضره ليتصل مع أبيه، وتصادف أن تشاجرالأب والابن عبر الهاتف، فقام الابن بحمل جهاز التلفون من مكانه، وبضربه في الأرض، فهشمه، وخرج من المنزل وهو يشتم الهواتف وأصحابها، دون أن يعتذر عما فعله، أو ينتخي بشراء جهاز هاتف بديل، فكان ذلك سببا لتفكير مرافقي في باص «جت» لأن يغادر المنطقة كلها، عله ينسى ما يجره عليه هاتفه الذي غدا عموميا من مشاكل.
وصلنا دمشق بيمن الله ورعايته، سألت عن موقع اتحاد الكتاب العرب، الذي كان في شارع مرشد خاطر، الموازي لشارع العودة، وشارع بغداد، قرب البنك المركزي ووزارة المالية، قبل أن ينتقل الى موقعه الحالي على اوتوستراد المزة، قرب القنصلية السعودية، ونقابة المعلمين، وجريدة البعث وحديقة الطلائع، كان الاتحاد في الطابق الثاني من عمارة، يقطن في الطابق الأول منها رجال المقاومة، وما ان وصلتها، حتى «أخضعت للسين والجيم»، وفيما بعد صعدت للاتحاد، حيث استقبلني د.علي عقلة عرسان، الذي عرفت من أسئلته عن عشرات الكتاب الأردنيين، معرفته الواسعة بهم، ومتابعته لكتاباتهم في الصحافة الأردنية والعربية، كان المبلغ الذي صرفته الهيئة الادارية لي عن هذه الرحلة عشرة دنانير، الأمر الذي مكنني من شراء «البرازك» و«التسالي» والعودة إلى عمان في اليوم نفسه، وتصادف أن السيارات العاملة على خط عمان ـ الرصيفة ـ الزرقاء، لا توصل ليلا إلا عند منتزهات الرصيفة، فوقفت أنتظر رحمة الله والساعة تكاد تصل منتصف الليل، فإذا بالأديب عبدالله رضوان وإلى جانبه الأديب يوسف ضمرة، عائدين من إحدى سهراتهما العمانية، يمران من أمامي، فأوصلاني إلى بيتي القريب من بيتيهما، أثارت رحلتي لسوريا يومها أشواقهما للسفر، وكان باب السماء مفتوحا، إذ أوفدتهما الرابطة معا فيما بعد الى تشيكوسلوفاكيا ولفترة كانت طويلة، تنفيذا لنص الاتفاقية الموقعة بين الرابطة واتحاد الكتاب التشيك، والمتضمنة تبادل الوفود، وفيما بعد قررت الهيئة الادارية ايفاد يوسف ضمرة لروسيا تنفيذا للاتفاقية الموقعة بين الرابطة واتحاد الكتاب السوفيات، فتنازل يوسف لفخري قعوار.
وفي العام 1980، صادقت الهيئة الادارية للرابطة، على قرارات لجنة العضوية، المتضمنة قبول التالية أسماؤهم أعضاء: عمر عدس، بدر عبدالحق، محمود أبوعواد، عطاف جانم، نسيم الصمادي، فاروق جرار، محمد سمحان، روضة الهدهد، عبدالرؤوف شمعون، فخري صالح، رجاء أبوغزالة، سعادة أبوعراق، د.فخري طمليه، محمد عطيات، د.سحبان خليفات، ساجي سلامه خليل، صلاح الشبول، توفيق أبوالرب، نمر حجاب، د.أحمد ماضي، د.كمال فحماوي، محمد خروب، يوسف ابولوز، د.يوسف غوانمه، سميح الشريف.
أما الهيئة الادارية للرابطة المنتخبة للعام 1980/1981 فقد تألفت من الأدباء: د.عبدالرحمن ياغي (رئيسا)، سالم النحاس (نائبا للرئيس)، محمود شقير( أمينا للسر)، خليل السواحري (أمينا للشؤون الخارجية)، عبدالله رضوان (أمينا للشؤون الداخلية)، ابراهيم العبسي (أمينا للشؤون الثقافية والاعلام والنشر)، مفيد نحلة (أمينا للشؤون المالية)، جمال ابوحمدان، عصام حماد، عصام التل، محمد داودية( أعضاء).
كان من أبرز انجازات الرابطة عام 1980، إقامتها المهرجان السنوي الثالث، خلال الفترة 1-5 حزيران، بمناسبة مرور 6 سنوات على تأسيسها، أقيم المهرجان في مسرح دائرة الثقافة والفنون، بحضور شفيق الكمالي الذي كان أمينا عاما للاتحاد العام للادباء والكتاب العرب، والذي أحضر للرابطة يومها تبرعا من الأمانة العامة قيمته ثلاثة آلاف دينار، كان حجمها ضخما لأن أوراقها النقدية من فئة الخمسة دنانير، ود. علي عقلة عرسان الذي كان نائبا للأمين العام، وطاهر حكمت وزير الثقافة والشباب آنذاك راعي المهرجان، ومندوب عن اتحاد الكتاب التونسيين، ولإنجاح المهرجان أحضر معظم أعضاء الرابطة زوجاتهم وأبناءهم وبناتهم، فكنت ترى «أم يعرب» الى جانب زوجها سالم النحاس، و«أم عروة» إلى جانب زوجها خليل السواحري، و«ام خالد» الى جانب زوجها نمر سرحان، وهكذا، كانت تسود في أيامها «المدرسة النارية» في العمل، وهي المدرسة نفسها التي يطبقها في هذه الأيام د.أحمد ماضي، بعد أن طبقها معظم من سبقه من رؤساء الرابطة، وأتذكر أيامها أنه تم إحضار «برميل» أمام مسرح دائرة الثقافة والفنون، مليء بالماء والثلج و«الكازوز»، وكان الجميع يدا واحدة يعملون بشكل تطوعي لانجاح هذه الفعالية، التي كان عريف الحفل فيها خليل السواحري، ومما جاء في كلمته الافتتاحية: ان هذا المهرجان الأدبي الذي نحتفل اليوم بافتتاحه هو إحدى ثمرات نضال الرابطة خلال الأعوام الستة التي انقضت من عمرها، وهو ثمرة متواضعة بالقياس إلى ما تصبو الرابطة إلى تحقيقه على صعيد بلورة ثقافة وطنية جادة وملتزمة بهموم الانسان ومعاناته في هذا الجزء من الوطن العربي، ثقافة تفهم الالتزام على انه انخراط في القضية الوطنية التي يقع الأردن في صميمها وعلى انه التفات الى الهموم الأخرى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي يعاني منها الانسان العربي المعاصر.
أما طاهر حكمت، فمما جاء في ورقته: ان الكلمة الصادقة الخالية من الزيف ومن الحقد والنابعة من القلب هي التي تدخل إلى القلوب، وهي التي تعطي ثمارها وتؤتي أكلها..لا الشكل وحده، ولا اليافطة المؤشرة لاتجاه فكري، أيا كان ذلك الاتجاه، هي التي تحدد الأدب الجيد من الرديء..ان براءة الصدق وحرارة الانفعال البعيد عن التشنج وعفوية العبارة هي وحدها التي تصنع الأعمال الأدبية العظيمة.
ومما قاله شفيق الكمالي بهذه المناسبة: بين حاضر الأمة وماضيها مهابة الذاكرة اليقظة، حين يكون الأدب جسرا، وحين يكون الأديب حضورا، بين انتصارات الأمة وانكسارات مسيرتها، يكمن وعي الديمومة، كيف نسير، وكيف نتكون ثانية، لا بما نحن عليه، بل بما يجب أن نكون، من هنا تصبح الكلمة فعل محبة، وفعل استنهاض، وفعل نهوض، وهي في بواكيرها، وفي قطوفها، ثمرة وعيكم، أنتم، والابناء الخلص، الواعون، الطليعيون، في الابداع وفي الثقافة.
وجاء في كلمة علي عقلة عرسان: يا فرسان الكلمة في الأردن، أيها الزملاء على درب شاق، لكم التهنئة في مهرجانكم، ولتكن ارادتكم واحدة، وإبداعكم من الشعب وإليه له هوية الأمة وطعم نضالها وعقيدتها، ولتكن أقلامكم مباركة، وأرضكم خصبة، وحرثكم مباركا، وليكن حق العرب وحرية الشعب ووحدة الأمة، ورفع الظلم والقهر عن المسحوقين والمستضعفين نقاطا تلتقي عليها ارادتنا جميعا، والنصر للكلمة الشريفة، الكلمة الموقف.
ومما قاله د.عبدالرحمن ياغي رئيس الرابطة آنذاك في افتتاح المهرجان: المجتمع الذي يريد لنفسه أن ينمو ويتقدم لا يستطيع أن يتم له ذلك الا ببعديه: الرسمي وغير الرسمي..ولا بد لكل من البعدين أن تتاح له الظروف وتتهيأ له الفرص كي يستقل بشخصيته ويتوهج بملامحه الخاصة، وأن يباح للأفكار المتخالفة جو من الحرية والمسؤولية والتعايش، بهذين البعدين يتوهج المجتمع، وأشهد أن البعد الرسمي في هذا المهرجان قد اتسع صدره للجهود غير الرسمية، فنحن شاكرون له ذلك.
في هذا المهرجان، قرأ عدد من الشعراء، منهم محمد لافي، مؤيد العتيلي، عبدالله رضوان، يوسف عبدالعزيز، محمد الظاهر، عبدالله منصور، ادوارد حداد، ود.وليد سيف، الذي قرأ قصيدته المشهورة «تغريبة زيد الياسين» وفيها قال على لسان بطلها «زيد الياسين»: انظر يا عالم كفيك ونعليك/ ترى مزقا من لحمي لا تنحل/ نهر التاريخ الأبدي يتابع ظلي/ والموت يراودني ثم يمل/ وطني يكبر في جسدي/ والأعداء يقلون/ وكل زنازين الليل تقل/ وأنا لست أقل/ قمري يطلع من صدر شهيد/ تسكن فيه الجولان وسيناء وأعشاب فلسطين / من وجع الناس/ وأسمال الأطفال/ وصدر عربي يخر فيه السل/ من طفل تتجمع في عينيه الأنهار وتنهل/ يا عالم كم يكفيك من البارود / لكي يتقشر عنك الموت، ويطلع منك الفل.
وقرأ القاصون: هاشم غرايبة، وليد سليمان، منذر رشراش، الياس فركوح، يوسف ضمرة، أحمد عودة، قاسم توفيق، عبدالله الشحام، عدنان علي خالد، نمر سرحان، ابراهيم العبسي، سالم النحاس، خليل السواحري، مصطفى صالح، مفيد نحله، فخري قعوار.
فيما قدم الباحثون دراسات حملت العناوين التالية: تيسير سبول، الفعل واللاجدوى: ناهض حتر، الرمز في القصة المحلية: عبدالله رضوان، الحركة المسرحية في الأردن: بشير هواري، البنيوية والفن: د.حسين جمعه، الأمثال الأردنية وجذورها التراثية القديمة: توفيق أبوالرب، قراءة لواقع الفن التشكيلي في الأردن: عبدالرؤوف شمعون، المرأة في الأدب الأردني: عبلة ابوعلبة، وجع الذاكرة: فخري صالح، مصادر الفولكلور الفلسطيني: نمر سرحان، ملاحظات حول القصة القصيرة في الأردن: د.محمد عصفور، هذه المجموعة من القصص: د.هاشم ياغي، كلمة في الحركة الشعرية الحديثة: د.عبدالرحمن ياغي.