ماتياس تشوكه
ترجمة ـــ نبيل جبريل بينو
ركبت مرة في احدى الحافلات الصغيرة الخاصة الكثيرة والتي تسير بسرعة كبيرة خلال الشوارع وذهبت الى وجهة مجهولة. مررنا من واد اجرد ووصلنا الى حي جديد. نزلت هناك ووصلت الى سوق لم ار مثله من قبل: واسع ومقسم الى اقسام صغيرة ومسقوف، ويباع فيه كل ما يخطر على البال، حي وميت. هناك سلسلة من مخابز الحلويات في الشارع المؤدي الى السوق، لها فترينات كبيرة مضاءة، تعرض فيها الحلويات بألوانها البنية والذهبية (تذوقوها! معظمها ذو مذاق رائع. من لا يريد ان يأكل كل يوم حلوى مطعمة بالفستق الحلبي والصنوبر في كل مخبز يكتشفه فليذهب مرة على الاقل الى مطعم حلويات زلاطيمو في الشميساني ويجرب بعض منتجاته). مشيت في متاهة من الازقة الضيقة بين معروضات بكميات ضخمة من الدجاج والبط والحمام والارانب والعنز والخرفان السمينة والهزيلة، الكبيرة والصغيرة، المذبوحة للتو، الى جانبها تلال من التبغ والقهوة واللبن الرايب ومنبهات على شكل مسجد (بعضها يطلق نداء الآذان)، وخبز ذو رائحة شهية وآلات موسيقية بوتر واحد ومقال وفاكهة طازجة ومتعفنة. واكثر من كل شيء: بشر ... بشر ... بشر. وصلت اخيرا الى ساحة فيها صيدلية، فدخلتها وسألت ان كان احد يستطيع ان يكتب لي اسم الحي الذي وصلت اليه؟ لأن الجو يعجبني هنا. نظر الصيدلاني الي بدهشة وأخذ يسألني: الى اين تريد؟ هل استطيع ان اساعدك؟ ولكني اردت ان اعرف اين اكون، لأن هذا المكان اعجبني كثيرا. ولكنه ظل يكرر: انت بالتأكيد تريد ان تذهب الى وسط البلد. اتبعني من فضلك، سأوصلك الى الباص. واخيرا كتب لي الاسم: مخيم عمان الجديد ـ الوحدات. احد اوائل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين. هناك العديد منها، يقطنها مئات الالاف، أنشئت بسرعة على اطراف المدينة، بقناعة أنها حل مؤقت وان الفلسطينيين سيتمكنون من العودة الى وطنهم قريبا. ولكن الآن لم يعد هناك مجال للتفكير بالعودة. لقد رسخت اسرائيل اقدامها حيث كانوا يعيشون. فتحولت الاكواخ المؤقتة الى مساكن دائمة، مبنية كما اتفق، شرقية كما في الحكايات، خالية من الرومانطيقية، خشنة، جرداء، اصولية.
اخيرا اوصلني الصيدلاني الى حافلة قديمة صغيرة، اكبر قليلا من باص فولكس فاجن، مكسوة من الداخل بقماش مخملي ذي لون احمر قاتم، وعلى الشبابيك براد ثقيلة سوداء لها اهداب سوداء. بدت كأنها سيارة نقل الموتى، مكدسة بحيوية فائرة. الشبابيك مفتوحة، موسيقى لبنانية تصدح من المسجل. خلف المقود سائق شاب، وصبي متوحش بأسنان مخلعة يجمع اجرة السفر: مائة فلس. اشار الي ان اجلس في المقعد بجانب السائق الى جانب رجل فلسطيني ضخم مثل الدب، كاد يهرسني، ولكنه ابتسم لي ولكمني وطبطب علي وسأل: OK؟ (ذلك لأن المكان كان ضيقا جدا). اربعة رجال آخرون لم يجدوا مقعدا فظلوا واقفين بانحناء في الممر، وانطلقت الحافلة بسرعة البرق. كلما شاهد السائق رجل شرطة نادى الرجال الواقفين فقرفصوا وتظاهروا بانهم جالسون. يظهر ان الوقوف ممنوع.
انتهت الرحلة عند موقف باصات رغدان، حيث اصوات هائجة للزوامير وصياح وضوضاء وتزاحم، صورة حية لموقف باصات في الشرق: مزركش وهائج ومدهش. انصح ان لا يذهب المرء الى هناك في اليوم الاول. ولكن بمجرد ان يتكيف المرء مع الوضع يجب ان يزور هذا المكان. تدور مشاهد كبيرة هنا من قدوم ووداع، تدهش المرء لساعات طويلة.
كل هذا في جو حار ملتهب، وليس هناك ماء ولا نزاز، لا شيء. اذا اكلت في الصباح حبة تمر في السوق تبقى اصابعك لزجة بقية النهار. تشم احيانا رائحة لحم متعفن قادمة من احدى الزوايا، وتشم احيانا رائحة عطر شرقي ثقيل في مكان آخر. (هناك في كل مكان حوانيت صغيرة لصنع العطر من مكونات مصرية حسب رغبة الزبون. لكل عماني وصفته الخاصة به). تشكل غازات العادم احيانا غيوما كثيفة مثل الضباب فوق الاودية بين التلال، تحرق العيون وتسبب الصداع وضيق التنفس، وعلى التلال نتمتع بالهواء العليل الجاف ونمد البصر من فوق الامواج المكعبة المنيرة، ترفرف فوقها الراية الثقيلة.
لا جدوى من البحث عن مواقع تستحق المشاهدة. هناك القلعة التي تطل على كل المدينة، في وسطها مسرح في الهواء الطلق، وهناك مسرح روماني في افضل حالة، يتسع لستة آلاف متفرج، فارغ ومهجور من قلة السواح، يمنحنا الميزة الكبيرة ان نكون الزوار الوحيدين له. وما عدا ذلك فليس هناك سوى مبان بنيت بذوق جميل، عملية، بعضها نصف جاهز وبعضها الآخر مترهل. لا نجد قصرا في اي مكان، ولا بيت حريم من حكايات الف ليلة وليلة ولا حماماً ولا الحمراء ولا حدائق معلقة ... فقط هذه المكعبات الملتصقة ببعضها البعض، المبنية من الحجر الكلسي ذوات الطوابق الثلاثة او الاربعة. وبما انه لن يفوت المرء شيء فانه يزور المكان الذي يتواجد فيه، فيأسره المكان برقة ولطف الناس فيه. كل واحد منهم ودود، ذو حس مرهف لاحترام خصوصية الآخر. لا احد يحاول ان يفرض نفسه. اكثر ما يسمح به الاحداث لانفسهم احيانا هو كلمة «هالو» او Welcome to Jordan ، ويواصلون طريقهم مزهوين من جرأتهم على تكلم لغة اجنبية. ويحدث ان تجد على طاولتك في المطعم كاسا من اللبن الرايب اكرمك به شخص لم يكشف عن هويته. ويحدث ان يصر سائق التاكسي على اخذ نصف الاجرة فقط لأنه اوصل الضيف الى مطعم، وان الضيف سيحتاج الى النقود ليتناول الطعام. بهذه الطريقة يكتسب الاهتمام بالضيف نبلا واسلوبا راقيا. تتحدث كتب دليل السياحة كثيرا عن كرم الضيافة عند العرب وعن كاسة الشاي الاسطورية التي يدعى اليها. كنت اقول لنفسي دائما: يا للفظاعة! ماذا افعل اذا سحبني بدوي الى خيمته لأشرب عنده كاسة شاي وانا لا اتكلم لغته. وحتى لو كنت اتقن اللغة، ماذا عساي ان اقول. اما الآن وبعد ان تعرضت الى مواقف كهذه من حين لآخر فإنها تثير اعجابي. الامر بسيط جدا: يلتزم المرء بالصمت ويشعر بالسعادة، ثم يمضي الى حال سبيله مندهشا من هذا اللقاء اللطيف.
يبعد البحر الميت عن عمان مسافة ساعة تقريبا باتجاه الجنوب. اجمل ما تكون الرحلة بالباصات الصغيرة بشبابيك مفتوحة. الوصول الى هناك ليس سهلا تماما: فالكيلومترات الاخيرة من عند التقاطع حيث يغير الباص اتجاهه يجب ان تقطع بالتاكسي. ولكن نوعية الرحلة تجعلها جديرة بان يقوم المرء بها.
يقع البحر الميت في منطقة منبسطة وهاجة مغبرة، يكاد لا يرى فيها شيء. يتراوح تضارب الالوان بين الرمادي المائل الى البياض والأصفر الليموني. تظهر احيانا خيام البدو القاتمة من خلال الرطوبة الوهاجة، ونشاهد احيانا غيمة من الغبار عريضة وقريبة من الارض، يمر من تحتها قطيع من الاغنام، ويتأرجح في الافق شريط هو اما سراب او المنحدرات البعيدة للوادي، وفجأة يظهر في مقدمة المشهد جمل مغبر. كل شيء ناعم ومرهف مثل الفرو على اجنحة الفراشة ... مثل الكلس المطحون.
وها نحن الآن عند البحر الميت: لوحة رائعة يتغير لونها حسب موقع الشمس من الرمادي الرصاصي الى الاخضر البترولي، والزهري او النيلي. الهواء ثقيل وطري، لطيف، والضوء يبهر العينين اقل مما هو الحال على شواطئ البحر المتوسط في الصيف. وفيما عدا ذلك فليس هناك من شيء سوى حصى بحواف حادة، يقبع بينها البحر ميتا، على عمق اربعمائة متر تحت سطح البحر. الجو ليس حارا بشكل لا يحتمل، بل لطيف جدا. ننزل في الماء المالح المر (النساء متحجبات او بسراويل جينز وقميص وغطاء رأس. كان الانطباع عندي انهن ايضا يفضلن ان ينزلن بلباس السباحة (المايو). انها المرة الاولى التي بدا لي فيها الحجاب مزعجا. اما في عدا ذلك فانني اجده في المدينة متناسبا مع الطقس والشمس. كما ان الرجال ايضا يتجولون باثواب فضفاضة واغطية رأس، والاثواب الطويلة تبدو جذابة على الرجال والنساء. ليست صدفة انها بدأت تظهر عندنا في عروض الازياء بشكل متزايد منذ الفصل الاخير.
للماء ملمس دهني يغمر الجسم بنعومة. اذا غطست فيه لغاية الصدر يصبح الدفع الى اعلى قويا فيدفع الساقين الى سطح الماء ويطفو الجسم كله بشكل مستو. الجو ساكن تماما من حولك، تستطيع معه ان تغفو اذا شئت. هناك ثقوب رمادية على الشاطئ يغرق فيها المرء كما يغرق في مستنقع. طين رطب لزج بلون فحم الانتراسيت، يدهنه المرء على جسمه ويظل جالسا على حجر مثل المومياء ريثما ينشف. بعد ساعتين او ثلاثة يغتسل المرء بالماء الحلو ويعود الى الحياة من جديد وقد رجع بسنه سنوات الى الوراء (او ساعتين او ثلاثة)، وكله يقين تام بأن هذا الماء افاده وان كل واحد يجب ان يأتي الى هـــــــنا للاستجمام. من الصعب تحمل هذا اللاشيء المطلق، ولكن اي علة يشكو منها المرء يشفى منها فيه.
اضطررت في طريق العودة ان اغير وسيلة السفر مرة اخرى. جلست في ظل سقف مشوى دجاج محدقا في الضياء الوهاج ... ساعة، ساعتين، مرت من امامي السيارات والحافلات (ولكنها لم تتوقف لأنها كانت مليئة بالركاب)، حط علي الذباب، مر من امامي حمار رمادي فضي بخطى ثقيلة، ثم قطيع من الاغنام، ثم صبي، ثم شاحنة وثم امرأة مسنة. سرح الذباب على وجهي ويدي، وانتابني شعور: اخيرا وصلت. هذا هو! اجلس هنا وانتظر مع الذباب والريح المخملي والغبار، من دون ساعة يد (نسيتها في الفندق)، ولم افقد صبري لثانية واحدة او استاء. ادع الوقت يمر ببساطة. كما يقول العهد القديم: «السعادة لا شيء سوى الشعور بالهدوء في الحاضر». ادهشني جدا ان اجد متعة بالذباب. فانا اكرهه واقتله في الوضع العادي. اما هنا فاحببت دغدغة ارجله على شفتي. واخــــــــــيرا سألني رجل توقف ليشتري زجاجة ماء، سألني ان كان بامكانه ان يأخذني معه الى عمان. (المشهد الذي يتكرر دائما: يا له من ود واســـتعداد لتقديم العون).
يجب على كل اوروبي ان يسافر الى العالم العربي لكي يتذكر كيف يمكن للبشر ان يتعاملوا مع بعضهم بعضا لو ارادوا ذلك. هنا يلتقي المرء بشخصيات عرفها في احلام طفولته ومن الحكايات ومن انجيل يوم الاحد المدرسي ليوليوس شنور فون كارولزفلد، ومن عالم كارل ماي ولورنس العرب: لطيفة وكريمة، جميل النظر اليها في اثوابها الطويلة بثنياتها الدراماتيكية. كل يوم امضيه معهم هو راحة واستجمام للنفس والروح.
يبدو انني سأكون في المستقبل من الهيمانين الذين يراهنون على الشرق، مثل الكونتيسة ايدا فون هان- هان التي كتبت في شهر تشرين الثاني من عام 1843 رسالة من القدس الى اختها في مدينة دريسدن تقول: قبل ان اصف لك رحلتنا يجب ان اسبقها بمقدمة قصيرة عن البدو. في الغور ـ هكذا يسمون وادي الاردن ـ وحول البحر البحر الميت تتنقل عشائر متخلفة منهم بمواشيهم. وما كانوا ليضايقوا بعضهم بعضا على الاطلاق، لأن المراعي متوفرة بما فيه الكفاية، لو لم تكن العداوات العشائرية القديمة.
كانت هناك محاولات متكررة لإجبار البدو على احترام القانون والنظام والكف عن اعمال الغزو والأخذ بالثأر، ولكنها فشلت. كانوا يفرون الى اعماق الصحراء حيث لا يستطيع احد ان يلحق بهم، لأن احدا لا يجد طريقه فيها ولا يعرف ينابيع المياه فيها كما يعرفونها هم. الى جانب الشدة تشرح للشيوخ مزايا الحياة الآمنة ، ومن هذه المزايا كسب النقود. حتى البدوي يريد ان يملك النقود ، ولكن مثله في ذلك كمثل الغراب في تلك الخرافة اذ يقول: «انا آخذه فقط لكي املكه» . لا يريد البدوي ان ينفق النقود، بل لا يستطيع ان ينفقها. فلباسه واحد، ومسكنه واكله لا يتغيران، لا يحتاج الى تعليم ابنائه او اطعام بناته. ربما كانت النقود فانتازيا بالنسبة له. فالعربي يسمي الاشياء غير المعتادة والامزجة والخواطر، يسميها فانتازيا. وهو وان كان لا يفهمها ولا يستطيع ان يفسرها فإنه يدرجها تحت هذا المصطلح. والآن اكتشف البدو فانتازيا النقود، واستوعبوا بسرعة ان مرافقة الاجانب والسواح الى البحر الميت تساعدهم على كسب النقود. المناطق هناك ليست آمنة تماما، ولذلك يقبل السائح مرافقتهم له بكل ارتياح. وتم الاتفاق على خمسمائة قرش اردني وبقشيش غير محدد من طرف وتغطية كافية لثلاثة ايام من الطرف الآخر.
انطلقنا في الساعة الثامنة من صباح يوم الاربعاء. بما ان الشيخ عبدالله لا يأتي الى المدينة ذهب القنصل معنا ليسلمنا اليه وقال له انه سيقدم شكوى مطالبا بنا اذا اقتضى الأمر. ضحكت في نفسي عاليا من هذا البلد الظريف، حيث يمكن للمرء ان يضيع ثم يمكن ان يطالب به. وجدنا الكل مجتمعين على الجانب الآخر من بتانيا: ثلاثون شابا ذوو اجسام كبيرة، بعضهم وسيم، اجسامهم طويلة نحيلة، يضحكون، يتحدثون، يصرخون ويثيرون ضجة، مثل كل الشباب المرحين، التفوا وداروا حولنا بزهو. ليس هناك الماني، وهذا شيء اكيد، يجيد الرقص كما يجيده هؤلاء البدو. حتى على ارضية من خشب الباركيه وفي ارقى دور الرقص ليس للألماني تلك القامة الخفيفة المرنة التي تتحكم بكل حركة وتجعل الجسم مرنا مثل الخيزران وقويا كالفولاذ. ذكرني هؤلاء البدو باله الحركة اليوناني بأجنحة على الكعبين، مع ان احذيتهم البالية التي يلبسونها على اقدامهم العارية لا تمت الى الاجنحة بأية صلة. كان بعضهم يمشي على الحصى حافي القدمين، صعودا على الجبل وهبوطا، والبندقية معلقة على الكتف، تسع ساعات، بنفس الخطى الخفيفة الطويلة الانسيابية.
انني اشعر بارتياح كبير عندما اكون محاطا باناس تعجبني خلقتهم. لم احظ بهذه المتعة منذ زرت اسبانيا. انا اسمي هذا الانسان انسانا خاما ـ اعني «خام» كما نقول «حرير خام»، ليس مصنوعا، لم يبق منه شيء عندنا، ونحن ضحايا مضمحلة لثقافتنا وحضارتنا. نحن لطفاء وطرفاء وفاتنون، ولكننا في الواقع لم نعد مخلوقات الله. وانا اعطيك كلمة شرف، بأنني كنت لأعطي روحي مقابل ان اكون واحدا منهم.
ليس فقط الكونتيسة هان ـ هان، ايضا الشاعر والأديب جوته كان مغرما بالشرق والف «ديوان الغرب والشرق». وكتب مونتيسكيو «الرسائل الفارسية»، والرومانطيقيون الحديثون تغنوا بالشرق والف جوستاف فلاوبرت «بوفارد و بيكوشيه» الذي يشكل مفهوما كاملا لاحياء اوروبا عن طريق الشرق، وهناك «رحلة الى دمشق» للمؤلف شتريندبيرغ، و «لص بغداد» و«سندباد».
تزداد عمان نموا مع كل ازمة. فالحرب العراقية الاخيرة دفعت مئات الآلاف من النازحين الى المدينة. عدد قليل منهم من الاغنياء الذين بنوا فيلات ضخمة في الجنوب الغربي للمدينة على تلة عبدون الفخمة، ينتظرون ان يتمكنوا من العودة الى بلادهم يوما ما. ولكن الأغلبية الساحقة منهم من المعدمين، يسكنون في فنادق مزدحمة وغرف خاصة في وسط البلد. في مساء ايام الجمعة وبعد صلاة العشاء يصعب المرور من بعض الشوارع هناك من شدة الازدحام. يجتمع هناك رجال كثيرون عاطلون عن العمل ويتناقشون حول الوضع السياسي في جو عدائي متوتر يزيده التلفاز العراقي في المطاعم الصغيرة تصعيدا لدرجة يمكن معها ان ينفجر في اية لحظة. عربات اميركية مغبرة ذات الدفع الرباعي تصل مكدسة بعائلات اللاجئين واخرى تعود على الطريق المحفوف بالمخاطر. سيارات وقطع اثاث منزلية تتكدس على جوانب الطرق. يسود الجو مزيج من الشعور الساخط بالعجز والشلل والحركة المحمومة. اذا وصل اوروبي ذو بشرة ناصعة الى هذه الفوضى تحدوه رغبة ملحة ان يخرج منها ويعود الى بلده فورا. سكان التلال الغربية من عمان ايضا لا يحبون ان يذهبوا الى تلك الاحياء. يتحدث الناس عن كثرة الاجانب، عن القذارة التي تتراكم هناك نتيجة لذلك، عن التغريب وعن «الاردن للاردنيين» الخ، بينما تمارس التجارة بالبؤس بلامبالاة، ويستغل مثيرو الفتن هذا الجو لتحقيق اغراضهم الخاصة. انها دوامة نتنة.
من اجل التعافي من هذه الاهوال، بل ومن اجل ان لا يربكهم الشرق، اقام الاوروبيون عدة ملاذات لهم، احدها مطعم ايطالي. هنا يجلس المرء في امسيات ايام اواخر الصيف كما يجلس في اجمل الحدائق الرومانية، يحف به عطر الزهر العربي الثقيل، لا تزعجه الحشرات ولا الضجيج ، في ساحة واسعة وباسعار معتدلة. مكان لا نحلم به على شواطئ الريفييرا ولا على الشاطئ الازرق. وعلى التلال الشمالية الغربية تنتصب الى جانب بعضها بعضا فنادق كبيرة بمطاعمها، تابعة لشركات فندقية عالمية، تبدو مثل كتل حجرية ضخمة. كلها مبنية بنوع واحد من الحجارة مثل بقية البيوت، فتبدو مندمجة الى حد ما مع مظهر المدينة، اما من الداخل فهي بوسطن وباريس ولندن. هنا يجد الأجانب واهل البلد القادرون على الدفع كل ما يريدون، من ملابس لمشاهير مصممي الازياء والمشروبات الروحية والمجوهرات. الضيوف والزبائن يشبهون اولئك الذين نراهم في جنيف.
انصح اولئك الذين يبحثون عن الجو الشرقي ان ينزلوا حيث نزلت بعد ان يتعود المرء على المكيف يقدر ميزة موقعه المركزي ومرافقه الجيدة. ففيه حمام بخار وساونا، مفتوح يوميا للضيوف ومن دون مقابل. وهذا ترف يقدره المرء في الجو الحار المغبر. الاسعار معتدلة. كما انصح بالفنادق لاستقبال النزلاء الشرقيين، والتي قد يشعر الاوروبي فيها بشيء من الوحشة، لكن موقعها جيد، وغرفها واسعة ومكيفة، لها شرفات وشبابيك يمكن فتحها. وهناك ايضا الشقق السكنية الرخيصة، فوضوية قليلا ولكن شرقية خفيفة.
يمكن ايضا النزول في فندق في حي المستشفيات. تتمتع عمان بسمعة جيدة في الجزيرة العربية بخدماتها الطبية. يأتي المرضى من الطبقة المتوسطة من جميع دول الخليج ليتعالجوا هنا. وبما ان العرب لا يدعون مريضا يتحمل هذه المشقة وحده، يرافقه عدد من افراد عائلته، وهؤلاء طبعا يحتاجون الى مساكن. نشأ خلف الفندق المهيب عند الدوار الثالث، الذي يملكه رجل عراقي والذي يشبه برج بابل، نشأ حي كامل من المستشفيات الخاصة الصغيرة وعيادات الاطباء والصيدليات. يذكرنا هذا الحي بشوراع الضوء الاحمر في هولندا، الا ان اللواتي يقدمن خدماتهن هنا لسن بائعات الهوى وانما اطباء الجراحة التجميلية وعلاج العيون بأشعة ليزر وفنيو الاسنان، يتجول بين عياداتهم جيش من المرضى، يحمل كل منهم وصفة طبية بيده، كانهم طلاب زواج. يجد المرء هنا الكثيرمن الشقق الفندقية النظيفة باسعار معقولة. وبما ان الجيران من القادرين على الدفع فإن الحدائق والاشجار تسقى هنا بالماء، فنجد الحي اخضر يعبق برائحة الصنوبر والياسمين. من يحب ان يشارك في اقدار الغرباء ولا مانع عنده ان يحصل على منظور من جانب واحد للمدينة، يمكنه ان يقضي وقتا ممتعا هنا.
الند العربي للمطعم الايطالي هو مطعم مشهور بالاطباق ذو الأطباق اللبنانية الشهية.. كبد خروف نيء، متبل باذنجان، مكدوس حار جدا، طحينية بالثوم والليمون وزيت الزيتون، لحوم مشوية ومقلية، خاصة منها كرات من لحم الدجاج ذات المذاق الساحر، سائلة من الداخل وصلبة من الخارج، وكم هائل من الحلويات لمن يستطيع ان يأكل. وعندما يبرد الجو في الحديقة يقدم للضيف قفطان يضعه على كتفيه اذا طلب ذلك ... خدمة جديرة بأن تتبع.
ما يكاد المرء يخرج من المدينة باتجاه الشرق الا وتبدأ الصحراء. تمتد الطريق امام عيني المسافر مثل شريط فضي يتخلله اللون الاصفر تارة والاسود تارة اخرى، ممتدا في الارض الجرداء الى ما لا نهاية. ويتواصل السفر، وتجري الشمس، ويتغير الضوء، وتتغير الالوان. ويصعد اعصار صغير في الجو، يصاحبنا فترة ثم يبتعد ويتلاشى. ثم نرى فجأة ظلا بعيدا لكوخ من الواح الخشب، امامه ابريقان يتصاعد منهما البخار ... شاي وقهوة لمن ارهقه السفر. ونمر على قرية بدوية كاملة مقامة على ارض مغطاة بالحصى. خيام سوداء كبيرة ممزقة، منصوبة على مسافات واضحة، يتجول بينها مريم ويوسف على ظهر حمار، وهناك الماعز والخرفان، ونرى احيانا جملا. كنت دائما اظن ان الصحراء جرداء ومملة، وان المرء يريد دائما ان يقطعها بأسرع وقت ممكن ليصل الى واحة. الامر على العكس تماما.
لم اتمتع بالسفر في حياتي في اي مكان كما تمتعت هنا. نادرا ما فهمت القصد من القول القائل: «الطريق هو الغاية» كما فهمته هنا. لا يمل المرء من طول السفر. يسير ويسير، ويتوقف مرات ومرات، لا شيء يتغير سوى الوقت والضوء والالوان والريح. تظهر احيانا محطة استراحة فنتوقف عندها ونجلس الى طاولة وسرعان ما يأتي الذباب. احدهم يشوي قطعا من لحم الخروف، تهب علينا ابخرة الدهن المحترق، وهناك خلف الزاوية وضعت في ظل سقف بارز فرشتان على الارض خلف جدار في علو الركبة (غرفة في الهواء الطلق لسائقي الشاحنات). سعوديان في دشاديش بيضاء يجلسان هناك في انتظار طعام الغداء. يأتي خادم الغرف بصينية عليها ابريق ماء وسلطة ولحم خروف مشوي، يخلع نعليه امام الجدار ويدخل «الغرفة»، يضع الصينية على الارض ويتمنى للضيوف شهية طيبة ثم يلبس نعليه ويعود الى المشوى ليشوي كبابا متبلا شهيا.
شاحنات ضخمة تمر من جانب طاولتنا وتغبر الصحون وكؤوس الماء. تأتي هذه من الساحل السوري للبحر المتوسط وتذهب الى العراق او الى السعودية، محملة بسيارات جديدة لامعة من طراز ليموزين وسيارات ذات الدفع الرباعي من ماركات مرسيدس و BMW، او تنقل كتلا حجرية ضخمة ذات لون مائل الى الصفرة مثل الطحين، تنقلها في الاتجاه المعاكس الى عمان ليقوم دقاقو الحجر المتخصصون بتحويلها الى حجارة للبناء. ينفجر احيانا اطار احد هذه الغيلان على الطريق المعبد فينزلق الغول مائلا الى الجنب باعثا شرارات نارية، ثم يتوقف في رمال الصحراء. ويحدث احيانا ان ينقلب احدهم فيبقى حطام الصخر الهائل غارقا في الرمال والى جابنه قطع المطاط مبعثرة هنا وهناك. وفيما عدا ذلك فليس هناك شيء سوى الارض المنبسطة، لونها اسود ارجواني احيانا (في المناطق البازلتية)، واحيانا بيضاء (ملح) واحيانا صفراء (رمال او خرفان)، وكلها مكسوة باكياس البلاستيك التي تغطيه مثل قصاصات الورق. منظر يحطم قلوب حماة البيئة لو شاهدوه. ولو شهد واحد من جماعة الرفق بالحيوان الطريقة التي يتعامل بها الناس هنا مع كل كائن حي عدا الانسان لاصيب بالغثيان، ونصادف هنا وهناك نخلة ضائعة متهلهلة وشجيرات شوكية مغبرة.