انسحاب افضل من لا شيء- جوناثان فريد لاند

انسحاب افضل من لا شيء- جوناثان فريد لاند

انهم يسمونها حرب الالوان، فهناك المستوطنون اليهود الذين يواجهون الاجلاء من غزة ويأملون في شن ثورة برتقالية اسرائيلية - يحثون زملاءهم المواطنين على ارتداء ملابس برتقالية او التلويح برايات  برتقالية احتجاجاً على الانسحاب القادم.
ومن ناحية اخرى هنالك مفهوم المستوطنين الذين فشلوا، في مثال صارخ  على الفوضى بين اليسار، في الاتفاق على محطة تتعلق  بالالوان لذلك  اظهروا موافقتهم على فك الارتباط من غزة بالوان ازرق وابيض واخضر.
ان معركة قمصان تي شيرت والشرائط على هوائيات السيارات ليست سوى اوضح مؤشر على ما يصفه الوضع بحرب ثقافات، اثارها قرار اريل شارون بالانسحاب من غزة فقد اثار المتدينين ضد العلمانيين، واثار القوميين ضد الحمائم، وهذه الانقسامات مألوفة بشكل كاف - فهي تفسخ اسرائيل منذ عقود - لكن لها الان ساحة معركة جديدة اكثر اشتعالاً.
في الاسابيع القادمة، سوف يشهد الاسرائيليون مشاهد  تثير بعض اعمق المشاعر في ثقافتهم الوطنية ، فهم لديهم فعلاً دلالة تنذر بما سيأتي ففي يوم امس سجن العريف آفي بيبر ستة وخمسين يوماً بسبب رفضه المشاركة في هدم بيوت مهجورة في منطقة غوش قطيف في غزة.
وقد اثار ذلك المشهد سؤالين يضربان على العصب، ففي جيش من المواطنين الذي يجند جميع اليهود تجنيداً اجباريا في سن الثامنة عشرة، ذكورا واناثا، فان رفض الامر يشكل محظوراً شديداً. وشبيها بذلك، وفي مجتمع اسس على ما يعتبره روح الرواد في بناء المستوطنات، فان هدم مجتمع  يهودي انتهاك صارخ. وقد جاء العملان معاً يوم الاحد.
وكانت تلك الصور، صورة العصيان وصورة الهدم، عملاً احمائياً، فعندما يحين الخامس عشر من آب، يمكن ان يكون هناك مئات مثل العريف بيبر،  يرفضون ان يرفعوا ايديهم في وجوه زملائهم الاسرائيليين، اضافة الى صور  تلفزيونية  لا نهاية لها وهي تظهر المستوطنات السابقة خلال نسفها وتحويلها الى انقاض.
واذا قام المستوطنون بمهاجمة الجنود الاسرائيليين الذين يجيئون لاجلائهم، فلن تبدو الامور حرب ثقافات بل ستكون حرباً اهلية.
ان ما يجعل هذا  الصراع غريباً جداً هو تركيبة الجانبين، فمن  الذي اصبح الشخصية المكروهة من جانب اليمين الاسرائيلي؟ انه ليس سوى الرجل الذي يكرهه اليسار العالمي: انه اريل شارون.
ان قراره الاحادي بالرحيل  عن غزة وضع التقدميين الاسرائيليين في حالة ارتباك اولي لانه كان وراءه لذلك عليهم ان يقفوا  ضده.
والاهم من ذلك انهم يشكون بوجود خدعة، الخطوة الاولى من لعبة محسوبة من شيء مقابل شيء التخلي عن غزة مقابل اذن اميركي وبالتالي اذن عالمي بالاحتفاظ بافضل المناطق في الضفة الغربية ، ويظل ذلك الرأي جديرا بالثقة لكن مع اقتراب الخامس عشر من آب ، يصبح من الاصعب ان يظل على حاله نتيجة ما سينكشف لاحقاً، فالانسحاب من غزة  بحد ذاته شيء جيد وضروري وكما يقول داعية السلام الاسرائيلي المخضرم، يوسي سريد فان الانسحاب الاسرائيلي حتى وان كان من خم دجاج سوف يكون جديراً بالاحتفال به ، وغزة هي اكثر من خم دجاج.
هنالك ايضاً احتمال امام تقدم على المدى البعيد فالمتفائلون المبتهجون يرون غزة كسابقة هامة، تحمل بصمة داعية اسرائيل الكبرى نفسه وعندما يقر شارون بانسحاب فان المحظور سوف يتم كسره.
يقول هؤلاء الناس المفعمون بالامل ان الزخم والحراك لن يتم وقفهما. فالائتلاف الذي صنعه شارون من اجل فك الارتباط سوف ينهار مما يؤدي الى انتخابات جديدة ، ربما في الربيع القادم، فاذا حارب اولئك وكسب فانه يمكن ان ينسحب من وادي الاردن ومن بضع مستوطنات اخرى منعزلة في شمال الضفة الغربية. وقد يذهب من يخلفه الى ما هو ابعد.
يقول المتفائلون  ان ما هو افضل ان الفلسطينيين  قد يتعاونون مع الانسحاب الاسرائيلي ولا يقابلونه بموجة جديدة من العنف، وهنا يقول الدكتور غاري  سوسمان، وهو محلل في جامعة تل ابيب: يمكن لذلك ان يعتبر برهاناً على ان هنالك شريكاً.
بعد انهيار محادثات كامب دافيد خمس  سنوات اصبحت قضية اجماع اسرائيلي انه لا يوجد اب شريك في الجانب الفلسطيني ، ويمكن تسليم غزة بشكل سلس ان يبطل ذلك الرأي الشائع.
من السهل بطبيعة الحال افساد مثل هذا الحديث المفعم بالامل، فالصدمة التي  يشعر بها اليمين الاسرائيلي قد تخدم كسابقة معكوسة، تجعل كثيراً من الاسرائيليين مقتنعين بان الانسحاب تجربة مؤلمة جداً يصعب تكرارها.
ويمكن لتلك الحجة ان تتعزز نتيجة زيادة في الهجمات على المدنيين الاسرائيليين، فاذا عاد الانتحاريون باعداد كبيرة، يحركهم الاعتقاد بان العنف هو الذي اخرج اسرائيل من غزة فسوف يكون هناك رغبة اسرائيلية ضئيلة في تسليم المزيد من الارض.
لكن الذين يتخيلون ان الانسحاب من غزة يمكن ان يطلق احياء لعملية  السلام الشرق اوسطية التقليدية قد يرتكبون غلطة كبرى.
وذلك لان من هذا الرأي يفوته ما يجري هنا  حقيقة وكيف تحول اريل شارون الى شخصية ثورية. فقد قام بما يصفه الخبراء «بتغيير النموذج» ، الخروج على النموذج القديم لصنع السلام، والذي يتفاوض الجانبان فيه ويقدمان التنازلات، وذلك حتى يتصرف على هواه - مع العدو او بدونه.
لغاية الآن، فان معظم دعاة السلام، بمن فيهم اولئك من اليسار الاسرائيلي يأسفون لهذا التحول، قائلين انه يسعى الى فرض حل لمصلحة اسرائيل ويجعل الفلسطينيين مراقبين سلبيين لمصيرهم.
ان لتلك الانتقادات شدتها لكن  حجة قوية للتصرف الاحادي موجودة في الوقت ذاته وقد سمعتها في حديث جرى مؤخراً مع حاييم رامون. وهو وزير عمالي في حكومة شارون.
يقول ان الجميع يعرفون حدود حل دولتين في نهاية المطاف لكن المشكلة ان الجانبين لا يستطيعان الوصول الى ذلك، حتى اذا وافقت اسرائيل على التخلي عن معظم الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية فان الفلسطينيين في ظل ابو مازن لا يمكن ان يوافقوا على التخلي  عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين.
وبكلمات اخرى،  حتى عندما يصل الجانبان الى نقطة حاسمة فسوف يظلان متباعدين جدا والنتيجة كما يقول رامون انه اذا انتظرتم تحقيق اتفاقية سلام شاملة فانكم سوف تنتظرون الى الابد. وهذا شيء يتوافق مع المتطرفين من الجانبين لكن لا يوافق الذين يريدون التقدم.
وبدلاً من جعل الوضع القائم يستمر فان من الافضل انهاء اكبر قدر من الاحتلال  فالانسحاب التدريجي، الاحادي على طريقة شارون يمكن ان يرى 70% من الضفة الغربية بايدي الفلسطينيين خلال خمس عشرة سنة ، كما يقول رامون، وعندئذ يمكن للجانبين ان يجلسا معاً لتجسير ما يتبقى من خلافاتهم  حول الحدود النهائية واللاجئين والقدس لكن معظم الاحتلال يمكن ان ينتهي.
بطيء وليس كافياً تقريباً لكنه افضل من اوهام حل كل شيء وهي اوهام لا تنتهي باي شيء، حسبما يقول الوزير فكل الذين حلموا بالطريق المختصرة لم يجلبوا سوى الكوارث.
انه امر ليس مرضيا كثيراً فهو لا يعد الا بادارة الصراع وليس بحل كامل له ، وبالمقارنة مع اتفاق عادل ومنصف بين الطرفين فان مصافحة الايدي والابتسامات والابتهاج امور غير مغرية. لكن بالمقارنة  مع ما نراه الان وفي ضوء احتلال مضى عليه اكثر من 38 سنة، فانه يبدو اهون الشرور، فانها والاحتلال هو الافضل من انهاء احادياً وجزئياً للاحتلال افضل من لا شيء.