محيط النجوم.. أسرار الكون في صورة واحدة

تاريخ النشر : الأحد 10:15 8-11-2026
No Image

في بقعة صغيرة من السماء، يختبئ عالم هائل من النجوم والمجرات والغيوم الكونية، لا تكشفه العين المجردة، لكنه يظهر بوضوح مذهل حين تمتد إليه عدسات العلم. صورة واحدة بدقة 1.7 مليار بكسل كانت كافية لتمنحنا مشهدا استثنائيا، يجعلنا نتساءل: كم من العوالم لا نزال نجهل وجودها؟

نشر مرصد فيرا روبين، المقام على قمة جبل سيرو باتشون في تشيلي، صورة مذهلة أطلق عليها اسم «محيط النجوم» (Rubin’s Ocean of Stars)، تكشف حقلا واسعا من النجوم في كوكبة السبع، وتقدم رؤية غير مسبوقة لتفاصيل مجرتنا وما وراءها.

الصورة ليست مشهدا فنيا أو لوحة خيالية، بل رصد فلكي حقيقي التقطته كاميرا المرصد، وهي أكبر كاميرا رقمية في العالم، وتتميز بقدرتها على تصوير مساحات واسعة من السماء ورصد الأجرام شديدة الخفوت.

وتظهر في المشهد آلاف النقاط الضوئية بألوان ودرجات سطوع مختلفة، بين نجوم زرقاء وبيضاء وبرتقالية، تتخللها خيوط وسحب رمادية وبنية باهتة. وهذه السحب ليست غيوما جوية، بل تجمعات دقيقة من الغاز والغبار المنتشرة بين نجوم مجرة درب التبانة، وتُعرف باسم «السحب الغبارية المجرية».

وكلما اقتربنا من تفاصيل الصورة، انكشفت مشاهد جديدة؛ نجوم لم تكن واضحة، وتجمعات نجمية، ومجرات بعيدة تختبئ خلف هذا الحشد الكوني. إنها صورة تختصر اتساع الكون في نافذة واحدة، وتكشف كم لا يزال بعيدا عن حدود إدراكنا.

أين تقع هذه البقعة من السماء؟

يقع حقل «محيط النجوم» في كوكبة السبع، ضمن منطقة من السماء الجنوبية قريبة من كوكبة قنطورس وبرج العقرب، وهي منطقة غنية بالنجوم التابعة لدرب التبانة.

وتبلغ مساحة مجال رؤية كاميرا روبين نحو 10 درجات مربعة، بينما تصل مساحة السماء الكاملة إلى قرابة 41 ألف درجة مربعة. أي إن مجال رؤية الكاميرا يعادل نحو جزء واحد من أربعة آلاف جزء من السماء.

ولنتخيل حجم ذلك: إن السماء أشبه بقبة هائلة مقسمة إلى آلاف النوافذ، وما تكشفه هذه الصورة ليس سوى نافذة صغيرة من هذا المشهد اللامتناهي.

لكن توزيع الأجرام السماوية ليس متساويا؛ فعندما نوجه أنظارنا نحو المستوى الرئيسي لمجرة درب التبانة، نجد أعدادا كبيرة من النجوم والسحب الغبارية، بينما تظهر المجرات البعيدة بوضوح أكبر في المناطق الأقل ازدحاما بنجوم مجرتنا وغبارها.

هابل.. حين تحولت بقعة فارغة إلى آلاف المجرات

لم تكن مفاجأة روبين الأولى من نوعها في تاريخ علم الفلك؛ ففي ديسمبر/كانون الأول 1995، خاض علماء الفلك تجربة غير مسبوقة باستخدام تلسكوب هابل الفضائي.

اختار العلماء بقعة صغيرة جدا في كوكبة الدب الأكبر، بدت شبه خالية من النجوم والمجرات اللامعة، ووجهوا التلسكوب نحوها لمدة عشرة أيام متواصلة، التقط خلالها 342 تعريضا، تجاوز مجموع أزمنتها 100 ساعة.

وعندما جُمعت الصور، ظهرت مفاجأة أذهلت العلماء: نحو ثلاثة آلاف مجرة في مساحة صغيرة للغاية، كانت تبدو للعين المجردة وكأنها فراغ كوني لا يحتوي على شيء.

لم تكن معظم تلك البقع الضوئية نجوما منفردة، بل مجرات كاملة، تضم كل واحدة منها أعدادا هائلة من النجوم. وكانت بعيدة وخافتة إلى درجة أن أدوات الرصد السابقة لم تستطع كشفها.

أثبتت تجربة «حقل هابل العميق» أن النظر إلى أعماق السماء ليس مجرد استكشاف للمسافات، بل رحلة إلى الماضي؛ فالضوء القادم من المجرات البعيدة يستغرق ملايين أو مليارات السنين حتى يصل إلى الأرض، ولذلك نراها كما كانت في عصور سحيقة.

نصف مليون مجرة في صورة أخرى لروبين

بعد عقود من تجربة هابل، جاء مرصد فيرا روبين ليقدم إمكانات جديدة في تصوير السماء الواسعة ورصد الأجرام الخافتة.

ففي يوليو/تموز 2026، كشف المرصد صورة عميقة لحقل «كوزموس» في كوكبة السدس، أعلن أنها تضم أكثر من نصف مليون مجرة، إلى جانب أكثر من 50 ألف نجم.

وهنا تظهر أهمية الاختلاف بين المرصدين؛ فهابل استطاع التعمق في مساحة ضيقة للغاية للكشف عن أجرام شديدة البعد والخفوت، بينما يجمع روبين بين الحساسية العالية ومجال الرؤية الواسع، مع إمكانية العودة إلى المناطق نفسها مرارا لمتابعة تغيراتها.

ولا يعني ذلك أن روبين يتفوق على هابل في جميع مجالات الرصد، فلكل منهما قدراته العلمية وأهدافه الخاصة، لكنهما يمثلان مرحلتين متكاملتين في توسيع معرفتنا بالكون.

كم مجرة وكم نجما يضم الكون؟

إذا كانت بقعة صغيرة من السماء قد كشفت آلاف المجرات، فكم يمكن أن نجد لو استطعنا رصد السماء كلها بالعمق نفسه؟

تشير التقديرات الفلكية إلى أن الكون المرصود قد يحتوي على مئات المليارات من المجرات، بل إن بعض التقديرات ترفع العدد إلى نحو تريليوني مجرة، عند احتساب المجرات الصغيرة والخافتة التي يصعب رصدها مباشرة.

أما مجرتنا درب التبانة، فيُعتقد أنها تضم مئات المليارات من النجوم.

ولتصور ضخامة الأعداد، لو افترضنا وجود 100 مليار نجم في كل مجرة، وضربنا هذا الرقم في تريليوني مجرة، فسنحصل على نحو 200 ألف مليار مليار نجم، أي الرقم 2 وأمامه 22 صفرا!

لكن هذا مجرد افتراض توضيحي، وليس إحصاء علميا لعدد نجوم الكون، فالمجرات تختلف كثيرا في أحجامها وكتلها وأعداد نجومها.

والأهم أن هذه التقديرات تتعلق بالكون المرصود فقط، إذ توجد أجرام شديدة الخفوت لا تستطيع أجهزتنا اكتشافها، ومناطق يحجبها الغبار الكوني، فضلا عن أجزاء من الكون لم يصل ضوؤها إلينا بعد.

نافذة صغيرة.. وعظمة لا حدود لها

تكشف صورة «محيط النجوم» أن ما نراه في السماء ليس إلا جزءا ضئيلا من عالم بالغ الاتساع والتعقيد. فخلف كل نقطة ضوئية قد تختبئ قصة نجم، أو نظام نجمي، أو مجرة تضم مليارات النجوم.

وكلما تطورت أدوات الرصد، اتسعت حدود معرفتنا، وظهرت أمامنا أسئلة جديدة عن نشأة المجرات، وتطور النجوم، وبنية الكون ومصيره.

إنها رحلة علمية لا تقتصر على اكتشاف الأجرام والمسافات، بل تفتح أمام الإنسان آفاقا أوسع للتأمل في عظمة الخلق ودقة النظام الكوني.

فإذا كانت بقعة صغيرة من السماء تحمل كل هذه العوالم، فكيف باتساع الكون كله؟

ولعل هذا المشهد يعيد إلى الأذهان قول الله تعالى:

{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ} [آل عمران: 191].

فالعلم يكشف لنا شيئا من أسرار الكون، والتأمل في عظمته واتساعه يذكرنا بأن وراء هذا الإبداع قدرة الخالق وحكمته.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }