قد تنفق الكثير من المال على ألعاب ملونة ومبتكرة لطفلك، لكنه قد يتجاهلها تماما وينشغل لساعات بملعقة خشبية أو علبة بلاستيكية أو ميدالية مفاتيح! فما سر انجذابه إلى هذه الأشياء البسيطة؟
الأمر لا يتعلق بفضول عابر، بل بطريقة الطفل في اكتشاف العالم من حوله. فهو لا يهتم كثيرا بسعر اللعبة أو الغرض الذي صُنعت من أجله، وإنما بما يمكنه فعله بها. فالوعاء مثلا يمكن قلبه أو الطرق عليه أو وضع أشياء بداخله، وكل تجربة تمنحه نتيجة جديدة تثير فضوله.
وتمنح الأدوات المنزلية البسيطة الطفل مساحة أوسع للتجربة والابتكار، على عكس بعض الألعاب الجاهزة التي تقتصر على وظائف محددة واستجابات متكررة.
اللعب بالأشياء البسيطة ينمّي الفضول
أظهرت دراسة نشرتها مجلة "Communications Psychology" عام 2025، وشملت 60 طفلا يبلغ متوسط أعمارهم نحو 5 سنوات، أن الأطفال أمضوا وقتا أطول في اللعب بمواد بسيطة ومتعددة الاستخدامات، مثل الكرتون والأقمشة والأنابيب، مقارنة بالألعاب الموسيقية المخصصة لهم.
كما أظهروا سلوكيات استكشافية أكثر تنوعا، من بينها تركيب الأشياء وبناء الأشكال واختبار الأحجام والأوزان والكميات.
وتشير هذه النتائج إلى أن الألعاب التي تتيح للطفل حرية التجريب تمنحه فرصا أكبر لاكتشاف أفكار جديدة، بدلا من الاكتفاء بتكرار طريقة استخدام واحدة.
لماذا يفضّل الطفل القيام بالأشياء الحقيقية؟
لا يقتصر الأمر على الأدوات المنزلية، فالطفل غالبا ما يفضّل ممارسة الأنشطة اليومية بصورة حقيقية بدلا من الاكتفاء بمحاكاتها أثناء اللعب.
وفي دراسة أجراها باحثون من جامعة فرجينيا الأمريكية على 100 طفل تتراوح أعمارهم بين 3 و6 سنوات، اختار الأطفال أداء الأنشطة فعليا في نحو ثلثي المرات، بدلا من التظاهر بممارستها.
وأبدى كثير منهم رغبة في تعلم مهارات جديدة أو إنجاز مهام مفيدة، وهو ما يعكس حاجتهم إلى الشعور بالاستقلال والقدرة على التأثير في محيطهم.
فغسل الطفل لصحنه الحقيقي، مثلا، يمنحه إحساسا بالإنجاز ورؤية مباشرة لنتيجة ما يفعله، وهو شعور قد لا يوفره استخدام أدوات بلاستيكية لمجرد التظاهر.
تقليد الوالدين سر آخر للجاذبية
هناك سبب إضافي يجعل طفلك يرغب دائما في الحصول على الأداة التي تستخدمها: إنه يحب تقليدك.
فالأطفال بين 18 شهرا و3 سنوات يميلون إلى مراقبة والديهم ومحاكاة تصرفاتهم، ولذلك قد ينجذب الطفل إلى الممسحة أو فرشاة الشعر أو ملعقة المطبخ، لأنها أدوات يراها مستخدمة باستمرار في الحياة اليومية.
ولا يريد الطفل في هذه الحالة مجرد امتلاك الشيء، بل يرغب في المشاركة والقيام بالمهمة بنفسه، حتى لو لم يتقنها بعد.
كيف تستفيد من هذا الفضول؟
يمكن للوالدين تحويل هذا الميل الطبيعي إلى فرص للتعلم وتنمية المهارات، مع مراعاة سلامة الأدوات وملاءمتها لعمر الطفل.
للأطفال دون الثالثة: يمكن تقديم عبوات الطعام البلاستيكية الآمنة، والأكواب غير القابلة للكسر، والملاعق الخشبية أو البلاستيكية الملساء، مع الإشراف المباشر.
إشراك الطفل في المهام اليومية: مثل وضع الملابس المتسخة في السلة، وغسل اليدين، ومسح الأسطح.
تشجيعه على المساعدة: مع الاقتراب من سن الثالثة، يمكنه المشاركة في غسل الخضراوات أو ترتيب المائدة باستخدام أدوات مناسبة وآمنة.
منحه حرية التجربة: لا تتوقع منه إتقان المهمة، بل اترك له فرصة المحاولة والتعلم والاستمتاع بما يفعله.
ومن المهم إبعاد الأدوات الحادة، والأجزاء الصغيرة القابلة للابتلاع، والأجهزة الكهربائية والمواد التي قد تشكل خطرا عليه.
في النهاية، لا يحتاج الطفل دائما إلى ألعاب باهظة الثمن حتى يتعلم ويستكشف. فقد تكون ملعقة خشبية أو علبة بلاستيكية بداية تجربة ممتعة تساعده على فهم العالم واكتساب الثقة بقدراته. والأهم أن تمنحه مساحة آمنة ليجرب ويشارك ويكتشف بنفسه.